|
بسم الله الرحمن الرحيم 11/02/1429
بؤس وعي؟ أم بغاء ضمير؟
حول موقف البعض من الثورة العراقية بقلم : صلاح المختار موقع النهى*
مقدمة
ونحن نقترب من دخول العام السادس لغزو العراق يؤسفنا ان نلاحظ ان هناك
ظواهر سلبية ، لا
يمكن ان توجد او تستمر ، الا اذا كان هناك عوقاً ،
فكرياً أو عقلياً أو نفسياً ، لدى من تتجسد فيه . لذلك فان خير ما نستقبل
به العام السادس للثورة العراقية المسلحة ضد الاستعمار الامريكي هو قرع
اجراس التنبيه ، فلعل هذه الظواهر نتاج سوء فهم ، وعندها سوف نكسب اخوة
لنا الى قضية امتنا العادلة ونسهم في تصحيح مسارات خاطئة عندما نذكرهم
بحقائق الصراع . ان تناول اهم تلك الظواهر سيساعدنا دون شك على تقريب
المسألة وتوضيحها لوضع العقل والضمير امام حقائق لابد من اخذها بنظر
الاعتبار .
طروحات مشوهة
إن بعض المثقفين والساسة والإعلاميين العرب ، يروجون لما يلي من أفكار خاطئة ومضللة وخطيرة : أ - ان ساحة الصراع الرئيس ، في هذه المرحلة ، هي فلسطين وليس في العراق ، ويبنى على هذه الفكرة الخاطئة موقفا خطيرا جدا وهو ان من يدعم القضية الفلسطينية هو حليف ، بغض النظر عن موقفه من القضايا العربية الاخرى وبالاخص غزو العراق وتدميره ومحأولات تغيير هويته العربية تماما كما حصل لفلسطين ! ب - ان ايران تقود الصراع الاقليمي ضد امريكا واسرائيل ، وهذه الفكرة كسابقتها تسقط من الحساب اهم الحقائق الستراتيجية ومفخرة العرب الاعظم في زمن الهزائم المتعاقبة ، وهي المقاومة العراقية المسلحة ، والتي تقود النضال التحرري عربيا وعالميا . كما ان هذه الفكرة تمنح ايران براءة شاملة من جرائمها في العراق وبقية الاقطار العربية ، وتضعها في مكان ليس مكانها الطبيعي ، طبقا لمعطيات الواقع الاقليمي والعالمي ودورها فيهما ، بصفتها الداعم الاهم لامريكا في غزو العراق وتدميره ، والبطل الاكثر اقتدارا على نشر الفتن الطائفية في الوطن العربي . ج - ان المقاومة العراقية قد تحولت الى صراع طائفي ولم تعد حركة تحرر ، مع ان المقاومة ، كما اثبتت عمليات الاسابيع الماضية ، ومنذ بدايه اذار- مارس بشكل خاص ، بان ادعاءات امريكا بانخفاض العمليات كاذب لانها ارتفعت ولم تنخفض .
د
-
ان حزب الله يخوض الصراع الرئيس مع امريكا واسرائيل ، مع انه يقوم بدور
، اصبح اكثر من واضح ، وهو توفير غطاء ايجابي لايران في الوطن العربي من
خلال سمعته الطيبة ، لاجل تمكينها من تنفيذ مخططها التوسعي الامبراطوري
الموجه اساسا ضد العرب تماما كالمخطط الاسرائيلي .
