|
28/12/2005
المايسترو الإسرائيلي والعبيد
الصغار !!..
حياة الحويك عطية
- الدستور
لم يحتج الامر الى جدل طويل حول التحليل ،
فقد تسارعت الاحداث لتوفره على الكثيرين ، ومن اسرائيل تصاعد
النداء مطالبا بفرض العقوبات على سوريا ، لكأن المايسترو لم
يطمئن الى براعة الابواق العازفة لنوتته في لبنان وغير لبنان ،
فقرر وضع العصاة تحت ابطه والانضمام الى الجوقة . لكن احدا لا
يتحدث عن اسرائيل ، فسبحان من جعلها فوق الشبهات في حكاية
العبيد العشرة الصغار . وجاء كانوا عشرة او اقل ؟ وكانت اغاثا
كريستي تتنبأ بالسيناريو اللبناني عندما كتبت روايتها الشهيرة
، فان اهم ما في تلك الرواية هو ان الشكوك كانت تتجه اثر
احتفاء كل من صغار الجزيرة الى جهة ليست هي الجهة الكامنة
حقيقة وراء الجريمة . لم احببه يوما جبران تويني ، وطالما
تمنيت ان نتمكن من اخراس صوته بالحجة والمنطق اللذين يحسمان
الصراع الفكري والاعلامي، واللذين لا يجوز ان يخليا مكانهما
للغة الحديد والنار . كان ذلك منذ كنت اعمل لمجلة النهار
العربي والدولي ، التي كانت اول ما اداره من امبراطورية ابيه ،
وفوجئت كسواي بتأييده الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982.
يومها دب خلاف حاد بينه وبين الياس الديري الذي كان مديرا
لتحرير المجلة ، وحمل جبران مكاتب تحريره الى الاشرفية ليكون
في عهدة صديقه بشير الجميل ، وليأخذ راحته في مما لاة الاحتلال
الزاحف على الجزء الغربي من العاصمة ، ممالاة لا تخرج عن اطار
الخيانة الوطنية . منذها اختار الشاب معسكره ، وتدرج فيه حتى
اصبح الصوت العالي المحرض الذي كنا نسمعه في الفترة الاخيرة ،
جاعلا من سوريا والمقاومة اللبنانية هدف صراخه وتشويهه الرئيسي
. وفي مركز الصحافة الاجنبية في راديو فرنسا كنا نسمعه قبل
اسابيع قليلة يحرض على نزع سلاح المقاومة وعلى تفكيك حزب الله
مهولا من خطر لم يرد الا في خياله المريض ، حيث قال بالحرف :
ان حزب الله يريد ان يدفع المسيحيون اللبنانيون الجزية .
ولكن ... هل يعني كل ذلك ان زعيق وليد جنبلاط متهما سوريا
بالعملية هو من باب الاستنتاج المنطقي ؟ ولماذا يحتفظ زعيم
الميليشيات الدرزية بحق السبق الفوري في اصدار الحكم المبرم
على كل عملية اغتيال تجري في بيروت ؟ امن باب الرعب ، أم من
باب دور مرسوم من بين ادوار موزعة ؟ اوليس هناك من ينصحه بان
صراخه العالي ضد سوريا يمكن ان يكون سببا ممتازا لاغتياله ، لا
من قبل دمشق او القوى الحليفة لها ، وانما من قبل كل من يجد له
مصلحة ملحة في اتهام هذه الاطراف . حيث ان السذاجة السياسية ،
والانفعال الفوري الذي لا يعرف ابسط نسب ذكاء التحليل ، هو ذاك
الذي يقول ان من يقف وراء عملية من هذا النوع هو الطرف المرشح
للاتهام بها ، والمتأذي منها بالدرجة الاولى . في حين ان أي
تحليل عاقل ومحايد هو ذاك الذي يعرف ان اية جريمة ذكية هي تلك
التي تصمم بحيث تتجه اصابع الاتهام فيها الى غير من يقف وراءها
حقا . كما وان السؤال البديهي الذي يجب ان يبدأ به التحليل هو
: من المستفيد ؟ ومن المتضرر ؟ وكل ذلك في اطار السياق الذي
يحدد كل الاجوبة .
واذ نقول السياق ، فان من البديهي ايضا ان لا سياق لبنانيا
منفصلا عن سياقه العربي والاقليمي ، وذاك ما لم يكن يوما .
بحيث ان هذا الاخير يعبر مرحلة تتسم بأمرين اساسيين : مصير
الوضع في العراق ، ومصير الوضع في فلسطين ،أي مصير
الامبراطورية الاميركية ، ومصير المشروع الصهيوني . الاول
سيقرر في العراق ، فاما ان تنجخ الولايات المتحدة الاميركية في
سحق المقاومة العراقية ، وتمرير المشروع السياسي كما تريده هي
، وبالتالي يتكرس نجاحها وهيمنتها على المنطقة ومن ثم العالم ،
واما ان تفشل وتكون بداية نهاية الامبراطورية . وهنا يكون
الدور السوري في المساعدة على قمع المقاومة دورا مفصليا . كذلك
فان اسرائيل تعيش فرصتها المثلى لتصفية القضية الفلسطينية ،
وكل ظواهر المقاومة في المنطقة ، وهنا ايصا يصبح الدور السوري
مفصليا . كما يقتضي رفع منسوب الصغوط على عاصمة الامويين الى
اعلى مستوياته ، كي تقبل بكل ما تطلبه منها الادارة الاميركية
الصهيونية بدون تحفظ . من هنا كانت عملية اغتيال الحريري بداية
المسلسل الذي كلما كاد يهدأ او لاحت بوادر فشله القي في ناره
بوقود جديد . وهل افضل لهذا الوقود من الشخصيات التي ترفع
الصوت عاليا ضد سوريا مما يسهل تركيب التهمة . فأية صدفة هي
التي تجعل اغتيال جبران تويني يأتي قبل يوم من التقرير الاخير
لميليس ، ومع استقالته وتوقع مجيء اخر ، وبعد سلسلة فضائح شهود
الزور التي هزت كل مصداقية الاتهامات السابقة . بل وقبل يومين
من بدء الانتخابات العراقية التي يعول عليها الاحتلال كل اماله
للخروج من مأزقه في بلاد الرافدين .
إلى صفحة مقالات وأراء2
|