|
06/02/1426
تقرير بيكر : حل حقيقي؟ أم سرقة وقت؟ بقلم : صلاح المختار بصدور تقرير بيكر- هاملتون تكون الولايات المتحدة الامريكية قد اقرت من خلال افضل نخبها السياسية، الممثلة لكل اتجاهات صنع القرار او المساعدة على صنعة، بأن غزو العراق كان كارثة ستراتيجية لم تتسبب في مثلها امريكا من قبل لنفسها ولغيرها, من حيث الخطورة والنتائج، في كل تاريخها، ورغم ان التقرير يوحي بسلسلة اجراءات شاملة ليس لموضوع العراق فقط, بل لكافة المشاكل المعقدة في الوطن العربي، خصوصاً مشكلة فلسطين وعواقبها في سوريا ولبنان وغيرها، فان الكابوس العراقي يبقى هو المحرك الاساسي في التقرير، ماذا ورد فيه؟ وهل يمكن تطبيق ماورد فيه اذا افترضنا ان ادارة بوش ستقبله؟
من الواضح ان التقرير ينطلق من هاجس مقلق جداً للنخب الامريكية وهو ان يخلق الفشل في العراق رد فعل متسلسل ليس في العراق والوطن العربي والشرق الاوسط والعالم فحسب، بل في داخل امريكا ايضاً. فالتقرير يناقش مثلاً دراسة حالة الجيش العائد لامريكا (بعد الانسحاب) من مختلف الجوانب للتأكد من (جهوزيته)، وفحص ومعالجة المعدات العسكرية، وتقويم آثار اشتراك الجيش في الحرب على الجنود العائدين، والكلفة المالية.. الخ. وهذا الهاجس الشمولي هو اعتراف مباشر بان غزو العراق، واشعاله لمقاومة وطنية مسلحة، قد وضع امريكا بين خيارين: اما التخلي عن استراتيجية استسهال السيطرة المنفردة على العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، او مواجهة كارثة انهيار امريكي داخلي يعقب هزيمتها في الخارج. ولذلك لم تكن صدفة اشارة التقرير الى ان تكاليف غزو العراق قد تصل الي تريليون دولار امريكي، وهي تكلفة تكفي وحدها لاحداث زلزال اقتصادي اجتماعي مدمر.
بتأثير الهاجس الشمولي
المقلق وتوقع حدوث رد فعل متسلسل وضعت اللجنة تقريرها ليكون ايضاً
ممسوساً بالاوضاع المؤِثرة بالحالة العراقية. ان (مبدأ الربط) بين
قضايا الوطن العربي, وهو ما يسمى (مبدأ صدام في السياسة الدولية ),
يبدو واضحاً في التقرير، بعد ان استمرت امريكا بتبني سياسة فصل
القضايا العربية المتعددة عن بعضها، والاصرار على حل مشكلة فلسطين
ليس فقط بمعزل عن قضايا العراق والتنمية والسودان والامن،
والجولان...الخ فقط بل انها كانت تصر ايضاً على فصل مسارات تطبيع
العلاقات بين اسرائيل والحكومات العربية واعتماد طريقة الحلول
المنفردة.
