09/07/2006

موجز تاريخ الهمجية الأمريكية:

الأصول الصليبية والعنصرية للسياسة الأمريكية

 بقلم: السيد زهره

** هكذا انتقلت أمريكا من الهمجية إلى الانحطاط دون المرور بمرحلة الحضارة

 

قبل ان نمضي قدما في الحديث عن الهمجية الأمريكية: أبعادها وأصولها وجذورها، ينبغي تسجيل ملاحظتين هامتين:

الأولى: اننا حين نتحدث عن الهمجية الأمريكية لا نتحدث عن المواطنين الأمريكيين العاديين. لا نقصد ان المواطنين الأمريكيين هم «همج«. نتحدث عن حالة عامة.

نحن حين نتحدث مثلا عن الدول العربية باعتبار انها دول متخلفة، لا يعني هذا ان المواطنين العرب العاديين هم «متخلفون«. نتحدث عن حالة عامة من التخلف. وبنفس المعنى نتحدث عن الهمجية الأمريكية.

والثانية: ان الحديث عن الهمجية الأمريكية ومحاولة فهمها وفهم أبعادها بالتفصيل هو حديث له أهمية كبيرة. ليس مقصودا به مجرد نقد أو تعرية الممارسات الأمريكية الحالية ، فهذا أمر لم يعد بحاجة إلى كثير شرح وتوضيح على أية حال، فالعالم كله يتابع مظاهره كل يوم. أهمية هذا الحديث تنبع من ان هذا الصراع سوف يطول. صراع العالم كله، وصراعنا نحن بالذات في العالم العربي والإسلامي مع الهمجية الأمريكية هو صراع سوف يمتد لعقود طويلة قادمة. في حقيقة الامر هو الصراع الأكبر في قرننا الحالي. ولأن الصراع سيطول على هذا النحو، فمن الأهمية التاريخية بمكان ان نفهم كل أبعاد هذا الصراع. وفي القلب من هذه الأبعاد، ما الذي يحرك السياسة الأمريكية على هذا النحو، ومن أين تنبع بالضبط هذه الهمجية الأمريكية؟ هذا اذا كان لنا ان نخطط لكيف نواجه هذه الهجمة الشرسة.

***

 

ما هي المشكلة؟

المحللون والمؤرخون الذين اهتموا بدراسة وتحليل الممارسات الهمجية الأمريكية في العراق وغيرها، اجتمعت كلمتهم على ثلاثة أمور:

أولا: شناعة هذه الممارسات بطبيعة الحال. لقد سبق وتحدثنا عن أبعاد ومظاهر هذه الشناعة في مذبحة حديثة وغيرها من المذابح التي ارتكبتها القوات الأمريكية في العراق... قتل المدنيين بدم بارد دون أي احساس بذنب.. تعذيب وحشي.. إبادة لبيوت وممتلكات.. الخ.. الخ. والذي يفاقم من شناعة هذه الممارسات انها تحدث في قرننا الحالي الواحد والعشرين بعد كل المسيرة التي قطعتها البشرية نحو التحضر ونحو احترام الإنسان والشعوب.

 ثانيا: ان هذه الممارسات الوحشية في العراق أو في افغانستان أو في جوانتنامو ليست أمرا استثنائيا طارئا. بمعنى انها ظاهرة أصيلة في كل تاريخ أمريكا الاستعماري وفي كل الحروب التي خاضتها في العالم. وقد رأينا مثلا كيف قارن محللون كثيرون بين مذبحة حديثة في العراق وبين مذبحة ماي لاي في فيتنام. وبين ممارسات التعذيب في ابوغريب وجوانتنامو وبين ممارسات تعذيب شبيهة تماما في فيتنام ايضا وفي اماكن اخرى في العالم. محللون ومؤرخون رصدوا جوانب كثيرة لهذه الاستمرارية في الممارسات الأمريكية، بعضها مثير للدهشة. وقد توقفت مطولا مثلا أمام ما كتبته الكاتبة الأمريكية جانا بريكريل في اعقاب تفجر فضيحة التعذيب في ابوغريب.

