الحكومة الامريكية بدأت في تطبيق
خطة أمنية جديدة في العراق، لاعادةالهدوء الي العاصمة
بغداد، والقضاء علي المقاومة في محافظة الانبار، وارسلت واحداوعشرين الف جندي من
زبدة قواتها لتحقيق هذا الهدف. هذه الخطة، التي
تعتبر العمودالفقري في استراتيجية
الرئيس بوش الجديدة في العراق، اسفرت عن مقتل اربعين امريكيافي الايام الثلاثة
الماضية فقط، ثلاثة عشر منهم في اسقاط طائرة عمودية علي ايديالمقاومة، والباقين
في هجمات متفرقة في بغداد والرمادي، ولعل الاشتباكات الأهم التياندلعت منذ الاعلان
عن الاستراتيجية الجديدة، هي تلك التي بين الرئيس بوش ورئيسالحكومة العراقية
نوري المالكي علي صفحات الجرائد، حيث تباري الاثنان في اتهامبعضهما البعض بالضعف. مكتب السيد المالكي
تنصل من تصريحات رئيسه التي ادلي بهاالي صحيفة ايطالية
ورد فيها علي الرئيس بوش باتهامه بالضعف، بينما اصدر البيتالابيض بيانا اكد فيه
الثقة بالحكومة العراقية ورئيسها. وتعكس هذه الكوميدياالسوداء حقيقة
الاوضاع الراهنة في العراق، والمستقبل المؤلم الذي ينتظره هذا البلد،ومدي فشل العملية
السياسية الامريكية في تحقيق الحد الادني من الانسجام بين المعلمالامريكي في واشنطن
وتلاميذه غير النجباء في العراق الجديد
. فمن المفارقة انهبعد ان خسرت الولايات
المتحدة سمعتها وثلاثة الاف قتيل من ابنائها وما يقرب من 500مليار دولار من اموال
مواطنيها، لتنصيب السيد المالكي كزعيم علي سدة الحكم فيبغداد، يستأسد عليها
الاخير، ويصف رئيسها بالضعف. الرئيس بوش ضعيف
فعلاً، ويعيشاسوأ ايامه، لانه
اعتمد علي اشخاص طائفيين حاقدين مثل السيد المالكي لا يستطيعادارة غرفة اعدام، او
شنق انسان كما تقتضي القواعد والاصول، وقبل هذا وذاك غزو بلدمستقل واحتلاله
استنادا علي اكاذيب اشخاص محترفين مثل احمد الجلبي واياد علاويوبقية الجوقة التي
حولت البلد الي مقبرة جماعية، وساحة للقتل والدمار ونهب المالالعام. ربما يفيد الرئيس بوش
ان يقارن بين حلفائه في العراق وولائهم له وعرفانهمبجميله، وبين رجالات
النظام السابق الذين وقفوا كالاسود امام المقصلة، وكانت وصيةرئيسهم صدام حسين
لمحاميه ان لا يتقدموا بأي التماس لالغاء حكم الاعدام، وان لايطلبوا من اي زعيم
عربي التدخل. كان لافتاً ان اي من
رجالات الحكم السابق، لميتخل عن رئيسه، ولم
يحاول مطلقا ان يتنصل من المسؤولية، ويحملها له باعتباره الرجلالاول في النظام، او
يتفوه بكلمة واحدة تسيء اليه، وتتبرأ منه حتي بعد النطق بالحكمبالاعدام. لم نشاهد شخصا واحدا
من رفاق الرئيس الراحل يتوسل للحكام الجدد طالباالرحمة، شيعة وسنة،
بل شاهدنا ولاء مطلقا، وايمانا بالعراق العربي السيد، ورباطةجأش، وصفات من
الشجاعة لا توجد الا عند الرجال الرجال، الذين يحبون بلدهم، ويسعونمن أجل عزته وكرامته،
وتكريس هويته الوطنية. كان باستطاعة السيد
طارق عزيز انيعيش حرا طليقا، وهو
المريض، وغير المدان في اي قضية، لو انه شهد في المحكمة ضدرئيسه، ولكنه لم يفعل
