08/04/1428

أمريكا تقتل أساتذة الجامعات العرب.. لماذا؟

 بقلم : أ. د. سليمان صالح 

 يشكل أساتذة الجامعات اهم الثروات البشرية للدول، حيث يعهد إليهم كل مجتمع بتربية الأجيال القادمة من الشباب الذين سيقودون مسيرته ويحققون نهضته.
والجامعات لا يمكن أن تقوم بوظيفتها في تنشئة الأجيال، وقيادة التطور العلمي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات دون أن يتوافر لها العدد المناسب من الأساتذة الذين يتمتعون بالعلم والكفاءة والإخلاص.
وأستاذ الجامعة هوأهم قادة الرأي في المجتمع، فهوالذي يؤثر على سلوك طلابه ويشكل انتماءهم للوطن، ولذلك فإنه لا يكفي ان تتوافر الكفاءة العلمية والمهارات التدريسية في أستاذ الجامعة، ولكن هناك شروط قد تكون أكثر أهمية هي الإخلاص والقدرة على العطاء والقدرة على حمل الأمانة وأداء المسؤولية، والدفاع عن هوية المجتمع وذاتيته الثقافية.

لذلك فإن وجود ثروة بشرية من تلك النوعية من الأساتذة في أي مجتمع يعني ان هناك إمكانية لأن ينهض هذا المجتمع ويتقدم ويتحرر من الاستعمار ويحقق الديمقراطية. وكلما زاد عدد الأساتذة الذين تتوافر فيهم تلك الشروط في أي مجتمع زادت إمكانيات تقدمه وتحرر واستقلاله ونهضته.
واستاذ الجامعة لا يمكن ان يتم التعامل معه باعتباره مجرد موظف يمكن استبداله والاستغناء عنه، فهوصاحب رأي وموقف وضمير، وتزداد قيمته كلما زاد علمه وخبرته وعطاؤه وانتماؤه للوطن واعتزازه بثقافة الأمة وهويتها.

أمريكا تقتل الأساتذة
في ضوء ذلك يمكن أن نفهم المأساة التي يواجهها أهلنا في العراق، والكارثة التي تواجهها الأجيال القادمة من العراقيين.
لقد كان أهم إنجازات النظام السابق في العراق هي أنه قام بتشكيل ثروة للعراق من أساتذة الجامعات الذين امتلكوا المعرفة الرفيعة والكفاءة العلمية في كل المجالات.. وكان هذا الانجاز في حد ذاته يمكن ان يكون الاساس الذي تبني عليه نهضة العراق وتقدمه.

وأمريكا كانت تعرف ما يشكله خطر وجود تلك الثروة البشرية العراقية على مخططها الاستعماري طويل المدى في المنطقة، وان هؤلاء الأساتذة يستطيعون أن يقودوا طلابهم لبناء عراق قوي ومتقدم يشكل قاعدة لنهضة الأمة الإسلامية كلها.

وأمريكا قامت بغزوالعراق بهدف ضرب إمكانيات نهضة الأمة وتقدمها وليس لتدمير أسلحة الدمار الشامل التي تعرف جيداً انها لم يكن لها وجود.
ولذلك فإنها استهدفت الجامعات العراقية بعد نجاحها في احتلال العراق، وطاردت أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية أساتذة الجامعات العراقيين، حيث نجحت في اغتيال 232 أستاذاً طبقاً لتقدير رئىس اللجنة الدولية للتضامن مع الأساتذة العراقيين، كما اختفى 56 استاذا، واضطر أكثر من ثلاثة آلاف استاذ للهجرة خارج العراق.. وقد أدى ذلك إلى قيام وزارة التعليم العراقية بإغلاق 152 قسماً علمياً لعدم وجود أساتذة، كما ان الدراسة في الجامعات العراقية أصبحت غير منتظمة، وزادت نسبة غياب الطلبة بنسبة 75%.

تدمير المستقبل
أمريكا تهدف بذلك إلى تدمير مستقبل الأمة، ومنعها من تحقيق النهضة، وهذا الإرهاب الموجه للأساتذة العراقيين يهدف إلى إجبار الأساتذة على الهجرة، فلم يعد أمامهم خيار سوى الموت أوالهجرة.
في ضوء ذلك يمكن ان نفسر أيضاً تلك الأحداث الإرهابية التي استهدفت تدمير بعض الجامعات العراقية، ومن الواضح ان تلك التفجيرات كانت نتيجة مخططات مخابراتية أمريكية وإسرائىلية. فأعداء الأمة هم من يستهدفون اساتذتها وطلابها وجامعاتها لمنعها من صنع مستقبلها، وبناء نهضتها.

