قرار تقسيم
العراق.. غير ملزم لمن؟
بقلم
: طلعت رميح
منذ
ان قدم جوزيف بايدن مشروع قراره الى الكونجرس الامريكى، ونال
اغلبية 75 صوتا من اصل مائة صوت، اصبح تقسيم العراق مشفوعا
بقرار «غير ملزم» من الكونجرس الامريكى، أتى كخطوة اشد وضوحا
من الطروحات التى جرت على ألسنة خبراء وسياسيين امريكيين من
قبل.
وفى ذلك اصبحنا نحن امام طروحات ومواقف متعددة ومتنوعة فى
التعليق والتقييم والتعامل مع القرار، تستند الى رؤى ومفاهيم
وخلفيات متضاربة ومتناقضة. هناك من رأى ان تجرع سم الفيدرالية
بات ضرورة لتفويت الامر، على التقسيم على طريقة ما الذى رماك
على المر -الأمر منه، او وفق منطق اخف الضررين، وعلى هذا
الاساس نشطت قوى سياسية داخل العراق وخارجه من اجل جمع وحدة
العراق على اساس الدولة الفيدرالية بما يعنى قبول التقسيم
ضمنيا، لكن وفق قواعد واسس محددة موثقة تفاديا لترك الامر
للتفاعل وفق منطق القصور الذاتى الذى من وجهة نظرهم سيصل
بالعراق الى التقسيم المتعادىة اطرافه ومكوناته.
وهناك «قوى عراقية» رأت ان طرح قضية التقسيم من خلال قرار
امريكى، قد زود التقسيم بقوة ضغط كبيرة، وانها الفرصة المنتظرة
للتقسيم المبتغى، فصارت تمكن للتقسيم وتطلب من الولايات
المتحدة بناء قواعد دائمة لها فى الجزء الذى تسيطر عليه، لضمان
القوة الكافية لتثبيت التقسيم واستمرار سيطرتها على ما تسيطر
عليه فى ظل الاحتلال ولاعطاء انقسامها عن الوطن الام صيغة
اعتراف دولية، وهو ما جاء مجسدا فى مطالبة المسيطرين على
المنطقة الكردية فى العراق من الولايات المتحدة -ولو على سبيل
ابداء الاستعداد والتمنى-نقل قاعدة انجرليك من تركيا الى شمال
العراق.
وهناك من رأى ان القرار الامريكى على العكس من كل ذلك، قد وفر
فرصة نموذجية لاعادة تثبيت فكرة وحدة العراق، اذ هو اظهر
النوايا الامريكية الحقيقية او هو اوضح الابعاد الحقيقية لكل
ما قامت به الولايات المتحدة مستترا او ضمنيا منذ احتلال
العراق وحتى صدور هذا القرار «غير الملزم» هذا، كما هو فضح كل
الذين تعاونوا مع قوات الاحتلال ووضعهم امام مفترق طرق خطير..
وفى ذلك رأى اصحاب هذه الرؤية ان فرض الحظر الجوى على شمال
العراق وجنوبه ما بعد العدوان الامريكى على العراق فى مطلع
التسعينيات، كان مستهدفا به تشكيل مظلة حماية للمرتبطين بمشروع
التقسيم المستقبلى وتمكين لهم.وان فكرة المحاصصة الطائفية التى
اعتمدت اساسا لتشكيل ما سمى بمجلس الحكم الانتقالى، جاءت لفتح
فجوة تقسيم اولية فى المجتمع العراقى باعطاء الطائفية وضعا
مؤسسيا فى الحكم والادارة. وان ما جرى من بعد من اذكاء ودعم
لتشكيل الميليشيات الطائفية منذ بدايتها وحتى ما يسمى فى
العراق الآن بالصحوات فى منطقة الوسط قد جاءت فى السياق نفسه
وكخطوة تقسيمية على الارض ومن خلال امتلاك عوامل القوة على
حساب المكون المستقبلى وللتغول فى فعل التقسيم فى الحاضر، وان
الدستور الذى اقر من برلمان الاحتلال كان دفعة اخرى اشد تأثيرا
وقوة فى مخطط التقسيم باعتباره شكل الاساس القانونى للتقسيم..
