"قتلوه
لكي لا يكشف أسرار علاقته بهم" كانتعملياً رسالة روبرت
فيسك في الإندبندنت البريطانية في اليوم الأول لإعدام رمز الأمةوسيد الشهداء صدام
حسين. ومن الطبيعي أن يصبح من يبتلع مثل جرعة السم الإعلامي هذهأقل تعاطفاً مع
شهادة السيد الرئيس وأميل للامبالاة تجاهها، وهي ليست لامبالاة تجاهإعدام شخص
بالمناسبة، بل تجاه التغلغل الإيراني في العراق، ومشروعية اجتياحالولايات المتحدة
لدولة ذات سيادة واعتقال رئيسها وإعدامه... على الأقل، هذا هوالتأثير الموضوعي
لهذه المزاعم.
ومن الطبيعي أن
يمارس الأعداء في الحروبالدعاية النفسية.
ولكن للأسف، ما زال يوجد بيننا - بالرغم من أمثولة صدام فيالشجاعة والإباء
والصلابة في الموقف التي تدك من الأساس أي زعمٍ بأنه من زمرة منيخافون كشف الحقائق
أو مواجهتها - من يردد بأنه أعدم لكي لا يكشف أسراره مع العدو،ولنلاحظ أن هذه
التهمة تتضمن الإدانة في طياتها، وكأن صدام كان فعلاً على علاقةبالعدو!! فكيف يضل
القلب إلى هذه الدرجة في تقييم من سار بالمواجهة مع العدو إلىنهايتها المنطقية،
أي إلى النصر أو الشهادة؟!
على العكس من ذلك،
صدام أعدملأنه رفض المساومة
مع الأمريكان، ولأنه بات رمزاً للمقاومة في الزمن الصعب. وأعدمهأذناب إيران في
العراق لأنه كان الوحيد القادر على الإمساك بالعراق من أقصاه إلىأقصاه فوراً بعيد
اندحار الأمريكان. والمقاومة العراقية ستنتصر في النهاية طبعاً،ولكن مع صدام، كان
نزف الدماء سيكون أقل. فالشيعة العرب في العراق، الذينيشكلونجزءاً لا يتجزأ من
نسيج العراق والأمة، والذين لا يتحملون وزر دمه كالصفويينبالمناسبة، كانوا
سيرون في صدام قائداً طبيعياً للعراق، وعنواناً مألوفاً للاستقرارووحدة البلاد.
وبالتالي، فإن إعدام صدام ليس فقط مشروع فتنةٍ طائفيةٍ في توقيتهوطريقته
الاستفزازية، بل في محاولته التخلص من قيادة صدام نفسها، ومن شخصه،
كزعيماثبت جدارته في
الحفاظ على وحدة العراق.
ويبدو أن البعض لم
يتجاوز عقدالملفات القديمة في
مرحلة صراعات جناحي البعث، والبعثيين واليساريين العرب،والبعثيين والثورة
الإيرانية، عندما تم تكريس تلك التهم الممجوجة لصدام بالعمالةجزءاً من الخطاب
السياسي لبعض القوى. وبما أن تكرار هذه التهم اليوم يصب مباشرة فيطاحونة أعداء
الأمة، ومشروع نهش العراق، فلا بد من التعريج عليها بسرعة حتى لا يبدوتجاهلها وكأنه
تهربٌ من بحث "الأسرار" التي زعموا أنها دفنت مع الشهيد.
فيالحرب مع إيران
مثلاً، لا ننسى أن الثورة الخمينية رفعت شعار إسقاط الحكم العراقيإذ تبنت مفهوم
"تصدير الثورة"، وعملت على التحريض علناً داخل العراق على إسقاطالحكم، وأن
التفجيرات ومحاولات اغتيال القيادات العراقية بدأت قبل الحرب. فالحربكانت عملياً حرباً
دفاعية ضد تفريس العراق والمشرق العربي برمته. ومع ذلك، صدرتخلالها ستة قرارات
لمجلس الأمن الدولي تدعو لوقف القتال وافق العراق عليها جميعاً،ورفضتها إيران،
فكيف يكون العراق مسئولاً عن استمرار الحرب إذا افترضنا جدلاً أنهمسئولٌ عن بدئها،
بالرغم من كل الانتهاكات الحدودية الإيرانية المسجلة والموثقة قبلإعلان الحرب؟!!
وفي الكويت، لا ننسى أن
الكويت أرضٌ عراقية، وهو ما يجمع
عليه كثيرٌ من
معارضي صدام أيضاً. والأهم، أن حكام الكويت كانوا يغرقون السوقالنفطية بشكل
متعمد، مما أدى لخسائر ضخمة للاقتصاد العراقي تصب في مخطط نزع سلاحالعراق بعد الحرب،
أو وقف عجلة مشروعه التنموي، أي أن حكام الكويت كانوا يمارسونحرباً اقتصادية ضد
العراق.
بالنسبة لحلبجة،
أثبتت الوثائق الأمريكية الرسميةنفسها أن الغاز
المستخدم ضد مدنيي حلبجة لم يمتلك مثله العراق، فلا داعي إذن لتردادالترهات بأن
الأمريكيين أعطوا العراق ذاك الغاز. فإذا كان مستخدمو الغاز ضد الأكرادقد حصلوا عليه من
الأمريكان، فإن ذلك يعني فقط أن الإيرانيين حصلوا عليه منالأمريكان.
وفي النهاية، كان
في العراق مشروعٌ قوميٌ نهضويٌ استهدفهالصهاينة منذ
البداية، من تدمير مفاعل أوزيراك النووي إلى الدفع عبر اللوبيالصهيوني بأمريكا
لاستمرار الحصار.
وبالتأكيد لا
يجوز أن نحمل العراق جريرة استهداف الولايات المتحدة للمنطقة، بل هينزعة
استعمارية متأصلة منذ ما قبل عام 1990، وعراق صدام حسين لم يكن يوماً
إلا فيرأس مقاومي
الاستعمار، من تأميم النفط إلى قصف الكيان الصهيوني إلى مشروع البناء
الاقتصادي