أمريكا تدرك تماماً انها ستضطر إلى الانسحاب مهزومة من العراق، وتعرف ايضا ان شعب العراق يستطيع في بضع سنوات ان يعيد ما دمرته الآلة العسكرية الأمريكية، وأن ينهض شامخاً عزيزاً قوياً، وانه يمكن ان يكرر تجارب اليابان وألمانيا وفيتنام، خاصة انه يملك الكثير من القدرات المادية، ويمتلك أكبر احتياطي من البترول في العالم، وأنه يمكن ان يستخدم عائدات بتروله في بناء نهضة صناعية مستقلة، وبناء نظام اقتصادي مستقل. ولذلك فإن أمريكا تريد ان تمنع هذا الاحتمال، وانه اذا كان عليها ان تنسحب مهزومة من العراق، فإنه يمكنها ان تدمر ثروته البشرية التي يمكن ان تقود التقدم وتبني النهضة!
إن توعية الأمة بخطورة استهداف أمريكا لأساتذة الجامعات في العراق على مستقبلها أصبح فرضاً وواجباً على كل من ينتمي لهذه الأمة، ويحلم باستقلالها وتقدمها وحريتها.

ذكريات ودموع
اتابع بحزن منذ زمن طويل أنباء اغتيال اساتذة العراق، وتثور في نفسي ذكريات طيبة لأيام الدراسة التي جمعتني بزملاء عراقيين في جامعة ليستر.. كان معظمهم ينتمون رسمياً لحزب البعث ويدافعون عن سياسة النظام العراقي، وكنت اختلف معهم بشدة، فقد كنت اقف في صف المعارض لذلك النظام، لكن من موقع المستقل الذي يزن كل المواقف بميزان الانتماء للأمة، والاعتزاز بالهوية العربية الإسلامية.. ولذلك كثيراً ما كان الخلاف مع الزملاء العراقيين يتحول في النهاية إلى دعوة على عشاء به قليل من اللحم الحلال، وبعض الأرز والخبز.. انه طعام عربي، وكانت نفوسنا تتوق لكل ما هوعربي، فأنا وهم لم نكن متغربين، ولن نكون.. اننا ننتمي لحضارة عظيمة، ومهما بلغت الخلافات بيننا، يمكن ان نتوحد من أجل مصلحة الوطن، ونقف معاً في خندق الدفاع عن هوية الأمة ومستقبلها ضد الغزوالعسكري والثقافي الغربي.

مضت السنوات ونسيت أسماء هؤلاء الزملاء، ولم أعد اذكر حتى ملامح وجوههم.. لكنني عندما كنت استمع لأخبار اغتيال أساتذة العراق اشعر ان القلب ينفطر فجأة، لكنني ارفض بإباء العربي وشموخه ان اختزل حزني في قطرات الدموع.. ربما يكون بعض زملاء الدراسة ممن اغتالتهم رصاصات الغدر، وسالت دماؤهم على أرض بغداد التي كانت يوما رمز قوة الحضارة العربية ووحدة الأمة. نسيت خلافاتي معهم، وتذكرت فقط اننا كنا نشترك في الاعتزاز بأصلنا العربي وبأننا أبناء لحضارة عظيمة كانت عاصمتها بغداد لقرون طويلة. تمنيت أن أذهب لبغداد أبحث عن زملاء الدراسة، وأقول لهم لقد آن لنا ان نحول خلافاتنا إلى مصدر للإبداع في الكفاح من أجل وحدة أمتنا ونهضتها، وان نتناقش بحرية في جامعات العراق لنبني معاً مشروعاً حضارياً جديداً تستعيد أمتنا في ظله حريتها واستقلالها.

كلنا في الهم عرب
استغرقني الحزن على أساتذة العراق.. وفجأة ثار في نفسي سؤال: هل نقف نحن بعيداً عن دائرة الخطر؟ إن كل أستاذ عربي يعتز بانتمائه للأمة، ويستخدم علمه في الكفاح لتحقيق نهضتها على امتداد الوطن العربي ليتعرض لأنواع مختلفة من الاضطهاد على أيدي النظم العربي التابعة لأمريكا.