إلخ.
وهناك من رأى ان للامر ما يبرره، بالنظر الى ظاهرة الجثث
المجهولة الهوية الناتجة وفق هذا الرأى عن صراع طائفى داخلى،
تأتي فكرة التقسيم لمواجهتها، كما هناك صراع واضح على الارض
بما افضى الى عمليات ترحيل للسكان بشكل عشوائى وتحت الطعن
بالحراب يمكن للتقسيم ان يجعلها مسألة تجرى وفق اسس وقواعد..
إلخ.
وفى كل ذلك ظل السؤال الجوهرى الاصلى، هو لماذا جرى تقديم هذا
القرار الآن الى الكونجرس الامريكي؟ وهل تملك تلك المؤسسة
الامريكية من الاصل ان يقرر تقسيم بلد آخر وتحديد مستقبله
«كوطن» بعد انسحاب قوات الاحتلال؟ وما سر هذا التوافق المفاجىء
بين الحزبين المختلفين فى الولايات المتحدة على كل شأن يخص
العراق؟ ولما جرى الربط بين الانسحاب لقوات الاحتلال الامريكية
وتقسيم العراق؟ وهل يعنى هذا القرار من الجوهر ان الكونجرس
الامريكى اراد حل مشكلة العراق قبل الانسحاب، ام هو اختار
تفتيت العراق كغطاء للانسحاب؟
غير ملزم لمن؟
حسب مضمون القرار الذى اصدره الكونجرس الامريكى، فانه غير ملزم
للادارة الامريكية الحالية برئاسة جورج بوش، وفى ذلك يمكن
القول بان القرار وفق هذه الصيغة لتفادى «ضغط» الادارة
الامريكية فى وضع هى فيه مأزومة، او هو تفادى ادخالها فى مأزق
مع دول محيط العراق التى لا شك ان مثل هذا القرار اذا جاء
ملزما، سيسبب ازمة حادة بين الادارة وتلك الدول، بما يؤثر على
محاولاتها الراهنة لاقامة تحالفات او تفاهمات معها لتسهيل سحب
القوات الامريكية من العراق او لتقليل آثار الانسحاب من العراق
على المصالح الاستراتيجية الامريكية، وعلى حلفاء الولايات
المتحدة فى المنطقة وبشكل خاص اسرائيل او لمنع ايران من تحقيق
نتائج استراتيجية جراء هذا الانسحاب -ان جرى- والولايات
المتحدة فى حالة تأزم فى علاقاتها مع حلفائها او مختلف الدول
المحيطة بالعراق.
لكن الاهم هو ان هذا القرار يجب النظر اليه على انه غير ملزم
للعراقيين، وليس للادارة الامريكية، حيث اذا كانت المصالح
الامريكية اقتضت تلك الصياغة للقرار لتمريره باتفاق وتوافق بين
الحزبين، او لعدم ضغط الادارة اكثر مما هى مضغوطة، فان الاهم
هو ان هذا القرار غير ملزم للعراقيين فى تفتيت وطنهم. وهنا،
فان من المهم النظر فى متن وجوهر القرار الامريكى وفى الاسباب
المشار اليها لصدوره، حيث جرى التأكيد على ان القرار يأتي ليحل
مشكلة الاقتتال الطائفى فى العراق. ووفقا لهذا النص فنحن امام
عدة امور، اولها: ان القرار تعاطى مع مشكلة العراق باعتبارها
مشكلة توتر وصراع داخلى لا مشكلة احتلال، بل هو هو من حيث
الجوهر يشير الى ان الاحتلال هو من سيحل مشكلة العراق
والعراقيين، وهنا تتجلى واحدة من اهم خطط الولايات المتحدة فى
مواجهة المقاومة العراقية، اذ إن اعتبار مشكلة العراق داخلية
لا علاقة لها بالاحتلال، هو امر يستهدف التغطية على جوهر
المشكلة والازمة العراقية كمشكلة احتلال، وعلى دور المقاومة
العراقية الذى يصبح نشاطها - وفق هذا الفهم -بلا منطق ولا
مبرر. وثانيها، اننا امام جانب آخر من خطة الخداع والتضليل
التى لازمت العدوان الامريكى، إذ سيجرى سحب القوات الامريكية
من اتون الاقتتال الطائفى (حسب فهم القرار)، كما لن تكون فكرة
الهزيمة وسحب القوات تحت ضربات المقاومة غير ذى موضوع، ويبدو
ان توافق الحزبين الجمهوري والديمقراطى امر ذو دلالات واضحة
وبينة هنا، حيث الحزبان لم يتفقا فعليا على تقسيم العراق لغطاء
الانسحاب دون اعتراف بالهزيمة، ولكن ايضا هما توافقا على ان
يقوم الجيش الامريكى رسميا بتقسيم العراق وجعل التقسيم مهمة
ينجزها الجيش الامريكى. وثالثها، اننا امام تخويف شديد لدول
جوار العراق، اذ مثل هذا التقسيم انما يمثل تهديدا خطيرا
ومباشرا لكل دول المحيط بلا استثناء، سواء ايران او سوريا او
تركيا او حتى السعودية والاردن كذلك، التى لا شك ان صدور مثل
هذا القرار من الكونجرس سيمثل دافعا لها للتحرك لانقاذ الجيش
الامريكى من الهزيمة فى العراق تفاديا لتحويل القرار غير
الملزم الى قرار ملزم، حيث هى ترى نفسها فى نفس الموقف
مستقبلا، اذا امتدت لها نيران الفتنة الداخلية حيث القرار
سيكون بمثابة صب للبنزين على النار فى كل دول المحيط لا العراق
فقط. ورابعها، اننا امام اشد درجات الوضوح بشأن الخطة
الاستراتيجية الامريكية الاصلية المعروفة والمشتهرة بالشرق
الاوسط الكبير او الجديد فى تفتته، نسبة الى تحوله من حالة
«الدول القديمة» الى حالة الكيانات العائمة فوق جغرافيا جرداء
من كل دولة.
القرار ومواجهته
فى مواجهة القرار، فإن اول السبل هو اعتباره كأن لم يكن، دون
ان يعنى ذلك انه لم يصدر. والقصد هو ان تجرى المواجهة من خلال
عدم الاعتراف بحق من اصدره، وبحشد كل القوى لمواجهة عملية
التفكيك والتقسيم الجارية على الارض دون اعطاء أية صدقية او
شرعية للقرار، باعتباره صدر من جهة لا صلاحية لها فى تقرير
مصير العراق، او باعتباره فى نفس حالة وعد بلفور الذى اعطى من
خلاله من لا يملك من لا يستحق. والقرار كان مناسبة لا شك فى
ذلك، لإطلاق حركة وطنية عراقية اشد ادراكا لاهداف الاحتلال،
وفى ذلك فان ثانى سبل مواجهة القرار تتمثل فى استثماره لضرب
الطائفية والمناطقية والتقسيم على الارض وعمليات التهجير.. إلخ،
وهنا فان المطلوب الآن هو اعادة تأسيس الحركة الوطنية العراقية
على اسس ترتقي بكل اشكال المقاومة الجماهيرية والسياسية
والعسكرية باتجاه اهداف وطنية عراقية عامة، تقدم فكرة الوطن
على لعبة الطائفة. ان من الضرورى الاعتراف بما جرى على يد
الاحتلال وبأخطاء معظم الاطياف العراقية كنقطة انطلاق جديدة فى
العمل لاطلاق تلك الحركة الوطنية الاوعى فى العراق، والامر وفق
تلك الرؤية يتطلب اوسع حوار سياسى يشمل كل الاطراف ومختلف
القوى السياسية الاشد وعيا وصلابة فى المجتمع العراقى، كما
يتطلب العودة الى الضغط السياسى والشعبى الجماهيرى، إذ يأتى
الآن دور العمل السياسى والشعبى كاحد اولويات العمل فى مواجهة
كل الخارجين على فكرة الوطن، من اجل عزل المشاركين فى العملية
السياسية تحت الاحتلال باعتبارهم اداة للاحتلال فى اللعب بورقة
التقسيم.
