17/11/1428

 النكتة السمجة أصبحت واقعا قبيحا !

 موقع النهى*

  بقلم : د. علي محمد فخرو

 لعلّنا جميعا نتذكر النكتة القديمة المعادة التي تحمل في طياتها عبرا ما بعدها عبر. إنها قصة الرجل الذي أراد أن يمارس الفاحشة مع إمرأة متمنعة فعرض عليها في البداية مبالغ معقولة من المال لكنها رفضتها.وظل يزيد الثمن والمرأة ترفض حتي أوصل الثمن إلي مبلغ مغرٍ لا يمكن مقاومته.عند ذاك هزت المرأة رأسها بالقبول، لكن الرجل اللئيم حدق في عينيها
قائلا أما وأنه قد تبين أنك سلعة يمكن شراؤها فعلينا الآن أن نبدأ المساومة من جديد لنتفق علي الثمن.

 قصُة العرب مع الوجود الصهيوني في فلسطين المحتلة سارت في نفس مسار تلك النكتة المضحكة المبكية. فمنذ جاء الغزاة الصهاينة إلي فلسطين منذ ستين عاما والسيٍد الصهيوني يساوم بشأن التسلٌل إلي داخل الفراش العربي. في البدء كان ردُ سيدة الإباء والعفاف العربية هو رفض المساومة والإصرار علي أن يقبل الصهيوني الولهان بقيام دولة فلسطينية ديمقراطية علمانية تضُّم اليهود والمسيحيين والمسلمين وأن لا يعترض علي عودة جميع المهّجرين اللاجئين الفلسطينيين، وعلي أن يتوقف نهائيا عن الحديث عن دولة عبرانية من النيل إلي الفرات تستوعب يهود العالم. لكن السيد الصهيوني نجح في لعبة الانتظار، ثم تجييش سماسرة الفاحشة في الخارج والداخل لممارسة الضغط والابتزاز والخوف والإغراء، حتي إذا ما نجحت
الجهود في إقناع السيدة العربية بهز رأس القبول بالنوم في فراش واحد في احدي غرف منتجع كامب ديفيد الشهير بدأت المساومة السرية حول الثمن الذي سيدفع وبدأ العدٌ التنازلي لذلك الثمن الذي وصل اليوم في حده الأعلي إلي أقل من ثمن الدخول في مخدع أقبح عاهرة في أقذر حارة بغاء في أقل المدن حياء وتعُففا.

 اليوم تزحف أشكال من الوفود العربية، رؤساء دول ورؤساء وزارات ووزراء ومديرين وفنانين وصحافيين ورياضيين إلخ. لا لإيقاف مهزلة المساومة بل لإقناع السيد الصهيوني بالتلطف والقبول بدفع ثمن غير مهين وغير مخجل.

 كلٌ ذلك يحدث دون أن يٌسأل الشعب الفلسطيني عمُا يقبل وعما لا يقبل، أو أن يسأل أي شعب عربي تتبرع حكومته بالإتصال بالسيد الصهيوني لتساومه علي الثمن إن كان راضيا عن ذلك أو غير راض، أو أن يعرض الموضوع علي المجالس النيابية ومؤسسات المجتمع المدني لمناقشته وإبداء الرأي حوله. ثمُ لا تستحي تلك الجهات عن القول بأنها تفعل كل ذلك بشفافية تامة والسؤال : هل حقا إن هؤلاء يمارسون الشفافية في أمور المجتمع الأخري حتي يدعوا ممارستها في التعامل مع هذه المسألة؟

 إن الشفافية تعني توفٌر الإنفتاح التام في المعلومات والمناقشات، والتواصل مع كل أطياف المجتمع لإشراكها في إتخاذ القرار، والمحاسبة لكل من يخطئ أو يتخطي الخطوط الحمر. فما الذي توفُر لمواطني أي دولة عربية، رغبت حكومتها في أن تدخل هذه اللعبة، من معلومات بشأن ما نوقش مع العدو الصهيوني وما اتفق عليه وما اختلف بشأنه، وهل توفر للمواطنين حقٌهم في الاعتراض أو الرفض لكل ما تتمخُض عنه تلك المناقشات؟

 دعنا نكون صريحين إلي أبعد الحدود بالنسبة لهذه المسألة الهامة: إن النكتة السمجة المخجلة قد أصبحت واقعـــا سمجا ومخجلا في حياة العرب. وأصبح الذين يدخلون في لعبة المساومة لا يخجلون من الإدٍعاء بأنهم إنما يفعلون كل ذلك للحفاظ علي الشرف العربي الذي في الواقع تتلاعب به أسواق النخاسة الدولية. مع أن الكل يعلم أن المطلوب الآن ليس رضي السيد الصهيوني الممتنع عن دفع أي ثمن، وإنما رضي السمسار الأمريكي الذي أصبح يسيطر علي الماجن وعلي سيدة الفحشاء.

 عندما تبتذل كل القواعد المعقولة والمقبولة في اللعبة السياسية تصبح كل محاولة للإرتفاع بالمناقشة السياسية عن مستوي الإبتذال والعهر الأخلاقي أمرا مستحيلا. وهذا هو الحال الذي وصلنا إليه، بألم وخجل، مع قضية 
العرب الأولي.


 القدس العربي

 

إلى صفحة مقالات وأراء13