أمريكا أصبحت ترى في تلك النوعية من الأساتذة العرب الذين يتمتعون بالإخلاص والكفاءة خطراً على مشروعها، ولذلك تدفع النظم التابعة لها للتضييق عليهم لإجبارهم على الهجرة داخل الوطن أوخارجه.. وأمريكا سرقت الكثير من العقول العربية المبدعة، ولكنها تريد تلك النوعية من الأساتذة، ويمكن ان تفتح أمامهم أبواب الهجرة لتبعدهم عن مجال التأثير على الشباب العربي.

ولقد قامت أمريكا بتشكيل أعداد من الأساتذة العرب الذين سرقتهم منذ سنوات، وعرضتهم لفتنة المال ومغريات الحياة حتى تغربوا أوتأمركوا ونسوا انتماءهم للأمة، وهي تريد ان تدفع بهم الآن ليقوموا بتشكيل الأجيال الجديدة بشكل يحقق المصالح الأمريكية، وطبقا للأجندة التي شكلتها.. وفي الوقت نفسه فإنها يمكن أن تسرق الأساتذة العرب المبدعين المنتمين للأمة لتبعدهم عن مسيرة الكفاح لتحقيق الاستقلال والنهضة.

إذا كانت رصاصات الغدر الأمريكي تطارد أساتذة العراق، فإن الاضطهاد يطارد الأساتذة العرب في كل أرجاء الوطن.. ولا يوجد استاذ عربي ينتمي للأمة ويعتز بهويتها وتاريخها وحضارتها ويكافح لتحقيق نهضتها لا يتعرض للاضطهاد.. وكم في أرضنا من خيرات، ولكننا نعيش فيها كالغرباء.

دماء إخواننا أساتذة العراق التي تسيل على ثرى بغداد هي دماؤنا، وهي رسالة تحذير لنا وللأمة، ولذلك آن لكل أساتذة الجامعات العرب ان يتوحدوا دفاعاً عن حق أمتهم في النهضة والتقدم، وليحموا حقهم في صنع مستقبل أمتهم، وتشكيل ثقافة الأجيال القادمة.

لقد آن لنا ان نتوحد في شكل اتحاد عربي لأساتذة الجامعات يدافع عن كل أستاذ جامعي يتعرض للاضطهاد، ويحمي حق الأمة في أن يظل الأساتذة الذين يعتزون بانتمائهم لها يمارسون وظيفتهم في صياغة عقول أجيال المستقبل التي تبني نهضة الأمة.

الأساتذة هم ثروة الأمة، وأمريكا تريد ان تحرم الأمة من هذه الثروة، فتقتل الأساتذة أوترغمهم على الهجرة.
لذلك لابد ان يتوحد الأساتذة العرب دفاعاً عن حريتهم وحقهم في الكفاح لبناء مستقبل أفضل لأمتهم.. فلا يمكن ان ننتصر في كفاحنا لتحرير أمتنا قبل ان ننتصر في كفاحنا لتأكيد حريتنا وحماية حقنا في الحياة على أرضنا.

لذلك آن لأساتذة الجامعات أن يتوحدوا كمقدمة لوحدة الأمة، وان يشكلوا اتحاداً عربياً لأساتذة الجامعات، وقد نجد قريباً مقراً لهذا الاتحاد في بغداد المحررة، بعد ان تنسحب القوات الأمريكية مهزومة. ويومها سأبحث عن زملاء دراستي وأقول لهم إن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، فلنحول خلافاتنا الفكرية إلى مصدر لتنوع الاجتهاد لتحقيق نهضة أمتنا وتقدمها، فهذا وحده هوالثأر الحقيقي لأساتذة العراق.

يوم ان نقيم الاتحاد العربي لأساتذة الجامعات، ونعقد المؤتمر العام لهذا الاتحاد في إحدى جامعات بغداد، سأسمح لدموعي أن تتساقط بحرية على إخواني أساتذة العراق الذين اغتالتهم أمريكا، وسأمد يدي لاتقبل العزاء، لأنني سأشعر يومها اننا أخذنا بثأرهم.

 الشرق

إلى صفحة مقالات وأراء13