رغم الاغراءات الامريكية العديدة، وفضل ان لا يخون ضميره،ووقف في قفص الاتهام
مدافعا صلبا عنه، ومذكرا السيد المالكي انه نفسه تعرض لمحاولةاغتيال في الجامعة
المستنصرية علي ايدي مجموعة تابعة لاحدي تنظيمات المعارضةالممولة من الجارة
ايران، وان الرئيس كلينتون قصف العراق وقتل العشرات بعد محاولةاغتيال فاشلة ومزعومة
استهدفت الرئيس بوش الأب في الكويت. هذا هو الفرق بين
حكامالعراق الجديد الممزق
المجوع المحاصر الذي يهرب منه اهله بعشرات الالاف يوميا طلباللامان في دول الجوار
وبين العراق القديم الموحد الآمن الذي ترحم علي ايامه السيدكوفي عنان امين عام
الامم المتحدة السابق في لحظة اعتراف تاريخية نادرة. تصاعدالمقاومة، وتزايد
اعداد القتلي والجرحي الامريكيين بارقام قياسية، يؤكد المعادلةالتي تقول: قوات
امريكية اكبر، خسائر بشرية امريكية اكبر، وامن اقل. مثلما تؤكدايضا ان اعدام الرئيس
العراقي صدام حسين لن يرهب رجال المقاومة، ويبث اليأس فينفوسهم، بل يعطي
نتائج عكسية تماما بدأنا نلمس اول ثمارها علي الارض بعد اياممعدودة من مهزلة غرفة
الاعدام التي شاهدنا فصولها بالصوت والصورة. الاستراتيجيةالامريكية الجديدة
ستنجح في أمر واحد فقط وهو جر الانظمة العربية الي المستنقعالعراقي الدموي،
واشعال فتيل الحرب الطائفية في المنطقة بين السنة والشيعة، وبمايؤدي الي حرف الانظار
عن الخطر الحقيقي الاكبر وهو اسرائيل التي تبني كنيسا في باحةالمسجد الاقصي، وتحفر
انفاقا قد تؤدي قريبا الي انهياره. الانظمة العربية قلقةمن الخطر الايراني،
وهو خطر مقلق فعلا، ولكنها ليست قلقة من تدنيس الحرم القدسي،وبناء كنيس في باحته
لسبب بسيط وهو انها تريد ان تتولي الطائرات الاسرائيلية قصفالمفاعلات النووية
الايرانية. لم نسمع كلمة احتجاج
واحدة في عواصم الاعتدالالعربي تطالب امريكا
بالتدخل لوقف هذا الانتهاك الفاضح للمقدسات الاسلامية، واوليالقبلتين وثالث
الحرمين، لان من يقدم علي هذه الانتهاكات الدولة العبرية الحليفالجديد لمحور
الاعتدال ضد ايران. الاستراتيجية
الامريكية الجديدة لن تنجح فيالعراق لانها تعتمد
اساسا علي حكومة عراقية ضعيفة ومنبوذة، ودعم حكومات عربيةمرتعدة مفلسة سياسيا،
ولا تملك مشروعا غير تمويل عمليات التدمير، مولت تدميرالعراق، والآن تتسابق
لتمويل عمليات تدمير ايران. الرئيس بوش يريد ان
يجعل منالعراق سدا في مواجهة
التمدد الايراني، ويجد تحريضا من الدول العربية المعتدلة التيبدأت بتهيئة الرأي
العام فيها ضد ايران وخطرها، وينسي هؤلاء جميعا ان العراق القديمكان قلعة صلبة تؤدي
هذا الدور علي اكمل وجه، وهم الذين دمروها. العراق الجديد لنيكون سدا في مواجهة
ايران، لان ايران احكمت قبضتها عليه مبكرا، والفضل كل الفضلللرئيس بوش وحلفائه
العرب المعتدلين، والارجح انه سيكون مقبرة للامريكيين ونقطةالبدء في انهيار
امبراطوريتهم بعد انهيار سياستهم الخارجية في المنطقة.