الكاتبة نشرت صورتين (انظر الصورتين المرفقتين مع الموضوع).. صورة لملصق يعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية لجندية أمريكية تدعو للتضحية في سبيل الوطن وفوقها مكتوب «بمقدورنا ان نفعل ذلك«. وبجوارها الصورة الشهيرة للجندية الأمريكية التي وقفت بجوار جثة أحد المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب في أبو غريب موضوعة في الثلج. الكاتبة الأمريكية قدمت قراءة مطولة للصورتين.. نفس الملامح.. نفس تسريحة الشعر .. نفس اشارة اليد. الفارق هو ان ملامح الأمريكية في الصورة الأولى جادة وصارمة، وفي الثانية مبتسمة ابتسامة عريضة. الكاتبة تقول: انه اذا كانت الأمريكية في الصورة الأولى تقول: بمقدورنا ان نفعل ذلك، فان الثانية تقول: لقد فعلنا ذلك... لقد قتلناهم ونكلنا بهم. الكاتبة تقول: انه على الرغم من كل الجرائم التي تكشفت في ابوغريب فانه لم يكن هناك أي رد فعل حاسم لا من القيادات العليا في الحكومة، ولا من الرأي العام ولا أي ضغوط من الاعلام. في تقديرها ان هذا شكل من أشكال التضامن العام مع هؤلاء الجنود الذين ارتكبوا التعذيب، فهم في النهاية في الوعي العام «جنودنا«. وان الآخرين في كل الاحوال يستحقون القتل والتعذيب.

تريد الكاتبة ان تقول ان الجنود في الحالتين هم في الوعي الأمريكي يضحون من أجل الوطن.

ثالثا: ان مثل هذه الممارسات الهمجية الأصيلة في كل تاريخ أمريكا الاستعماري والحروب التي خاضتها لا بد ان لها تفسيرات أبعد وأعمق من مجرد الاعتبارات السياسية المباشرة أو الظروف الخاصة بكل حالة. بمعنى انه في الحملة الحالية التي تشنها أمريكا على العرب والمسلمين وما يرتبط بها من ممارسات همجية في العراق وغيره هناك أسباب مباشرة لطالما تطرق اليها المحللون وعالجوها مثل صعود الايديولوجية الاستعمارية لمن يسمون بالمحافظين الجدد في أمريكا، ومثل دور إسرائيل والجماعات الصهيونية، ومثل الاطماع الأمريكية المباشرة في الهيمنة على العالم.. وهكذا. وكل هذه التفسيرات صحيحة بهذا القدر أو ذاك، لكن يظل ان الامر بحاجة إلى تفسيرات أبعد وأعمق.

الذي جعل المحللين والمؤرخين يطرحون هذا التساؤل عن أصول وجذور الممارسات الهمجية الأمريكية ليس فقط استمراريتها وتكرارها على هذا النحو، وانما ايضا الظاهرة التي سبق وتطرقنا لها عند الحديث عن مذبحة حديثة. أعني ظاهرة «الاستمتاع« بهذه الممارسات وبهجة الجنود الأمريكيين الواضحة بها وبأعمال القتل والتعذيب التي يقومون بها.

وفي الايام القليلة الماضية مثلا، نشرت وكالة «رويترز« تقريرا عن شريط فيديو للجنود الأمريكيين يتغنى بقتل العراقيات وسط ابتهاج وتهليل الحضور. بنص تقرير الوكالة: «وفي شريط الفيديو الذي يحمل عنوان «الفتاة الحاجة« يظهر رجل يرتدي قميصا وسروالا طويلا يغني عبر مكبر للصوت فيما يبدو انه غرفة كبيرة بها عدد كبير من المشاهدين الذين لا يظهرون حيث تصف الكلمات الخارجة للأغنية مواجهة امرأة عراقية واسرتها. وفي مرحلة من المراحل يردد الرجل كلمات: وجذبت اختها الصغيرة ووضعتها امامي. وعندما بدأت الطلقات تطير انتشرت الدماء بين عينيها ثم ضحكت بجنون. وفي الخلفية يسمع اصوات ضحكات وتصفيق وصيحات«. الوكالة نقلت عن المتحدث باسم مشاة البحرية الأمريكية هوبر قوله تعليقا على الفيديو: ان الجيش يحتاج لأن يحدد من هو هذا الجندي ومتى وقع هذا الحدث وما هو الاجراء التأديبي الذي سيتخذ. مثل هذه الممارسات الهمجية الشنيعة والابتهاج العام بها على النحو الذي يجسده مثل هذا الفيديو، هو الذي جعل المحللين والمؤرخين يحاولون كما قلت البحث في جذور وأصول الهمجية الأمريكية.

***

 

صليبية وعنصرية.. لماذا؟

في العشرين عاما الماضية، ظهر جيل جديد من المؤرخين الأمريكيين بالذات يبحث هذه القضية تحديدا. أعني قضية أصول الهمجية الأمريكية ومن أين نبعت بالضبط. قرأت أعمالا كثيرة جدا لهؤلاء المؤرخين الأمريكيين ووجدت انهم يجمعون بداية على أمر محدد هو ان هذه الهمجية هي جزء أصيل في التاريخ الأمريكي وفي الثقافة الأمريكية العامة التي ترسخت منذ نشأة أمريكا حتى اليوم. وبشيء أكثر من التفصيل يجمع هذا الجيل من المؤرخين الأمريكيين على إن نشأة وتطور أمريكا والثقافة الأمريكية العامة، ارتبطت بها ثلاث ظواهر أصيلة ومتلازمة: 1

- الصليبية. والصليبية هنا بمعنى ان السياسات والممارسات بنيت منذ نشأة أمريكا على اعتبارات دينية، وتحديدا مسيحية. هذه النظرة حكمت الممارسات ضد اصحاب الديانات الاخرى في داخل أمريكا ابتداء، ثم انتقلت لتحكم سياسات أمريكا تجاه العالم بعد ذلك.

2- العنصرية. بمعنى نظرة الاحتقار والدونية للآخرين. وايضا حكمت هذه العنصرية النظرة إلى غير البيض في التاريخ الأمريكي والممارسات ضدهم. ثم حكمت لاحقا النظرة الأمريكية العامة لدول وشعوب العالم الاخرى.

3- العنف والارهاب والممارسات الوحشية التي لازمت وصاحبت كل التاريخ الأمريكي وأصبحت جزءا من الثقافة الأمريكية العامة. يعتبر المؤرخون اذن انه على اساس من هذه الظواهر الثلاث نشأت أمريكا وتطورت.

لكن السؤال ظل مطروحا على اهتمامات المؤرخين: لماذا؟ أي لماذا نشأت أمريكا وتطورت هكذا وأصبحت ثقافتها العامة محكومة بهذه الظواهر والقناعات؟ بعض المؤرخين يعتبرون ان هذا حدث لأن أمريكا هي دولة بلا تاريخ أصلا.

سنجد مؤرخا أمريكيا مثل اليوت جورن مثلا يكتب ان «الأمريكيون هم شعب بلا تاريخ... ولهذا فإن الشعب الأمريكي غير مهيأ للتعامل مع الامور الحتمية في الحياة.. كالمآسي والحزن والغموض الاخلاقي. ولهذا، هم يترددون كثيرا في الخوض في القضايا الاخلاقية الصعبة«. لكن مثل هذا الحكم ليس صحيحا على اطلاقه. الأمريكيون شعب له تاريخ. لكنه تاريخ قصير جدا لا يكاد يذكر بالمقارنة مع التاريخ العريق للشعوب والامم الاخرى. وماذا تكون 400 عام في التاريخ؟

الأصح ان يقال هو ان أمريكا هي دولة بلا حضارة. بمعنى انها لم تعرف حضارة قديمة ضاربة في عمق التاريخ كما هو حال كثير من الامم في العالم. الأقرب إلى تفسير الهمجية الأمريكية تجسده هذه المقولة الشهيرة التي أطلقها جورج كلمينصو رئيس وزراء فرنسا في عشرينيات القرن الماضي. قال: «أمريكا هي الأمة الوحيدة في التاريخ التي انتقلت بمعجزة مباشرة من الهمجية إلى الانحطاط من دون المرور بمرحلة الحضارة«.

