|
بسم الله الرحمن الرحيم 10/03/1429 الأزمة الراهنة لعالم الأسواق المعولمة!
بقلم
: نصر شمالي* تعيش أسواق العالم اليوم حالة ارتباكً شديد واضطراب عظيم منذ هزّتها أزمة الرهن العقاري الأميركية الأخيرة، التي حوّلت بطرفة عين جماهير من الأميركيين، مالكي البيوت المرهونة للقروض، إلى جماهير تبحث عن بيوت تستأجرها كيفما اتفق، وبأقلّ الأجور، حتى لو كانت كرفانات! فقد تسبّب لعب الأثرياء الكبار بسوق المال وأسعار العملة والفوائد في جعل هذه الجماهير عاجزة عن سداد القروض المترتبة عليها، فصودرت بيوتها المرهونة لصالح القروض، وعلى الفور ترتّبت على ذلك معضلات اقتصادية أميركية أخرى لا تقلّ هولاً وتعقيداً، انعكست آثارها على الأسواق الدولية عموماً! وبالطبع ليست إدارة الرئيس بوش بريئة من خلق هذه الأزمة التي نقلت بضربة واحدة مليارات الدولارات من مدّخرات البسطاء إلى خزائن حفنات من الأثرياء! وإنه ليبدو صعباً في زمن العولمة الذي نعيشه التكهّن بالحلول التي ستجترح للخروج من هذه الأزمة، حيث بالإمكان غالباً التعرف سلفاً على مداخل الأزمات الرأسمالية ولكن ليس بالإمكان غالباً التعرّف سلفاً على مخارجها، ولذلك سوف نلجأ إلى المثال الذي قد يساعدنا على فهم ما يحدث، ونعود إلى أول أزمة كبيرة واجهت الأسواق المعولمة، ونرى كيف عولجت! إنّ ميدان الأزمة الحالية الرئيسي هو الولايات المتحدة بالذات، أمّا الأزمة الكبيرة الأولى، التي سنعود إليها كمثال، فقد نشبت في المكسيك عام 1995، في عهد الرئيس كلينتون، غير أنّ موضوعها كان الاستثمارات الأميركية في المكسيك، حيث تعرّض لخطر الانهيار واحد من أهمّ المشاريع الأميركية هناك، وسرعان ما اضطربت أسواق المال الدولية، كما يحدث الآن، بينما حكومة المكسيك تصرخ أنّ بلدها صار على حافّة الهاوية، وكان صراخها يعني الحاجة إلى قروض ضخمة لتلافي الكارثة التي ستطيح باقتصاد المكسيك في نطاق انهيار المشروع الاستثماري الأميركي، فكيف عولجت تلك الأزمة؟ من المعروف أنّ البنك الدولي هو المصدر الأول والأكبر للقروض الدولية، وقد جرت العادة أن تحال الحكومات المحتاجة التي تطلب العون من الحكومات الثرية على صندوق النقد الدولي الذي يتميّز بروتينه الصارم، فيتلقى الالتماسات من الدول الصغرى والكبرى، ولا يستقبل ممثليها بصفتهم أنداداً بل كمحتاجين متوسّلين، فتستمرّ المفاوضات لسنوات أحياناً قبل أن يأمرهم الصندوق بتطبيق برامج تقشفية صارمة في بلدانهم تكون دائماً على حساب غذاء ودواء وتعليم شعوبهم، ويأمرهم بتقليص كبير لأجهزتهم الإدارية غير آبه لما يترتّب على ذلك من بطالة وقصور في الإدارة، وبعد تعهدهم بتنفيذ كلّ ما أمرهم به تحت رقابته وبإشرافه يرفع إلى مموّليه الأثرياء وأولهم الأميركيين اتفاقات القروض المزمع منحها كي يصوّتوا عليها، فهو لا يوافق على منح القروض قبل أخذ موافقة المموّلين! غير أنّ ما حدث في أزمة المكسيك المحتاجة إلى القروض فوراً كان مذهلاً حقاً، فقد امتهن الروتين الصارم، وامتهن حق المموّلين الشركاء في التصويت والموافقة، وصدرت الأوامر فوراً، بواسطة جهاز الهاتف ومن قبل الرئيس الأميركي كلينتون شخصياً، بمنح المكسيك أكبر قرض منحه الصندوق الدولي طيلة تاريخه لأيّ بلد من بلدان العالم، فكان ذلك حدثاً لا مثيل له! لقد كانت المسألة تخصّ الولايات المتحدة، فسارعت واشنطن فوراً لتنظيم عملية إنقاذ وصفتها صحيفة "واشنطن بوست" بأنها تشبه عملية "درع الصحراء" العسكرية التي نظّمت ضدّ العراق! فأعلن الرئيس كلينتون، غير آبه لشركائه في الصندوق وحلفائه في السياسة من الأوروبيين، أنّه سيقف إلى جانب المكسيك وسيأخذ على عاتقه منحها القروض فوراً من صندوق النقد الدولي، ومن غيره أيضاً إذا اقتضى الأمر ذلك، أمّا القروض المطلوبة بأسعار ذلك الوقت فكانت بقيمة أربعين مليار دولار! لقد سارع الرئيس كلينتون ومعاونوه إلى الخطة باء! وهي خطة معدّة مسبقاً لمواجهة مثل هكذا مفاجآت عظمى، فتقرّر التصرّف بصندوق الطوارئ الأميركي الذي تبلغ قيمته عشرين مليار دولار موضوعة تحت تصرّف الرئيس، لكن هذا المبلغ الضخم لم يكن كافيا،ً فتوجّه الرئيس إلى صندوق النقد الدولي الذي يفترض أنه ليس في إمرته بمفرده، وأرغمه على إقراض المكسيك فوراً، فكان ذلك إيذاناً بتحوّل تاريخي نوعي بالغ الخطورة في الأوضاع المالية للعالم، حيث صار واضحاً منذ تلك اللحظة أنّ الإدارة الأميركية لا تتورع عن وضع اليدّ على أموال الغير بلا تردّد إذا تطلبت مصالحها ذلك! في لحظة التحوّل النوعي تلك، وفي أقلّ من أربع وعشرين ساعة، نجح أشخاص عددهم أقلّ من أصابع اليدين في تمويل أضخم عملية قروض قدّمت لأيّة جهة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهم فعلوا ذلك بعيداً عن أيّة رقابة برلمانية، وتصرّفوا بأموال دافعي الضرائب في البلدان الثرية، وبأموال أثرياء الدول الفقيرة المودعة في البلدان الثرية، خاصة أموال الأثرياء العرب، وقد أوضح مدير عام صندوق النقد الدولي حينئذ أنه ليس من شكّ في أنّ المضاربين جنوا ثمار تلك المليارات الممنوحة للمكسيك، وقد أضاف بصراحة مدهشة: " إنّ العالم في قبضة هؤلاء الصبيان"! لقد حدثت تلك الواقعة الأولى تحت عنوان يبرّرها من وجهة نظرهم وهو: "سيادة التكامل الاقتصادي العالمي"! أي سيادة الاقتصاد المعولم! وقد بدا كأنما الحكومة الأميركية وإدارة الصندوق الدولي تحرّكهما يد خفيّة يخضع لها الجميع، فهما ومعهما جميع المصارف المركزية الأوروبية خضعوا جميعاً لما أملته قوة فاقت قوّتهم العسكرية التدميرية، وهذه القوة هي: "السوق المالية الدولية" قائدة مرحلة العولمة والنظام الدولي الربوي الصرف! غير أنّ قوة "السوق المالية الدولية" تجمع في بنيتها، في آن واحد، كلاً من الجبروت والهشاشة، فجبروتها قائم على غياب الأمم، وزوال هذا الجبروت متوقف على حضور الأمم، حيث الأمم ككتل بشرية منظمة، يقودها الشرفاء الأحرار وليس الصبيان الأشقياء، قادرة على فرض إرادتها وعلى صياغة نظام دولي جديد نظيف من الاحتكارات الربوية والقوى الطفيلية الخفية، ومن حسن الحظ أن مثل هذه التوجهات الأممية بدأت تظهر للعيان اليوم في جميع القارات، ولذلك نلاحظ أنّ الرئيس بوش لم يعد يملك هامش المناورة، والقدرة على التصرف بسرعة بصدد الأزمات الحالية، كما كان حال الرئيس كلينتون في معالجته للأزمة الأميركية في المكسيك عام 1995!
* ns_shamali@yahoo.com كنعان النشرة الألكترونية
|