او لماذا مشروع الكونغرس لتقسيم العراق الان؟

 بقلم : بثينة الناصري



 العنوان أعلاه كان لفيلم سينمائي حول محاولة الادارة الامريكية التغطية على فضائح جنسية للرئيس بتزييف اعلامي لحرب مفترضة مع البانيا، من اجل ان ينشغل الرأي العام بها وينسى تلك الفضائح. وتعبير wag the dog يعني هذا بالضبط: ان تفتعل قنبلة اعلامية ينشغل بها الجميع، من اجل التغطية على شيء أكبر. واذا كان الفيلم مستوحى من فضيحة كلنتون ، فإن الرئيس بوش (المخلص لزوجته) ليس لديه ولع بالمغامرات الجنسية، وانما ولعه بالمغامرات العسكرية.

ما الجديد في مشروع تقسيم العراق ؟ كلنا نعرف ان التقسيم هو احد اهداف الاحتلال. وان التقسيم الفعلي يجري على الارض منذ اول ساعات الغزو وكل الشواهد واضحة لا لبس فيها. المحاصصة كانت حجرالاساس ، ومنها بدأنا نصطف في خنادق مذاهبنا ، ثم جاء الدستور ونص على التقسيم باسم الفدرالية . ثم الفتنة المفتعلة وفرق الموت التي كانت تقتل السنة باسم الشيعة وتقتل الشيعة باسم السنة، ثم التطهير العرقي للمناطق ثم الاسوار الكونكريت للفصل بين الاخ وأخيه . ماذا بقي ؟

لماذا اذن انشغل العالم الان دفاعا عن (سيادة ووحدة العراق) حين صوت الكونغرس على مشروع لتقسيم العراق ؟ أين هي السيادة بالله عليكم ؟ والحاكم الامريكي يحكم من داخل سفارته الجاثمة على ثلث بغداد، هذا بدون ذكر (شواهد) السيادة الاخرى : الزيارات السرية لقادة الادارة الامريكية دون اخطار العملاء (اصحاب السيادة) ووجود 160 الف جندي اجنبي نظامي ومثلهم مرتزقة دون ان يستطيع العملاء محاسبتهم على اي شيء يفعلونه وغير ذلك من اصول (السيادة) الفاخرة. واين هي الوحدة ؟ وقد فصل شمال العراق والكل يبارك ذلك باسم "خصوصية الاكراد" ولا ادري ماهي خصوصيتهم (الا اذا كانت خيانة الوطن الام). أين كانوا منذ اربع سنوات والاحتلال يضع اسس وقواعد التقسيم ؟

بل السؤال : لماذا خرج علينا الكونغرس بهذا المشروع الان ؟ هل الجواب حقا هو لأنهم يرون في ذلك حلا مناسبا لتمكين القوات من الانسحاب .؟ ولكن من قال انهم يريدون الانسحاب اصلا ؟ لمن تبنى القواعد اذن ، ولمن تبنى اكبر سفارة في العالم ؟

 هل بعد كل هذا ينسحبون ؟

اذكر في بداية الغزو ومع حرق مباني الحكومة وتدمير البنى التحتية ونهب المؤسسات وتفكيكها ، كنا نسائل بعضنا البعض سؤالا يحيرنا " اذا يتحدثون عن اعادة الاعمار لماذا يخربون البنى التحتية ويدمرون المؤسسات ؟" كان يبدو ذلك من قبيل اللامعقول. فليس هكذا فعل من يريد البناء .

اذا استوليت على مصنع في مكان ما، وبطريقة ما، واردت ان تهدمه لتقيم مصنعا جديدا بدلا عنه، فإنك لاتهدم كل شيء، على الاقل لا تخرب امدادات الكهرباء والمياه والصرف الصحي ، لأنك سوف تحتاج لتشغيل المبنى الجديد. واذا كان في المبنى القديم اجهزة مهمة مثل الحواسيب او غيرها من المعدات، فإنك لا تفتح الباب وتترك اللصوص ينهبونها وانما تحفظها في مكان أمين لأنك سوف تحتاجها بدلا من ان تشتري اجهزة جديدة بدلا عنها.

ولكن كل التصرفات التي اعتبرها البعض جنونا، او قلة تجربة، او اخطاءا، او غباء، كانت مدروسة من اجل محو دولة العراق واقامة كيانات بديلا عنها حفاظا على امن الكيان الصهيوني لئلا يتواجد في محيطه دولة اكبر واقوى منه. وفي نفس الوقت تزدهر اعمال الشركات الامريكية من شركاء بوش وعصابته التي سوف تعوض ما ترك للنهب وترك للتدمير وسوف تعقد شراكات مع تلك الكيانات لاعادة اعمارها. وبأموال العراقيين .

وربما تساءلنا جميعا: لماذا لا تستطيع امريكا ان توفر الكهرباء للعراقيين ؟ لماذا لا تستطيع توفير الماء الصالح للشرب ؟ لماذا لا تستطيع توفير الوقود ؟ ألم يعلن قادة الاحتلال منذ البداية انهم يأتون اصدقاء لا محتلين ؟ وانهم يريدون ان يكسبوا القلوب والعقول ؟ وان عداوتهم لم تكن مع الشعب العراقي .. لماذا اذن يحرمون الشعب في سلسلة من اشكال العقوبات منذ 1991 حتى الان ؟

كل ذلك من اجل ان يصلوا الى (تليين softening) الشعب العراقي كما يفعلون مع الاسرى الذين يعذبونهم من اجل اخضاعهم لما يريدونه منهم ..

الحصار الشامل الفاجر الذي استمر 13 عاما، كان البلدوزر الذي مهد الارض للغزو ، كانوا يريدون ان يصل الشعب الى مرحلة : ليكن ما يكون .. حرب او غزو لا يهم .. المهم ان نخلص مما نحن فيه . وقد وصل البعض من ضعيفي الايمان الى ذلك ، ولكن مع ذلك انطلقت اسرع مقاومة في التاريخ من رحم هذا الشعب العراقي الصابر.

الان بعد الاحتلال ، تضاعف الحرمان مع البطالة المتفشية ، والقتل، والتخويف ، والتهجير ، والاوبئة ، وانعدام الضروريات الاساسية للحياة ، يريدون ان يصل الشعب الى مرحلة : لا يهم .. تقسيم او غير تقسيم ليفعلوا مايشاءون ..اذا كان هذا هو الحل، المهم نخلص مما نحن فيه .

وهكذا ربما يكون مشروع الكونغرس مجرد بالونة اختبار . وبما ان الشعب العراقي عموما ابدى اعتراضه على ذلك ، فربما يزداد عقابه الان. فهو يحتاج الى المزيد من التليين .

ولكن رغم هذه الاحتمالات التي اضعها على الورق ، أشعر ان الامر يتعدى جس النبض ، وان توقيت التصويت على هذا المشروع له ابعاد اخرى . اشعر كأنه تغطية لأمر أكبر يتم طبخه وقد اصبح على وشك النضوج . ربما يكون اثارة هذه الضجة على شيء ليس جديدا في خطط الامبريالية والصهيونية ، قناعا للفت الانظار بعيدا عن شيء آخر يتم ترتيبه .

 مجرد إحساس !

 

 دورية العراق
 

إلى صفحة مقالات وأراء13