26/11/1428

 بسم الله الرحمن الرحيم

قبل أن تحين الذكرى- صدام شهيداً

   بقلم : حمدان حمدان

موقع النهى*

 تمر الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد الرئيس صدام حسين، والأمة العربية تعيش عثار حاضرها، كما لم يكن مسبوقاً من قبل، وحين نتحدث عن الأمة هنا، فإننا نقصد أصحاب القرار فيها، أي أصحاب المسؤولية الحاكمين منذ عقود و عقود، ولا يعني ذلك أنها تبرئة للشعوب (فمثلما تكونوا يولّى عليكم).

 فالشعوب مع جميع أسبابها المنطقية لابد أن لها دوراً في مسؤولية الصمت و طلب السلامة، إذ كيف يمكن لهذه الشعوب أن تصمت وهي ترى الألوف المؤلفة من حشود الغزو الطالب لرأس العراق، وهي ترتع في أراضيها العربية دون تبكيت للضمير، كيف لها أن تسكت وهي ترى اسرائيل موغلة في الدم الفلسطيني ويلوذ حكامها بمقولة الشيطان الأخرس الذي لا يقوى على كلمة حق يزأر بها، كيف لهذه الشعوب وهي تلمس استجداء الصلح من أعدائها وهي صاغرة مهيضة الجناح، وكأن هذه الأمة باتت من خُشارة أدنى الأمم والشعوب، كيف لها أن تتصالح وتتقارب وتتقرّب من حكومات الدمى العراقية التي جاءت مع الاحتلال وبسببه، كيف لأعضاء مجلس الجامعة العربية أن يجلسوا بجوار ممثل العراق المحتل، وكأن شيئاً لم يكن، إلا فيما ترضى عنه أمريكا بل وتأمر به.

 لقد سقط الرئيس الشهيد صدام، بهجمة أمريكية – يهودية موصوفة، فلماذا التجاهل وانعدام البصيرة، فالكل يعرف مَنْ الذي أعدم الرئيس ولماذا، والكل قال كلاماً متماثلاً صبيحة النبأ الفاجع، تل أبيب وواشنطن وطهران وأذنابها التابعة ومن أجل التذكير، فقد قالت تل أبيب (هو حكم العدالة القانونية) وصرّحت واشنطن (إنه حكم سلطة العدل المستقلة)،

 أما طهران فقالت (إنه حكم العدالة الإلهية).

 واللافت أن هذا الإجماع جاء بتزامن!.. في مقابل إجماع المصالح والطوائف والإنتقام، هناك مالا حصر له من أقلام الأمم والشعوب كتبت عن مرثاة الشهيد في عيد الله أكبر والحجيج وقوفاً فوق عرفة، كتب الكتاب والمفكرون والسياسيون عن رمزية الكبرياء لرئيس شجاع يحزن لمرأى الجلادين، وهو الوحيد بدون لثام، ولأول مرّة في التاريخ، يختبئ الجلاد وراء لثامه، فيما الفضيحة تشع بنور الفجر المقدس، لأول مرة في مدرستنا الإسلامية، ترقص الخشارة من وضيع الأمة حول جثة مسجّاة، ولعمري فإنها رقصات تذكرني بما عفّت عنه قبائل التخلف في مجاهل أفريقيا.. فمن أين لكم هذا التراث؟ هل هو من مدرستنا الإسلامية التي أوصت بل وظلت توصي باحترام الميّت، فقد وقف رسول الله (ص)، عند مرور جنازة يهودي في يثرب، ولما سُئل قال (أليس هو ابن آدم في الخَلقْ)؟

تلك هي سماحة الإسلام ونبل مقاصده، أما التشفي والانتقام بعد حصول الوفاة، فلعمري وكأنها قادمة من الجاهلية بل وبمعنى أوسع من تصديرات بويهية وصفوية وقاجارية بشكل أساس.

مضى صدام باني العراق الحديث، مضى وخلفه ألوف العلماء ومئات المشاريع في شمال العراق وجنوبه ومشاريع أقل في تكريت وموطن ولادته.. أليس عيباً مخزياً أن نتهم صاحب مشروع الخروج من النَفَق بالطائفية والعنصرية، وسائر ما سيق من خزعبلات وافتراءات.. ألا يخجل القوم من توجيه الاتهام لصدام وعائلته بالأثرة والاستحواز، فيما الشهيد هو الرئيس الوحيد الذي لا بيت مال خاص به، وأن الأمريكيين نبشوا بنوك العالم بأسره فلم يجدوا باسمه دولار واحداً، ولا حتى (دانق) بالعملة العربية القديمة، لكن مَنْ لا يخجل من أن يلعب دور العلقمي فيأتي على متون دبابات الغزو أو عقب أدبارها، فإنه لا يخجل من شيء، لا من محكمة يقودها أشوَه، ويمولها ويديرها أمريكيون في اللباس توراتيون في توق الانتقام وشغَف الفتك، ولا من توقيع صك الاعدام بقلم مسكون بجنون الطائفية،

وأوجار حُفر التاريخ وتشققاته، مثل شفة ترتجف وعيون تطرف، بل كيف له أن يصحو وهو يسمي احتلال بغداد عيداً وطنياً أو يسبغ على الاحتلال صفات التحرير؟ (اللهم أعوذ بك أن يكون المالكي محرراً!.).

تحضرني لحظة مُمضّة من الحزن الشديد على استشهاد صدام وشقاء هذه الأمة، فقد كُتب علينا أن نعيش فوات الشَوه لألف عام، ولا نحرك ساكناً، كُتب علينا أن تهزمنا قوة الارجاع الداخلية مع قوة الامبراطوريات الخارجية، يبقى حاكمنا سرمدياً من حيث هو ظل الله على أرضه، كُتب علينا أن نقعي في كهف الخرافة ونقعد في الركن انتظاراً للمنقذ الدهري، وفي حال الإنابة، فعلى غيرنا أن يحكمنا، كُتب علينا أن ننخرط في ازهاق روح الخروج من النفق الدنيوي لأنه الهرطقة والكفر والإلحاد.. أما رأيتم (الحاد صدام) وهو يمنع القوم من الضرب والنواح وجلد الذات بالجنازير والسياط في ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام.

أما رأيتم (الكفر بعينه) وهو يجفف مستنقعات الجنوب، طلباً لتنظيم الري وابعاد الأمراض المستنقعية عن المواطنين وطلب العافية.

أما رأيتم (هرطقة صدام) وهو يمنع هرطقةً وطقوساً ترسف في قاع الجهالة، فلا هي من العلم الذي حض عليه الإسلام ولا هي إليه بشيء..

تحضرني لحظة بكاء شافية، إذ هي تخلصني من هذه الصخرة على صدري لهول المشهد، في العراق وفي فلسطين ولبنان والسودان.. بل وأيضاً من المحيط إلى الخليج.

لقد صادف أن محامياً من محامي الرئيس بكى عند سماعه صدور الحكم بلسان القاضي الهارب رؤوف..

ثم تكرّرت حالة البكاء غير الإرادية وهو في حضرة الرئيس وابتسم صدام (لا تبكي يا أخي، فالرجل لا يبكي عند الشدائد، قد يحزن لموت حمامة أو عصفور، لكنه عند الشدائد يقف على قدميه لاستقبال ما نذر نفسه إليه).

سامحك الله أيها الرئيس الشهيد، فقد كانت نقطة ضعفك الوحيدة هي شجاعتك.

hamdanmoaz@yahoo. co. uk

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء13