02/02/1426
|
احترموا عقولنا و... عقولكم
بقلم : علي الصراف alialsarraf@hotmail.com
كان يا ما كان، في قديم الزمان، كنا شعوبا ترزح تحت نير الجهل والتخلف والاستبداد، وكنا نبحث عن مخارج وأفكار لتدلنا على طريق المعرفة والتقدم والحرية. وكانت "الديمقراطية" احدى أهم تلك الأفكار. كنا نرى تقدم الآخرين فنشعر بتخلفنا مضاعفا. ووجدنا أنفسنا مُلاحقين بالحاجة الى ان نلحق بالركب. وكنا ندرك ان الوقت يمضي بسرعة، واننا كلما انتظرنا أكثر، كلما تأخرنا أكثر. فلم نفكر. كانت الفكرة جاهزة. انها الديمقراطية. وقلنا: بما انها "تشتغل" هناك، فلا بد انها ستشتغل هنا أيضا. وما الفرق "بيننا وبينهم"، كنا نسأل، وهل هم بشر أفضل منا لكي يكون بوسعهم ان يقيموا "نظاما ديمقراطيا" بينما نحن لا نستطيع. كانت أسئلة التحدي تنهمر على رؤوسنا ورؤوس مفكرينا من اجل القول اننا بشر متساوون، وان ما يصلح لهم، يصلح لنا. واننا نستطيع ان نكون "مثلهم". وماذا ينقصنا؟، كنا نسأل. وبرغم ان عيوننا (في الغالب) ليست زرقاء، وبشرتنا ليست بيضاء كحليب المعزة، إلا أننا وجدنا أنفسنا نطمح (ككل متخلفين) الى أن نكون "مثلهم". وسرعان ما صرنا نتغزل بالديمقراطية، تغزلنا بحليب المعزة والعيون الزرقاء. لم نطرح السؤال: وما المشكلة في ذلك اللون الأسود او البنّي لعيون المها التي في طرفها حور. تلك التي قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا؟ لم ندرك ان الأفكار، كائنة ما كانت، هي ميراث مفاهيم ومرجعيات. وانها لغةٌ معقدةٌ لا يمكن فهمها، ولا ارساءها ولا متابعتها بوضوح إلا في بيئتها. وككل أفكار، فان الديمقراطية تقاليد وأحداث وقضايا وشواهد موجودة في الجانب الخلفي من الذهن، ويكاد من المستحيل ترجمتها بكلمات. انها تاريخٌ وأناس ومجادلات أيضا. ثم انها مؤسسات وبُنى، كان لكل منها معناه الخاص. فاذا كان ركبهم يمضي، فانه لم يكن يمضي بالديمقراطية كمجرد فكرة وآليات، كما تناهت الينا. ولكنه كان يمضي بالكثير من عربات الماضي وحمولاته. الديمقراطية ليست حمارا وبردعة، تقول له "شي" او "حا"، فيمشي الحمار. انها قافلة تجر وراءها الكثير من العربات. ولكل عربة فيها دور ومعنى يسندُ بوجوده دورَ ومعنى العربات الأخرى. فقط الحمير (سامحونا) هم الذين يعتقدون انها حمار يحمل صناديق اقتراع. وعلى أي حال، فقد ظل ركبنا يتخلف، لانه لم يكن سوى ركب حمير لا حبل يربطُ فيما بينها، ولا تجر وراءها محمولات. وظل كل شق من شقوقها يغنى على ليلاه. وككل ركب يلاحق ركبا أمامه، فقد بقينا في الوراء، وبقي الشعور القاسي بأننا متخلفون، واننا يجب ان نغذ الخطى لنلحق، من دون ان ندرك ان اللحاق مستحيل، وان الطريق الى التقدم، هو على الدوام، طريق خاص، لا أحد فيه امامك. لانه طريقك انت وحدك؛ بدعتك الخاصة؛ اشتقاقك الخاص؛ ذلك الذي تستمده من مرجعيتك الخاصة ومن ثقافتك واطارك الاجتماعي والديني الخاص، لكي يكتسب شرعية حقيقية. فإذا تبعك الآخرون، فتكون تلك مصيبتهم، إلا انك ما ان تحاول اللحاق بطريق شقّه غيرك حتى تبقى في الوراء.