وهذا صحيح تماما مع تحفظ واحد. ان هذا الانتقال الذي اشار اليه كلمينصو لم يكن بمعجزة. اللهم الا اذا اعتبرنا ان الصليبية والعنصرية والارهاب هي من قبيل المعجزات. نعم.. أمريكا في نشأتها بدأت مباشرة بالهمجية. ومع هذه النشأة تطورت وتشكلت ثقافتها وترسخت الظواهر الثلاث التي اشرنا اليها. ولنلق نظرة سريعة.

***

 

في البدء كانت الهمجية

يقول المؤرخ الأمريكي جاري ناش: «المواقف العنصرية في أمريكا تعود جذورها إلى العقود الاخيرة من القرن السادس عشر حين أراد الانجليز اقامة امبراطورية في أمريكا الشمالية والكاريبي. وجدوا انفسهم وجها لوجه امام شعوب أخرى تختلف عنهم اختلافا جذريا ثقافة ودينا ولونا. وفي ردود الفعل الأولى للإنجليز تجاه هذه الشعوب تكمن جذور ما سوف يصبح بعد ذلك بأربعة قرون واحدة من أكبر وأعقد المشاكل في التاريخ الأمريكي.. التمييز العنصري«.

بالطبع المؤرخ الأمريكي يشير هنا إلى المواجهة بين المستعمرين الانجليز والهنود الحمر، ثم السود بعد ذلك في أمريكا وكيف تعاملوا معهم وكيف شكل هذا الثقافة الأمريكية.

لسنا هنا بصدد التأريخ لنشأة أمريكا وما جرى لأصحاب البلاد الأصليين من الهنود الحمر. المذابح التي جرت لهم والابادة التي تعرضوا لها على يد المستعمرين الانجليز معروفة بصفحاتها السوداء وتفاصيلها الدامية في التاريخ. نحن هنا فقط بصدد توضيح كيف كانت النوازع الصليبية والعنصرية مصاحبة لهذه النشأة وتكرست بعد ذلك.

المستعمرون الانجليز وصلوا إلى فرجينيا في عام 1607م. ومنذ ذلك التاريخ بدأ الصراع الدامي بين أصحاب الارض والبلاد الأصليين وبين هؤلاء المستعمرين. هدف هؤلاء المستعمرين كان بالطبع هو الاستيلاء على الارض وطرد أهلها منها واقامة مستعمراتهم عليها. وكان لا بد من وجود تبرير اخلاقي وقانوني ايضا يبرر هذا.. يبرر الاستيلاء على ارض وممتلكات وبلاد شعب آخر. ولم يكن هذا المبرر سوى فكرتين، واحدة عنصرية، والثانية صليبية. سنلاحظ لاحقا ان كلتا الفكرتين ستكون لهما تجليات أخرى في الثقافة والممارسات الأمريكية وحتى يومنا هذا.

الفكرة الأولى: ان هؤلاء الهنود الحمر أصحاب الارض والوطن ليسوا سوى همج متوحشين بلا ثقافة أو دين ينتمون إلى عالم الحيوانات أكثر من انتمائهم إلى عالم البشر. نعرف ان هذه الصورة للهندي الاحمر سوف تظل راسخة في الوعي الأمريكي العام بعد ذلك ، وسوف تتولى هوليوود مثلا تكريسها في مئات من الافلام. بعبارة اخرى، كان المستعمرون الأوائل بحاجة إلى تكريس الاعتقاد أنهم هم الأكثر ثقافة وتحضرا في مواجهة هؤلاء الهنود الهمج المتوحشين الذين لا يستحقون ان يكون لهم وطن أصلا.

الفكرة الثانية: وقد ترسخت خصوصا بعد ان بدأت الهجرة الكبيرة للبيورتانيين، او الاطهار، من المسيحيين البروتستانت إلى «نيو انجلاند« بدءا من عام 1630م. فكرة ان استعمار هذه الاراضي وطرد أصحابها الأصليين منها هي مهمة إلهية.. هي تنفيذ لإرادة الله. سنجد في تراث تلك الفترة كتابات كثيرة تقول مثلا: ان الله ما كان له ان يقود هؤلاء المستعمرين البيض إلى تلك البلاد لو لم يكن في نيته ان يجعلها ملكا لهم، ولو لم يكن يريد للمسيحية ان تعم هذه الاراضي. كان هذا اذن هو المبرر «الاخلاقي« الذي رسخه المستعمرون المسيحيون الأوائل لتبرير الاستيلاء على الارض والبلاد. ليس هذا فحسب، بل لتبرير المذابح والابادة الكاملة تقريبا التي حدثت للهنود الحمر.