ان هذا البعض من المثقفين العرب ، سواء كان ناصرياً او شيوعياً او اسلامويا ، مازال اسير احقاده السياسية وخلافاته الايديولوجية القديمة والسابقة لغزو العراق ، لذلك فانه ، وبعد فترة اضطراره لقبول حقيقة استراتيجية هي الابرز في منطقتنا والعالم كله ، تراجع عن ذلك ، وتلك الحقيقة هي ان الثورة العراقية المسلحة ستقرر ليس فقط مصير الوطن العربي ودول الجوار غير العربية ، بل أيضا ستكون العامل الاكثر تأثيرا في شكل النظام العالمي الجديد برمته ، نتيجة هزيمة امريكا سيدة النزعة الامبريالية المعولمة في العراق . ولئن كان مفهوما لم تتجاهل الفضائيات العربية ، بلا استثناء ، المقاومة العراقية ولاسباب تتعلق بتبعيتها للانظمة ، وبلا استثناء ايضا ، وتمارس سياسة الصمت والتشويه لدورها وتتجنب نشر اغلب عملياتها الكثيرة والكبيرة ، فان من غير المفهوم او المقبول ان نلاحظ ان وطنيين عرب ( ناصريون وشيوعيون واسلامويون ...الخ ) يكتفون بامتداح ايران ودورها في مواجهة امريكا والتحذير من ( حتمية هجوم امريكي وشيك عليها ) وطلب دعمها ضد التهديدات الامريكية ، كما يقولون منذ اكثر من ربع قرن رغم ان اي اعتداء امريكي او اسرائيلي على ايران لم يقع (!) والدفاع عنها وتمجيد حزب الله ، واعطاءه دورا لم يدعيه حتى حسن نصر الله ، مع تجاهل تام او شبه تام للمقاومة العراقية لدرجة اننا ، وغيرنا ، نرى تراجعا كبيرا في مقالات من كان يكتب لصالح المقاومة العراقية او أنها انقطعت ! ولإدراك درجة انزلاق هذا البعض في أوحال الحقد والنزعات التحزبية المقيتة نذكّر بأنه اعترف قبل تراجعه في عام 2006 بان : 1- المقاومة العراقية هي أشجع مقاومة في التاريخ لأنها تقاتل أقوى قوة استعمارية في التاريخ الإنساني وتلحق بها الهزائم المرة . 2- أنها استثنائية في التاريخ لأنها بلا داعم خارجي ووصفت بصواب تام بـ( الثورة اليتيمة ). 3- أنها تواجه تحالفاً دولياً اكبر وأقوى مما واجهته النازية والمعسكر الشيوعي . 4- أنها تقع في قطر فيه الغام خطيرة زرعتها بريطانيا وايران بشكل خاص ، وهي الطائفية في الجنوب والعنصرية في الشمال ، ومع ذلك فأنه ، ونتيجة لتمسك الفصائل القومية والوطنية المقاتلة بالانتماء الوطني بصفته المعيار الوحيد وليس الدين او الطائفة في الاصطفاف الاجتماعي والسياسي ، تم تجاوز هذه الالغام وحجمت اخطار تفجيرها . 5- انها مقاومة ، ورغم تعدد فصائلها ايديولوجياً وتنظيمياً ، نجحت حتى عام 2006 في احباط كل محاولات شقها وتفتيتها بعكس ماجرى لاغلب حركات التحرر، والتي كانت غالباً يقودها تنظيم واحد لكن العدو يجد فيه من ينشق عنه . وحتى بعد بروز خلافات ، كان بعضها دموياً ، بين بعض فصائل المقاومة العراقية ، فأن الثورة المسلحة تواصلت بحدتها وزيادة عملياتها ، خصوصاً بعد اعادة تنظيم الفصائل الاكبر عددياً والاهم عسكرياً ، في تنظيم ( القيادة العليا للجهاد والتحرير ) ، الذي ضم ، وبشكل استثنائي وفريد في وسط المقاومة العراقية ، كافة مكونات العراق بلا استثناء ، ففيه العربي والكردي والتركماني، والمسلم والمسيحي واليزيدي والصابئي ، وفيه الشيعي والسني ... الخ . 6- لقد احبطت المقاومة العراقية كافة الستراتيجيات الامريكية العسكرية في العراق ، ودحرتها واوصلت امريكا الى حافة الانهيار الاقتصادي ( وصلت التكاليف الى3 تريليون دولار ) /، والعسكري ( تراجع مخيف في القدرة القتالية الامريكية ) ، اجبر العسكرية الامريكية على التخلي عن استراتيجية خوض حربين في وقت واحد ، وهي ستراتيجية كونية دفنتها المقاومة العراقية باقتدار نادر ، مما سمح ببقاء انظمة ودول بعيدا عن الشر الامريكي الاعظم في التاريخ الانساني . وهذه الحقيقة من ابرز مميزات الثورة العراقية المسلحة . 7- المقاومة الوطنية العراقية حفظت للعراق وحدته ، ومنعت نشر الفوضى العرقية والطائفية الى خارجه ، كما خططت امريكا (ومعها اسرائيل) وايران ، لان تفجير لغم الطائفية تم احتواءه في العراق وتجاوز العراق محنة محاولة اشعال فتنة طائفية . 8- المقاومة العراقية منعت امريكا من تطبيق خطة تعاقب اسقاط احجار الدومينو العربية ، فلقد كان متوقعاً من قبل من خطط لغزو العراق ، ان يعقب غزوه سقوط سوريا ( كثمرة ناضجة بلا حرب في يد امريكا )، وهو ماقاله بعنجهية احد اهم من خططوا لغزو العراق ، وهو ريتشارد بيرل ( امير الظلام ) ، كما يسمى ، ثم يأتي دور السعودية والخليج العربي ، الذي كما قلنا بعد العدوان الثلاثيني عام1991 بان امريكا تخطط لتحويله الى منطقة دولية وهاهو ذلك التوقع يتحقق الان ، وبعدها يأتي دور مصر والسودان والمغرب العربي . ان ورطة امريكا القاتلة في العراق علمتها درساً قاسياً وهو ضرورة عدم الاستخفاف برد فعل الشعوب الاخرى ، فاكتفت امريكا بالمناورات والدسائس السياسية ولم تقدم على خطوات اسقاط انظمة اخرى او احتلال بلدان اخرى عسكرياً ، لذلك يسجل للمقاومة العراقية انها ، وليس غيرها ، من منع تعاقب خطوات اعادة بناء مايسمى بـ(الشرق الاوسط الجديد) ، والذي كان مفروضاً ان يضم اسرائيل وتركيا وايران وكيانات عربية مقزمة ومهمشة بلاهوية عربية او وطنية . 9- المقاومة العراقية ، وليس غيرها ، وضعت حداً لرعب اغلب حكومات وشعوب العالم من الوحش الامريكي ، الاشد ضراوة ووحشية وشهية لافتراس الاخرين في كل التاريخ الانساني . ان من يقارن انحناء او انبطاح الاغلبية الساحقة من العالم لامريكا قبل غزو العراق ووقوفها ضد امريكا بشجاعة بعد انطلاق المقاومة العراقية ، وجرها لامريكا الى اسوأ مستنقع ، او اسوأ كارثة ستراتيجية في التاريخ الامريكي ، حسب الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر ووزيرة خارجية امريكا الاسبق مادلين اولبرايت والقادة العسكريين . لذلك فللمقاومة العراقية الفضل في نهوض العالم من كبوة الخوف والاستسلام لامريكا . 10- بل حتى التحالف الستراتيجي الامريكي- الاوربي تعرض للضعف والاهتزاز ، مع انه كان القاعدة الاساسية ، لنجاح الامبريالية الامريكية في السيطرة على العالم ، فأنسحبت اغلب بلدان اوربا وغيرها من العراق ، وهناك الان خلافات عميقة حول افغانستان بين دول النيتو تهدد بانهياره . 11– انها مقاومة تحدث في قطر لاجبال فيه ولا اهوار ولا غابات ، بل هو ارض منبسطة يسهل على الطيران والمدفيع المعادية فيها توجيه ضربات مميتة للمناضلين من اجل الحرية ، بعكس ثورات التحرر الاخرى التي حدثت في غابات او جبال او مناطق يسهل الدفاع عنها وهذه الصفة تمنح المقاومة العراقية قرادة نادرة في تاريخ الثورات . ان هذه الحقائق المذكورة اعلاه تكفي لوحدها ، ويوجد غيرها طبعاً ، لتأكيد اهم حقيقة ستراتيجية في العالم برمته وهي ان المقاومة العراقية هي الطليعة الاساسية بلا منازع لكافة حركات التحرر، ومن لايرى ذلك عليه ان يقدم مثالاً واحداً يناقض ذلك . هذه الحقائق كان يتناولها بفخر من يصمت الان عنها ! فما السر في هذا الصمت المريب والغريب ؟ أساليب التضليل لاجل منع اكتشاف الحقائق السابقة او تمويهها وتشويهها ، لان معرفتها والعمل وفقاً لما تتطلبه ، واهمها دعم المقاومة العراقية بالثقل الشعبي العربي والعالمي الاكبر للتعجيل بحسم الصراع ودحر العدو ، الاخطر والرئيس وهو امريكا ، والذي يحمي العدو الذيل او الفرعي وهو (اسرائيل) ، فأن الدعاية الامريكية - الايرانية قامت منذ عام 2006 على ترويج الافكارالتي ذكرنا اهمها ، ونضيف الان ضرورة التذكير بان القادة الامريكيين في العراق والحكومة والبرلمان العميلين محاصرون في المنطقة الخضراء في بغداد ، وبقاء العاصمة شبه محررة وهي حقيقة تؤكدها كل الوقائع ، ومنها واخرها عقد اجتماعات اتحاد البرلمانيين العرب في اربيل في الشمال الكردي من العراق وليس في مقر البرلمان وهو بغداد . ومن بين اساليب التضليل الاخرى ادعاء ان المقاومة العراقية تتشكل بغالبيتها من بقايا ( النظام السابق ) لذلك يجب عدم دعمها لمنع عودته للحكم ! مع ان كل الوقائع تثبت بأن الفصائل المقاتلة بعضها بعثي او صديق للبعث وبعضها الآخر لديه خلافات جوهرية مع البعث . اضافة لحقيقة ان البعث قد اكد مراراً في ( المنهاج السياسي والستراتيجي للبعث والمقاومة لعام2003 ) ، واعاد تأكيد ذلك في ستراتيجية القيادة العليا للجهاد والتحرير ، التي اعلنت عام 2007 ، بأن النظام الجديد بعد التحرير سيكون نظاماً ائتلافياً وديمقراطياً الفيصل الحاسم فيه هو الانتخابات الحرة . واخيراً وليس اخراً فشل ماسمي بـ(مجالس الصحوات) التي استغلها الاحتلال لضرب المقاومة ، بأسم تصفية القاعدة ، وحصول انقسامات عميقة وانسحابات كثيرة منها ، وانضمام قسم منها الى المقاومة الوطنية ، مع انها كانت اخر اسلوب في محاربة المقاومة . نعم لقد ضعفت القاعدة بشكل كبير نتيجة اعلانها ( الدولة ) في ظل الاحتلال وسياستها التكفيرية والطائفية ، وفقدت اغلب الدعم الشعبي الذي حصلت عليه في عامي 2004- 2005 ، ولكن بقية الفصائل الوطنية والقومية والاسلامية المقاتلة ملأت الفراغ في بعض المناطق التي كانت تحت سيطرة القاعدة . لعبة استبدال الرئيسي بالثانوي ان خلاصة ماتقدم ، من وجهة نظر امريكية - ايرانية ، هي ان استبدال ساحة الصراع الرئيسي وتقزيمها ، وهي ساحة العراق ، بساحة فرعية ، وهي فلسطين وتعظيمها ، وافتعال ازمة ساخنة في لبنان لامبرر ستراتيجي لها لان لبنان لا يشكل ساحة صراع رئيس بكل المعايير الموضوعية ، من وجهة نظر لبنانية وعربية ، لكن ايران وامريكا لهما مصلحة في ابراز زعامات ترتدي الزي المقاوم ، وبعضها مقاوم فعلاً مثل حماس ، وتسليط الاضواء عليها ووصفها باكبر من دورها الفعلي ، مع تجاهل تام ، وتعتيم أتم ، وتشويه لامثيل له لدور المقاومة العراقية وواقعها . هذا مانراه في الفضائيات التي تركز على المعركة في فلسطين وتهمل بنفس الوقت معركة العراق ، مع انها ستراتيجيا وقوميا معركة الحسم الفلسطيني والعربي العام ! ونحن مع حماس ومع كل مقاتل فلسطيني يطلق الرصاص على اسرائيل ، لكننا يجب ان لانهمل حقيقة ان مصير معركة فلسطين يتوقف على المقاومة العراقية ، لذلك لايجوز لمن يدعم المقاومة الفلسطينية ان يتجاهل او يحط من شأن المقاومة العراقية . كما ان البعض وصل في وقاحته او نقص وعيه الى حد اطلاق وصف (سيد المقاومة) على حسن نصر الله ، مع انه يخوض معارك لصالح ايران وضد مصالح لبنان والعراق والامة العربية ، لسبب بسيط هو ان حزب الله ، وكل قوى لبنان ، ليس لها برنامج او ستراتيجية تؤدي الى تحرير فلسطين ، وهو ما اعترف به نصر الله مراراً . اذاً السؤال المنطقي المهم هو : الى اين يريد حزب الله الوصول من وراء اصراره ، واصرار التيار الامريكي في لبنان ، خصوصا نظير حسن نصرالله والمكمل لدوره في تقسيم لبنان وجعله ساحة صراع مفتعل وهو سمير جعجع ، على ابقاء ازمة لبنان مشتعلة تحرق الاخضر واليابس لا لشيء الا لخدمة ايران في العراق من قبل حزب الله ، ولخدمة امريكا في العراق ولبنان وسوريا من قبل التيار الامريكي ؟ هنا نصل الى جوهر الموضوع الذي يتجاهله البعض عمداً ، او انه لايدركه بحكم وعيه الستراتيجي القاصر ، والذي يتجسد في حقيقتين : الحقيقة الاولى هي ان ساحة الصراع الرئيسي والحاسم هي ساحة العراق وليس فلسطين او لبنان ، لان امريكا وكم كبير من الاوربيين والاسيويين يقاتلون في العراق . بأختصار ان اعظم قوى الامبريالية المعاصرة تقاتل في العراق ضد حركة التحرر الوطني العراقية بقيادة المقاومة المسلحة ، لذلك فأن مصير الوطن العربي ، بما في ذلك مصير فلسطين ، ومصير العالم وطبيعة النظام العالمي الجديد مرتبطة مباشرة بمصير حرب تحرير العراق ، فهزيمة امريكا في العراق ستحدث سلسلة هزات ستراتيجية وانقلابات جذرية في وضع العالم برمته . لذلك فأن العدو الأخطر والاول بالنسبة لامريكا هو المقاومة العراقية . الحقيقة الثانية هي ان المقاومة الفلسطينية ، وبعد ان قزمت مقارنة بالمقاومة الفلسطينية في السبعينيات مثلاً ، وحوصرت في فخ قاتل هو استدراجها الى الضفة والقطاع تحت عنوان مضلل ، ومدمر للروح النضالية ، وهو ( اقامة سلطة وطنية فلسطينية ) مستحيلة في ظل الاحتلال الاسرائيلي ، كأستحالة ان تكون حكومة المالكي سلطة وطنية في العراق في ظل الاحتلال الامريكي ، نجحت امريكا واسرائيل ، وبعد ان تعرضت المقاومة الفلسطينية لضغوط هائلة ، في دفع اهم طرفين فيها ، وهما حماس وفتح ، لقبول حل ضمن التوازن الستراتيجي ، القائم على بقاء اسرائيل وتفوقها . بعد ان قبلت فتح بدولة في الضفة والقطاع لحقت بها حماس بعد ان تورطت ، او ورطت في الانتخابات ، فواجهت استحقاقات الوجود في السلطة ، فاعلنت على لسان السيدين خالد مشعل واسماعيل هنية عن قبول نفس ماقبلته فتح قبلها : دولة مقزمة في الضفة والقطاع تكون حاجزاً بشرياً فلسطينياً بين اسرائيل والامة العربية ، وهو هدف صهيوني قديم ، ولذلك لم يكن مفاجئاً ان تقوم ادارة جورج بوش بطرح خطة دولتين هما فلسطين واسرائيل، وهو حل تدعمه اسرائيل . فأين الخلاف اذن بين الطرح الفلسطيني الرسمي ( فتح وحماس ) والطرحين الامريكي- الاسرائيلي ؟ انه خلاف يدور حول الكم وليس النوع ، أي ان حماس وفتح تحاولان انتزاع اكبر مايمكن من اسرائيل وامريكا وليس لتحرير كل فلسطين ، مقابل محاولات اسرائيل وامريكا جعل الكيان الفلسطيني حاجز حماية لاسرائيل واداة تسللها الى باقي الاقطار العربية . اين التغيير في خارطة التوازن الستراتيجي الذي سيحدث نتيجة الصراع في ساحة فلسطين ؟ لن يحدث تغيير جوهري ولا ستراتيجي ، سواء فاوضت حماس او فتح ، وسيبقى الامر الواقع كما هو ، اذا اعتمدنا على المقاومة الفلسطينية وحدها ، مع اجراء تعديل ثانوي هو قيام كيان فلسطيني ، تكون وظيفته اضافة لما سبق ، تقديم سلاح دعائي اقوى لامريكا واسرائيل لاقناع الانظمة العربية ، وربما اجزاء من الجماهير العربية ، بأن الشعب الفلسطيني اقام دولته الوطنية على جزء من فلسطين ، لذلك لاضرورة ولامبرر لمواصلة العداء لاسرائيل او مقاطعتها . وتلك هي من اهم متطلبات قيام ( الشرق الاوسط الجديد والكبير ) . ان قومية قضية