× × ×
كان يمكن للديمقراطية ان تحمل الى السلطة رئيس وزراء مثل توني بلير، وتبقيه فيها عشر سنوات، بأقل من 40 في المائة من الأصوات. وماذا عن الآخرين؟ مؤسسة الديمقراطية في الغرب ليست البرلمان، وانما ما يقوم عليه البرلمان من أعمدة ثقافة وقوانين وأعراف وتقاليد وبديهيات ومؤسسات. البرلمان في النظام الديمقراطي الغربي، كما يعرف حتى الجاهلون، ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. وعندما يُنتخب أحدهم بـ 40 في المائة من أصوات الناخبين، فانه قد يحكم بها (من الناحية الاجرائية)، إلا انه سيجد نفسه مضطرا، بطريقة ما، الى ان يأخذ في نظر الاعتبار، الجزء الخفي من ذلك الجبل. وهو أعظم. ثم انها ليست صناديق اقتراع. عندما تضع اختيارك في صندوق الاقتراع، فانك بالأحرى، تختار قمة الهرم، لا الهرم نفسه. ولن تكون كارثة اذا لم تكن الحجارة الأخيرة حجارتك. ببساطة لأنك، إذ تذهب للانتخاب، فانك تقدم اعترافا ضمنيا بالهرم كله. وسواء ساهمت ورقتك في تعزيز حظوظ هذا المرشح او ذاك، فان الهرم لن يتزحزح اذا لم تجر الرياح بما تشتهي السفن. وماذا عن الآخرين؟ انهم موجودون في قلب الهرم. تحمي حقوقهم كل المؤسسات التي تجرها قافلة الديمقراطية. وهناك قانونٌ له معنى خاص، وتقاليد تجعل الأمر يبدو وكأنه سائرٌ في سياق، ومحمولات ثقافية تكفي لكي تقدم تفسيرا مرجعيا لهذا الشيء او ذاك (مما لا يفهمه اللاهثون وراء الركب)، ورموز وأشخاص هم مزيج من حكمة وخبرات تضفي دلالة لا غنى عنها لتحديد هوية وقواعد عمل "النظام". هل يمكن لأي عاقل ان يدعو الى ديمقراطية، وهو يعرف انه لا يملك شيئا من إرث الديمقراطية ومرجعايتها ومؤسساتها وحكمتها، من دون ان يكون مجرد لاهث ساذج وراء السراب؟ مع ذلك، فلئن كان الأمر موضوعا لنوايا طيبة، في مطلع القرن الماضي، حيث شرع النهضويون والتنويريون العرب والمسلمون في البحث عن مخارج وأفكار، فان النتائج التي انتهينا من وراء "اللحاق بالركب"، لم تسفر إلا عن مسوخ، لا هي بديمقراطية، ولا هي بطريق خاص. وعجزت الكثير من المحاولات ان تكسب الشرعية في أرضها، لا لشيء إلا لانها بدت زرعا نشازا، او قل شجرة موز في قلب الصحراء. وكان من الطبيعي ان نكون جمهوريات موز، ولكن مسخ أيضا، حتى قياسا بجمهوريات الموز في امريكا اللاتينية نفسها (التي عادت اليوم لتحول الديمقراطية الى أداة لصنع الاستقلال ولدعم الارادة الحرية، ولتأميم النفط وتحدي الهيمنة الامبريالية). ولكن ماذا يفعل "الديمقراطيون" عندنا؟ انهم يركبون دبابة العم سام، ويرهنون النفط لحسابه، ويصغون لإملاءاته ويعتبرون انفسهم جزءا لا يتجزأ من مشروعه الاستراتيجي.
× × ×
وإذ ورثت الدباباتُ السباقَ في مشاريع بناء "الديمقراطية"، فلم يعد هناك شيء يمكنه ان يبرر "طيب النوايا". الديمقراطية، كما يتضح من ما تفعله دبابات الاحتلال، لم تعد مشروعا حضاريا للمعرفة والتقدم والحرية، ولكنها مشروع ايديولوجي متطرف للقهر والعدوان. انها مشروع للتبشير الديني أيضا. وذلك بما انها تحولت، هي نفسها الى دين، يريد كهنته أتباعا ومؤمنين يتخلون كليا عن ثقافتهم ومرجعياتهم وشخصيتهم الانسانية كلها ليتحولوا الى مسوخ تؤدي دورا اقتصاديا لخدمة الطموحات التوسعية لشركات الاستعمار الجديد. كان يكفي، لكي يتضح المعنى الحقيقي للديمقراطية، ان يتأمل المرء في ما يرتكبه الاحتلال وعملاؤه الطائفيون في العراق بإسمها. وقبل ذلك، كان يكفي أن يتأمل المرء في المعنى الذي يجعل اسرائيل، بكل ما ترتكبه من جرائم وانتهاكات وأعمال وحشية، كيانا "ديمقراطيا" في نظر الغرب. لماذا؟ ألمجرد انها تجري انتخابات؟ أم لان ديمقراطيتها الخاصة باليهود ليست عنصرية الى ذلك الحد؟ وعندما اجرى الفلسطينيون انتخابات، فلماذا حاصرتهم كل "الديمقراطيات" الأخرى؟ من دون "نوايا طيبة" (لم يعد لها مكان أصلا)، فالحقيقة هي ان كل الذين يرفعون لواء "الديمقراطية" في العالم العربي والاسلامي، ليسوا سوى عملاء موضوعيين لدبابات الغزاة. انهم، أحبوا أم كرهوا، ليسوا سوى ناطقين رسميين، بإسم المشروع الصهيوني الامبريالي الجديد. وهم ليسوا سوى مطايا احتلال، منظور او غير منظور، لتحويل هذه الأمة، بكل أطرافها واجزائها، الى مسخ ثقافي فوق مسخها السياسي والاقتصادي الراهن. لا يكفي القول ان "انتهاكات وجرائم الغزاة شيء، والديمقراطية شيء آخر". هراء كهذا لا يوفر أي ضمانة بألا تتحول الديمقراطية الى صنيعة للنفوذ الأجنبي، طالما انها ليست قائمة على أسس ومرجعيات ومحمولات من ثقافتنا الخاصة. لا يكفي القول أيضا ان "الديمقراطية نظام قيم، وانه يمكن تمثلها في بيئتنا". توصيف كهذا، نصفه صحيح ونصفه باطل. ونصف باطله أكثر غلبة من نصفه الآخر. نعم، هناك قيم. إلا ان الغرب عندما يمارسها، فانه يمارسها لنفسه، ولا تنطبق علينا. قيمه معنا ليست سوى قيم قهر واحتكار واستغلال، بل استخذاء واستخراء أيضا. ثم ان القيم، لا تستورد من الخارج. وبالتالي فلا يمكن تمثيلها ولا منحها الشرعية. القيم تكون قيما جديرة بالإعتبار عندما تأتي مع مرجعياتها ومحمولاتها. وتصادم القيم، مما نعانيه اليوم، انما هو تصادم محمولات. وصار هذا التصادم، بدوره، سببا للمزيد من الصراعات والانقسامات الاجتماعية، وبالتالي للمزيد من التخلف. ولدينا مفارقة تتطلب المعالجة فعلا، ولكن ثقافتنا قد تقبل "مستبدا عادلا" إلا انها لا تقبل (لسبب ما) الحكم بـ 40 في المائة من الأصوات. دع عنك هراء المجادلات النظرية التي تقبل كل الاحتمالات. فالوقائع تقول، انه باسم الديمقراطية يجري قتل وتهجير وحرمان ملايين الأبرياء في العراق، وباسم الديمقراطية تحول هذا البلد الى مستنقع عصابات طائفية، وباسم الديمقراطية يتم نهبه كما لم يُنهب بلد في التاريخ من قبل. وباسم الديمقراطية يجري اغتصاب الأراضي الفلسطينية، وباسم الديمقراطية يُحاصر الفلسطينيون ويحرمون من أبسط الحقوق في الحياة حتى عندما يحاولون ان يكونوا ديمقراطيين هم أيضا. وباسم الديمقراطية تتعرض بلداننا للتهديد بالتدخلات، ولكل نوع من أعمال الإبتزاز من اجل حماية المصالح الامبريالية وباسم الديمقراطية يتم حرماننا من الحق في ان نكون قوة استراتيجية او اقتصادية مستقلة وباسم الديمقراطية تتحول بلداننا الى معسكرات للقواعد الأجنبية وباسم الديمقراطية تحصل حكومات الفساد والاستبداد على "معونات" لكي تبيع أوطانها لحساب الشركات الغربية وباسم الديمقراطية تتحول مكافحة الإرهاب الى إرهاب آخر. لو كان هناك إله يستحق الكفر به، فهو هذه الديمقراطية. ولكن ليس لانها خدعة قهر واستمطاء وعدوان، فحسب، بل لأنها، كمفهوم ومعنى، ليست من مخترعات ثقافتنا؛ ليست اشتقاقنا الخاص. كان من الأولى، لو كنا نحترم عقولنا، ان نشق لقافلتنا طريقا خاصا، نتحمل أعباءه ونقبل عثراته، من اجل ان نستمد منه رموز الحكمة والخبرات التي تكفل (في الأقل) حقنا في الاستقلال وحقنا في أن تكون لنا هوية وثقافة (ومفاهيم وقيم ومؤسسات..) ليست كغيرها من الهويات والثقافات. أليس من حق العربية ان تصنع، من التمر، إلها آخر، غير إله الـ "ديمو... قراطية" هذا. وما أسوأه من إله. ثم، ألا يستحق الأمر، لكل ذي ضمير، أن يشعر بغثيان حقيقي، بل وبرغبة شديدة للتقيؤ، كلما خرجت كلمة "ديمقراطية" من أفواه مجرمين وقتلة أطفال من قبيل جورج بوش وتوني بلير وبول ولفوفيتز وريتشارد بيرل ودونالد رامسفيلد وكوندليزا رايس؟ هل يستحق إله الوحشية العنصرية هذا أن يؤمن به أي أحد؟ أليس لدينا من قيم العدل والمساواة والإحسان ما يكفي لاقامة نظام سياسي يتعبد في محراب إله آخر يكون إلهُنا الخاص؟ |