إذن التقرير يقلب
المقترب الامريكي الاساسي والرسمي الذي ابتدأت به ادارة بوش بغزو
العراق، وهو مقترب الانفراد الامريكي بالغزو والنهب واشتراط خضوع
الآخرين للقيادة الامريكية المنفردة، اما الآن فإن المقترب للخروج
من المستنقع العراقي هو مقترب اقليمي ودولي شامل، وهذا التغيير حصل
قبل اكثر من عام حينما شرعت امريكا بالتوسل لاقناع الاطراف
المذكورة بمد حبل الانقاذ لها في العراق، وذلك يعد اعترافاً عملياً
ورسمياً بأن المشروع الامريكي الرسمي والاصلي في العراق والمنطقة
قد سقط. ان دمج المقاومة بالعملية السياسية كجزء من القوى السياسية (الشرعية), ليس سوى محاولة امريكية لتحقيق نصر في الوسائل السياسية رغم ان امريكا خسرت الحرب العسكرية! هذا امر سيكون الرصاصة القاتلة لمشروع بيكر حتى لو اقر كما سنرى فيما بعد. وتتعزز فكرة ان امريكا تريد تحقيق نصر بالوسائل السياسية رغم فشلها العسكري بملاحظة ان المقترحات ا لواردة حول بناء القوات المسلحة العراقية والاقتصاد العراقي مثلاً تقوم على بقاء دور امريكي اساسي وطويل المدى، مما يعني ان امريكا تريد اقامة تشكيلة سياسية عامة، باسم (المصالحة الوطنية) تكون غطاء لبقائها في العراق، واستبدال أداة حكم العراق، وهي الدبابة الآن، بالريموت كونترول، اي ان تقيم هياكل سياسية وعسكرية وامنية واقتصادية شكلها عراقي لكنها في الواقع خاضعة لاملاءات وتوجيهات امريكية صريحة. والامر الواضح من خلال تقرير بيكر هو ان امريكا تريد اقامة ترتبيات اقليمية عسكرية بشكل خاص، مثل اقامة او تعزيز قواعدها في محيط العراق ومقترباته لأجل ضمان ردع اي احتمال لخروج العراق عن الاملاءات الامريكية، وهذا امر حذرنا منه بكتاباتنا ومحاضراتنا منذ عامين، حينما اقتنعنا بأن امريكا قد هزمت استراتيجياً في العراق. صحيح ان التقرير يشير الى تهديدات اقليمية محتملة بعد سحب اغلب القوات الامريكية من العراق، لكن يبقى الهاجس المنظور مثل شبح في بيت مسكون بالارواح المخيفة هو المقاومة العراقية بكافة اشكالها، خصوصاً المسلحة لان تجربة حرب تحرير العراق التي مازالت تتصاعد قد اثبتت للامريكيين ان العراق بلد من المستحيل ان يحكمه اجنبي مهما زوق حكمه.
ماهو موقف المقاومة العراقية؟
من المؤكد ان المقاومة
العراقية المسلحة، بكافة فصائلها, ترفض تقرير بيكر وما ورد فيه
جملة وتفصيلاً، لأنه يتناقض بشكل جذري وشامل مع البرنامج المتفق
عليه مباشرة وضمنياً, فالمقاومة تصر في مطالبها الاساسية على تحقيق
انسحاب شامل وغير مشروط لكافة قوات الاحتلال وانتهاء اي دور امريكي
في العراق، وتعويض العراق دولة وافراداً، والغاء كافة القوانين
التي اصدرها الاحتلال، وعودة التشكيلات الدستورية للدولة كما كانت
عليه قبل الاحتلال، وتسليم العراقيين الذين خدموا الاحتلال وساعدوه
على تدمير العراق، واخيراً وليس آخراً اعتذار امريكا من العراق.
ان الجواب يأخذ شقين:
الشق الاول هو ان امريكا, وقد اقتنعت باستحالة استعمارها للعراق,
لا تستطيع الخروج بلا غطاء محكم، بل تريد حلاً يحفظ ماء الوجه،
لذلك فإنها تناور بالوقت الضائع, كما تحاول سرقة وقت لاجل تأمين
الغطاء المحكم. انها تعرف من خلال تجربة حوالي اربعة اعوام من
الاحتلال انها لا تستطيع قهر المقاومة المسلحة ابداً، بل هي توصلت
الى قناعة كان تقرير بيكر احد اهم مظاهرها، وهي ان
البقاء في العراق يعد انتحاراً امريكياً
بطيئاً، لذلك يجب ان نكشف الآن سراً مهماً وهو ان
المسؤولين الامريكيين لا يتصلون بالمقاومة العراقية سراً للتفاوض
فقط، فهذا امر معروف بل انهم ايضاً يتصلون بالرئيس صدام حسين
شخصياً، وقد عرض عليه قبل اصدار حكم الإعدام بفترة قصيرة جداً،
وبواسطة امريكي معروف ان يعود للحكم هو والبعث بشرط الموافقة على
بقاء قاعدة عسكرية امريكية واحدة في العراق لمدة لا تتجاوز العام
لأجل منع اعطاء انطباع بأن امريكا قد هزمت كلياً، ورفض الرئيس صدام
حسين العرض قائلاً: اذا بقي جندي امريكي واحد فوق ارض العراق فتلك
خيانة عظمى. |