فلسطين تفرض نفسها مجدداً ، واهم تعبيرات هذه الحقيقة هو ضرورة وحدة المقاومة في العراق وفلسطين ، لانها وحدها من ستعيد للمقاومة الفلسطينية روح التمسك بالمنطلقات الاصلية لفتح وحماس المثبتة في الميثاق الوطني الفلسطيني قبل تغييره ، وستقلب الموازين الستراتيجية مجددا لصالح حركة التحرر الوطني العربية قاطبة ، وتجبر حزب الله على الاختيار الحاسم بين نقيضين لا يمكن الجمع بينهما وهما عروبته وتبعيته التامة لايران . اما لبنان فانها ساحة صراع مفتعلة بكل المعايير ، الستراتيجية او الوطنية او المصلحية اللبنانية ، لسبب بسيط هو انه لا يوجد مبرر حقيقي لجعل لبنان ساحة حرب مستمرة ، مادام من يصر على ذلك ، وهو حزب الله ، يعلن صراحة ان هدفه ليس تحرير فلسطين بل اعادة مزارع شبعا ! ان أي عقل ومهما كان صغيراً ومتخلفاً يستطيع ان يرى الجوهر الاصطناعي لازمات لبنان منذ اغتيال الحريري ، ونحن لانشك في ان من قام بذلك لا يتعدى ثلاثة اطراف على الاطلاق اسرائيل او امريكا او ايران ، فهذه الاطراف ، وليس سوريا ، هي من لها مصلحة في دفع لبنان نحو المحرقة . ان لبنان ساحة تنافس ستراتيجي وليس صراع ستراتيجي بين حزب الله واسرائيل ، كما يتوهم بعض السذج ، بل بين امريكا وايران ، لان امريكا ، وبعد ان استغلت ايران في المساعدة على غزو العراق وافغانستان ، وهو مااعترف به خاتمي ، تريد الان تقليم اظافر ايران وتحجيم دورها ، و ليس الغاءه ، ليبقى في خدمة استراتيجية امريكا واسرائيل القائمة على نشر الفتن الطائفية في الوطن العربي والعالم الاسلامي . اما ايران ، وبعد ان سمحت لها امريكا بدخول العراق ، اخذت تنفذ ستراتيجيتها القومية الاستعمارية الخاصة بها ، والقائمة على افتراس الوطن العربي ، انطلاقاً من العراق ، لاقامة امبراطورية فارسية تموه هدفها القومي الصرف بغطاء اسلامي مزور ، لذلك فأنها تضغط على امريكا في لبنان وفلسطين وغيرهما. إذن نحن بإزاء ثلاثة مشاهد في الوطن العربي : 1- مشهد الصراع الستراتيجي الحاسم بين اعظم قوتين في عصرنا ، وهما امريكا وحلفاؤها والمقاومة العراقية الباسلة بكافة فصائلها ، وبكافة مسانديها من القوى السياسية الوطنية العراقية ، وفي هذا المشهد فأن امريكا تواجه ، كما قال الرئيس الامريكي بوش وهو يتجرع سم العراق القاتل كما تجرعه حليفه وسلفه خميني ، ( اما الانتصار في العراق او هزيمة امريكا عالمياً ) . 2- مشهد صراع حقيقي واساسي لكنه يدور في ساحة لا تتوفر فيها عوامل وشروط الحسم لمعركة حركة التحرر الوطني الفلسطيني (حماس وفتح وغيرهما ) لحسم الصراع لصالحها ، بحكم ظروف موضوعية بالاساس ، لذلك قبلتا بدولة مقزمة تقام تحت اشراف امريكي –اسرائيلي ، مهما كانت نوايا القيادات الفلسطينية ، ( مادامت امريكا قوة لاتهزم ) ، ومن ثم فأن مواصلة اسرائيل قوتها يستمد من قوة امريكا وليس العكس . 3- مشهد صراع مفتعل يدور بالنيابة على ارض لبنان بين امريكا وايران ، والهدف الاهم من وراءه ، هو ابعاد النظر عن الصراع الرئيسي في العراق ، لاجل تقزيمه بنظر محيطه الحيوي وهو الامة العربية ، من وجهة نظر امريكية ، وازالة الدم العراقي الذي يغطي الجسد الايراني ، من الراس حتى القدمين ، المتورط في غزو وتدمير العراق، عن طريق معارك حزب الله مع اسرائيل ، والتي تجيّر حتماً ، وكما رأينا ، لصالح تحسين صورة ايران وكسب الانصار العرب لها لكي تواصل دورها الاجرامي التفتيتي في العراق ، ثم في بقية الوطن العربي ، وتحت غطاء انها ( قيادة