وفي هذا الاطار، سيكون من الطبيعي مثلا ان يقول احد قادة المستعمرين في فرجينيا في عام 1622م في اعقاب هجوم شنه الهنود دفاعا عن ارضهم: «الآن نحن أحرار في غزو بلادهم وتدميرهم.. الآن كل قراهم سوف تصبح لنا«. ولم يكن غريبا حين انتشر وباء الجدري في أوساط الهنود ان يصفه احد المستعمرين بـ «الوباء الرائع« وان يقول: ان «الله هو الذي أراد ان يمحوهم من الوجود«. كما لم يكن غريبا حين احرق المستعمرون ستمائة من الهنود الحمر في مذبحة شهيرة سنأتي على ذكرها بعد ذلك ان يعتبر قادتهم ان «الله هو الذي احرقهم«.

بالطبع لم يكن الهنود الحمر همجا ولا متوحشين. كانوا أصحاب ثقافة وحضارة ويتحلون بقيم واخلاقيات نبيلة. وقبل هذا كانوا أصحاب الارض والبلاد. لكن المستعمرين كانوا بحاجة إلى هذا التبرير الصليبي والعنصري كي يحلوا أمام أنفسهم المعضلة الأخلاقية في الاستيلاء على ارضهم وذبحهم وإبادتهم.

وسرعان ما سيحتاجون إلى نفس التبرير للتعامل مع الأفارقة السود

***

 

عصر العبودية

في غمرة الصراع بين المستعمرين المسيحيين الأوائل في أمريكا والهنود الحمر، ظهر السود على الساحة الأمريكية. نعرف ان أوائل الافارقة السود وصلوا إلى المستعمرات في أمريكا في عام 1619م. ومنذ ذلك التاريخ بدأ عصر العبودية في أمريكا. ومع منتصف القرن الثامن عشر كانت العبودية «مؤسسة« تنتشر في كل المستعمرات. كان العبيد الأفارقة محرومين بالطبع من أي حقوق انسانية على الاطلاق. كانوا بالنسبة إلى الاسياد البيض الذين يستعبدونهم «ممتلكات واشياء« وليسوا بشرا. لم يكن للعبيد أي حقوق دينية او اجتماعية.. لم يكن من حقهم مثلا اللجوء إلى أي محكمة او الشهادة فيها.. لم يكن لهم أي حقوق ملكية ولم يكن بمقدورهم ان يبيعوا او يشتروا او يمارسوا أي نشاط اقتصادي على الاطلاق.. لم يكن من حقهم الاجتماع معا في أي مكان عام.. ولم يكن من حقهم التعليم.. وهكذا.. وهكذا.. مما هو معروف بالضرورة