وهنا يجب على المخطط الوطنى العراقى، النظر للتحديات الراهنة
فى مواجهة قرار التقسيم وفقا لوقائعها المباشرة على الارض، لا
من خلال التعامل مع عملية التقسيم من خلال الرفض العام لعدم
مشروعية من اصدر القرار. والقصد هنا ان المخطط لمواجهة القرار
يجب ان يضع فى اعتباره ان عملية التقسيم لم تبدأ بصدور القرار
من الكونجرس بل منذ امد طويل، وان ثمة وقائع جارية على الارض
يجب مواجهتها بآليات وطنية عامة وموحدة، بالاعلان عن تشكيل
جبهات سياسية تضم كل الرافضين لقرار التقسيم من مختلف الاطياف،
وبالتحرك من خلال النقابات العراقية فى مختلف المهن وعلى اساس
سياسى وقانونى باعتبارها هيئات لا تقوم على اسس طائفية وانما
على اسس المهنة والوضع الاجتماعى.. إلخ.
الجامعة العربية ودورها
وبافتراض ان الجامعة العربية قد توافر لها الآن ظرف محدد
للتحرك، حيث دول المحيط الجغرافى للعراق باتت مهددة بخطر
التقسيم بما يدفعها الى مساندة تحرك الجامعة، فان المخطط فى
الشأن العراقى والجامعة العربية يجب ان يتعامل مع الامر من
زاوية عملية حالة ومباشرة، ووفق اوسع حركة فى الاقليم.
الآن يجب على الجامعة العربية والقوى الوطنية العراقية ان
تتحرك اولا، باتجاه دول محيط العراق العربية منها والاسلامية
وفق اطار نقطة برنامجية واحدة او رئيسية، هى كيف يمنع تقسيم
العراق، وفى ذلك فلا شك ان دول المحيط لها تأثير قوى ومهم على
الاوضاع فى العراق. كما أن التحرك يجب ان ينطلق ثانيا باتجاه
جمع ممثلى القوى الوطنية الرافضة للتقسيم، ايا كانت انتماءاتها
او ولاءاتها او حدود دورها، إذ الامر يتطلب رص كل الصفوف فى
مواجهة نقطة برنامجية واحدة، جوهرها منع التقسيم ومواجهة كل
القوى الخارجية والداخلية الفاعلة فى التقسيم.
ان من الطبيعى القول بان الجامعة العربية لم تتمكن حتى الآن من
احراز اية نجاحات فى الظرف الراهن فى مواجهة المشكلات الداخلية
فى لبنان او فلسطين. لكن الامر يختلف الآن فى الحالة العراقية،
حيث كثرة من دول المحيط باتت تخشى على وحدتها الداخلية
المباشرة، بما يحقق رغبة مشتركة للتحرك والتأثير الايجابى فى
العراق، كما من المهم الاشارة هنا الى ان القوى التى شاركت فى
اللعبة مع الاحتلال ربما تضطر تحت الضغط الى تغيير درجة فجاجة
مواقفها، تحت ضغط التفاف الشارع العراقى حول فكرة بقاء العراق
موحدا.
الوطنية أو الكارثة
وسواء تحركت الجامعة العربية او دول المحيط او لم تتحرك، وكذا
سواء نجح الساسة فى العراق من حشد موقف وطنى عام قوى ومؤثر
يحقق وحدة الشعب العراقى فى مواجهة جريمة التقسيم، فان كل
انسان عراقى بات مطالبا الآن بالعمل على وحدة العراق، وان يحدد
موقفه وموقعه على اساس من فكرة الوطنية، لا من خلال الانحيازات
الطائفية او العرقية، باعتبار انه هو من سيدفع الثمن الكارثى
لأي تقسيم لجغرافيا المجتمع العراقى، اذ التقسيم والاقتتال
والحرب الاهلية لا يخرج منها احد كاسبا ابدا، تلك هى تجربة كل
البلدان فى العالم عبر التاريخ الانساني كله
13
أكتوبر 2007