الطرف المعارض ) لامريكا كما ادعى علي خامنئي ، الرجل الاول في ايران ! في مشهد الصراع اللبناني هذا ليس ثمة من تجرأ وقال بأن المطلوب هو دحر اسرائيل كلياً ، او تجاوز قاعدة التوافق اللبنانية، لذلك فأنه صراع ، مهما استمر وتطور ، لن يغير التوازن الستراتيجي الاقليمي ، وكل ماسيقود اليه هو المزيد من الخراب في لبنان ، وربما في سوريا ، وتعميق الصراعات الطائفية في لبنان : فرداً على طائفية حزب الله ظهرت جماعات سنية طائفية ( فتح الاسلام مثلاً ) ، واعيد الاعتبار وبقوة للطائفية المسيحية ، بعد ان هدأت وضعفت الطائفية اللبنانية نتيجة الحرب الاهلية السابقة وادراك كل الاطراف ان لاحسم عسكري في لبنان وانما التوافق هو الحل (1975-1990) . جهل أم تجاهل؟ في ضوء ما تقدم لا يسعنا الا ان نطرح ، مرة ثانية وثالثة وعاشرة ، سؤالاً منطقياً : هل ماقلناه من حقائق عن الوضع الستراتيجي الاقليمي والعربي والعالمي غير معروفة او غامضة ؟ كلا ، فمن يزج بنفسه في معارك المصير عليه ان يبدأ ، اولا وقبل كل شيء ، بمعرفة اوليات الستراتيجية والتكتيك ، لكي يرى بصواب طبيعة التوازنات الستراتيجية السائدة والقوى التي تؤثر فيها ، ودرجات ونوعية هذا التأثير ، فبدون ذلك لن يكون الفهم ممكناً . واولئك الذين تجاهلوا المقاومة العراقية منذ عام 2006 ، او طرحوا اراء مضللة بصددها ( مثل انها تحولت الى حرب اهلية وانحسرت ) لايمكن ان يفسر ذلك الا كما يلي : 1- اما ان يكون وعيهم متخلفاً ، الى درجة البؤس ، فلا يدركون مايجري ويكتبون وفقاً لمعايير هذا البؤس في الوعي ، ولذلك فأن مايقولونه لاقيمة له ، لأن الجاهل لايحق له توجيه الناس . 2- او انهم يتغابون عمداً ، خضوعاً لحالة بغاء الضمير والذي يعد اسوأ واحقر من بغاء الجسد ، أي انهم باعوا ضميرهم اما بالدولار الامريكي ، او بالبتروتومان الايراني . 3- او يكونوا اسرى نزعة حقد حزبي مقيت يجعلهم ( يعرفون ولكنهم يحّرفون ) ، كما يقول المثل العراقي ، وامثال هؤلاء هم اخطر من العملاء واخطر من الجهلة ، فالقومي الناصري ، وهو حتما ناصري سابق مهما ادعى غير ذلك ، الذي يناصر ايران وهي تذبح العراق مع امريكا وتنشر الطائفية ، وهي اهم اهداف اسرائيل وامريكا ، هو عبارة عن قارورة سم تسفح اينما حلت مافيها . اما الشيوعي ( السابق ) فأنه ، وهو يتقيأ احقاده الآن على الحركة الوطنية العراقية واقفا مع الاحتلال ، او في ظلاله المخفية ، فأنه يعبر عن حالة انحطاط اخلاقي لابد ان يكون جذر الانحطاط الوطني . واذا كان هناك من يدعي الدفاع عن القضايا الوطنية والقومية والاسلامية ومع ذلك يتمترس بتحزبيته وانطباعاته الحسية الشيطانية ، القائمة على الحقد والغيرة من نجاحات الاخرين ، فأنه يقدم لنا انموذجاً من العوق العقلي او الاخلاقي والذي لامفر من انه يقود الى خدمة الاحتلال المشترك : الامريكي – الايراني - الاسرائيلي وبغض النظر عن النوايا . ان المعيار الرئيس والحاسم الآن ، في كل الوطن العربي وفي كل العالم المناهض للاستعمار، هو معيار دعم المقاومة العراقية المسلحة ضد الاستعمارين (الامريكي وحليفته اسرائيل) والايراني ، فما لم تدعم المقاومة العراقية لاجل تسريع الحاقها الهزيمة بامريكا في العراق فأن معركة فلسطين ستنتهي الى كيان مقزم اقل من الحكم الذاتي . اما لبنان فسوف يواجه حرباً اهلية جديدة لامحالة تشعلها ايران وامريكا ، ولا يختلف مصير باقي الوطن العربي عن ذلك فأنه سيواجه خيارات كلها مدمرة وتقسيمية تنتهي بدفن