مرة اخرى، كانت الثقافة الأمريكية بحاجة إلى تكييف اخلاقي وديني لتبرير استعباد البشر. وقد كان التبرير والتكييف جاهزَين بالفعل. الافريقي الاسود أصبح في الثقافة والوعي الأمريكيين مثله مثل الهندي الاحمر بالضبط. تكرس في الثقافة والوعي الأمريكيَين ان الافريقي الاسود هو بلا ثقافة وبلا دين. أصبح مرادفا للهمجية والقذارة والشر. في الحقيقة في ذلك العهد ، كانوا يعتبرون الافريقي الاسود ليس بشرا بل هو في افضل الاحوال حلقة وسيطة بين الحيوان والانسان. بالطبع هؤلاء العبيد الذين اتوا بهم مكبلين بالسلاسل من افريقيا كانوا ابناء ثقافات وحضارات كبيرة. الكثيرون منهم مثلا كانوا مسلمين من اصول عربية يحملون معهم دينا عظيما وحضارة كبرى واخلاقيات نبيلة. لكن الأمريكيين كانوا بحاجة إلى هذه الصورة للافريقي الاسود، وإلى الاعتقاد أن الأمريكيين المسيحيين أصحاب رسالة تبرر لهم استعباد هؤلاء. لنلاحظ انه عندما تم إلغاء العبودية رسميا في أمريكا بعد ذلك.. فقد كان هذا الإلغاء يعني فقط إلغاء التجارة في العبيد. اما العبودية كممارسة اجتماعية وكممارسات تمييز عنصري قبيح فسوف تظل ملازمة لأمريكا، ولن يلغى التمييز العنصري رسميا إلا حديثا جدا في خمسينيات القرن الماضي، لكنه سيظل قائما في أمريكا حتى يومنا هذا في حقيقة الامر. وكما حدث مع الهنود الحمر، كانت هذه الأفكار الصليبية العنصرية كافية لارتكاب الفظائع بحق الافارقة السود ليس فقط في استعبادهم، ولكن ايضا بحرقهم أحياء وسط احتفالات جماعية صاخبة، وهي الممارسة التي ظلت موجودة في أمريكا حتى ما يقرب من منتصف القرن الماضي.

***

 

أسوأ خلف لأسوأ سلف

هذه اذن بأشد ما يكون الاختصار هي الأصول الصليبية والعنصرية للسياسة الأمريكية الحالية تجاه العرب والمسلمين بالذات. على أساس من هذه الأفكار الصليبية والعنصرية نشأت أمريكا في الأصل.

كانت هذه الأفكار هي الأساس الذي قامت عليه عملية اغتصاب الارض من أصحابها الأصليين من الهنود الحمر وإبادتهم.

وكانت هذه الأفكار في مرحلة تالية هي الأساس الذي قامت عليه العبودية والمذابح بحق الافارقة السود.

وكانت هذه الأفكار، ومازالت في حقيقة الامر، هي أساس سياسات التفرقة العنصرية في داخل أمريكا. وأصبحت هذه الأفكار هي اساس السياسات الأمريكية الحالية تجاه العالم العربي والإسلامي بكل ما تنطوي عليه من همجية.

ولو اننا تأملنا خطاب الرئيس الأمريكي بوش في تبرير غزو واحتلال العراق وتبرير كل الجرائم التي ترتكبها قواته، وفي تبرير الحملة على العالم العربي والإسلامي بصفة عامة، فلسنا بحاجة إلى جهد كبير كي نكتشف ان هذا الخطاب ما هو الا استنساخ يكاد يكون حرفيا لخطاب المستعمرين الصليبيين في التاريخ الأمريكي كله. بوش في خطابه ليس سوى اسوأ خلف لأسوأ سلف في تاريخ أمريكا وتاريخ البشرية.

فما الذي يقوم عليه خطاب بوش؟

يقوم على ان العرب والمسلمين متخلفون ارهابيون خطرون على العالم لا يمكن ان يتقدموا أو أن يتحضروا بأنفسهم. يقوم على ان أمريكا لديها مهمة «تاريخية« لنشر الحضارة والديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، وان كل المذابح والمجازر التي ترتكب في هذا السبيل ما هي إلا هفوات بسيطة تبررها مهمة أمريكا العظيمة.

ويقوم على ان هذه مهمة دينية في مواجهة أيديولوجية ترعاها ديانة شريرة هي الإسلام. ألم يقل بوش في أكثر من مناسبة ان الله أمره بأن يفعل كذا وكذا؟

هل يختلف هذا الخطاب في أي شيء عن الخطاب الصليبي العنصري الأمريكي الذي برروا به إبادة الهنود واغتصاب أراضيهم وبرروا به استعباد الأفارقة؟

***

هذا المزيج من الصليبية والعنصرية قاد في التاريخ الأمريكي إلى سلسلة لا تكاد تتوقف من أعمال العنف والمذابح في الداخل والخارج. العنف والمذابح ودورهما في التاريخ الأمريكي وفي الثقافة الأمريكية العامة قضية كبرى بحاجة إلى معالجة أكثر تفصيلا. فإلى الأسبوع القادم بإذن الله.

 شبكة البصرة

إلى صفحة مقالات وأراء7