الامة العربية . ان من يريد لفلسطين ان تتحرر من الغول الصهيوني عليه دعم المقاومة العراقية ، اولاً ، بصفتها السند الاقوى للمقاومة الفلسطينية ، وان من يريد صد المد الامريكي- الايراني ومنعه من مواصلة نشر الفتن ، بكافة انواعها ، عليه مساعدة المقاومة العراقية على دحر الاستعمارين الامريكي والايراني . فقط بانتصار المقاومة العراقية ستهزم أمريكا عراقياً وعربياً وعالمياً ، وذلك هو المدخل التاريخي والوحيد الان لتحرير فلسطين. فقط بانتصار المقاومة العراقية ستهزم الفتن الطائفية والعرقية في الوطن العربي، خصوصاً في لبنان . فقط بانتصار المقاومة العراقية سنعيد للأمة العربية عزها وكرامتها ومجدها على طريق هدفنا الأسمى والأعظم الوحدة العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي . النصر أو النصر ولاشيء غير النصر . 17 / 3 / 2008 ملاحظتان هامشيتان : 1 - هناك من يقول يجب ان لا نستفز ايران او ننتقد حزب الله ، حرصا على وحدة الصف المقاوم ! مرة اخرى هذا البعض الذي يقول ذلك يتجاهل او يجهل ان المقاومة العراقية كانت ومازالت تدعو لوحدة المقاومة العربية ، خصوصا في فلسطين والعراق ولبنان ، وتعمل من اجل ذلك بجدية مثلما تعمل لوقف التدهور في العلاقات مع ايران . وعبرت عن استعدادها للحوار والتفاهم مع ايران وحزب الله ، ولكن من يخرب وحدة المقاومة العربية وينشر الصراعات ؟ انها ايران التي تصر على نشر الفوضى الطائفية ، انها ايران التي تصر على مواصلة التقاءها الستراتيجي مع امريكا ضد العراق ومقاومته المسلحة ، انها ايران التي تدعم الحكومة العميلة في بغداد ، انها ايران من يمنع التوحد ضد امريكا . وحينما ستتخلى ايران عن استخدام الدريل ( المثقاب الكهربائي ) كاداة اساسية ليس لثقب رؤوس العراقيين وعيونهم فقط بل لثقب قربة الماء الوحيدة لديهم ، وهم يغذون السير في صحراء مجدبة ، وهي قربة الماء الذي تحتفظ به المقاومة العراقية لاوقات العطش القاتل . لتوقف ايران دعمها لامريكا في العراق ، ولتوقف نشر الفتن الطائفية في الوطن العربي ، عندها لن تصدر عنا كلمة واحدة ضد ايران . اما حزب الله ، فكما قلت في مقالتي ( نحن وحزب الله وايران ) عقب حرب عام 2006 ، فان كل مصادر خلافاتنا معه متأت من تبعيته لايران ، فاذا حلت مشاكلنا مع ايران فسوف تحل مشاكلنا تلقائيا مع حزب الله . الكرة في الملعب الايراني وليس في ملعبنا ، وعلى البعض عدم نسيان هذه الحقيقة ، واذا كان جادا في الدعوة لوحدة مناهضي امريكا فعليه ان يوجه النقد لايران، بل ان يجلدها ، وليس لنا . 2 - ملاحظة اخرى تثير الغثيان للفقر الرهيب في فهم البعض وبؤس الوعي لديه ، هذا البعض يقول ان انتقاد ايران يخدم امريكا ويصب في صالحها مع ان من ينتقد ايران هو المقاومة العراقية ، بكافة فصائلها ودون اي استثناء ، وهي القوة الاساسية التي تخوص حرب المصير مع امريكا ، وليس ايران التي سهلت لامريكا غزو العراق وتدميره ، او اي طرف اخر ، عربيا كان او اجنبيا ! فهل يوجد ضلال وتضليل اسوأ من هذا ؟! أيها الوالغون في دمنا وانتم لا تدركون افيقوا الان وليس غدا ، فنحن ضحايا امريكا واسرائيل وايران وما قدمناه من شهداء من اجل فلسطين والامة العربية يعادل اكثر من نصف نفوس فلسطين ، اي ثلاثة ملايين عراقي استشهدوا منذ عام 1991 وحتى الان ، ولو كنا نساوم لما تعرضنا لما نتعرض له ولما فقدنا السلطة وعدنا نناضل تحت الارض وفوقها بالبندقية وبالكلمة الحرة .
Salah_almukhtar@gawab .com
|