بسم الله الرحمن الرحيم

12/07/1429

  

الميثاق الوطني

للجمهورية العربية المتحدة

  

الباب الأول

 

نظرة عامة

  موقع النهى*

 حركة القوميين العرب

ان يوم الثالث والعشرين من يوليو سنة 1952 كان بداية مرحلة جديدة ومجيدة ، في تاريخ النضال المتواصل للشعب العربي في مصر .

ان هذا الشعب ، في ذلك اليوم المجيد بدأ تجربة ثورية رائدة في جميع المجالات ، وسط ظروف متناهية في صعوبتها وظلامها واخطارها .

وتمكن هذا الشعب بصدقه الثوري ، وبإرادة الثورة العنيدة فيه ، أن يغير حياته تغييراً أساسياً وعميقاً في اتجاه آماله الانسانية الواسعة .

ان اخلاص الشعب المصري لقضية الثورة ، ووضوح الرؤية أمامه ، واستمراره الدائب في مصارعة جميع أنواع التحديات ، قد مكنه دون أدنى شك من تحقيق نموذج رائع للثورة الوطنية ، وهي الاستمرار المعاصر لنضال الانسان الحر عبر التاريخ من أجل حياة أفضل طليقة من قيود الاستغلال والتخلف في جميع صورها المادية والمعنوية . إن الشعب المصري ، في يوم بدء ثورته المجيدة في 23 يوليو سنة 1952 ، أدار ظهره نهائياً لكل الاعتبارات البالية التي كانت تبدد قواه الايجابية ، وداس بأقدامه على كل الرواسب المتخلفة من بقايا قرون الاستبداد والظلم ، وأسقط إلى غير ما رجعة جميع السلبيات التي كانت تحد من إرادته في إعادة تشكيل حياته من جديد . إن طاقة التغيير الثوري ، التي فجرها الشعب المصري يوم 23 يوليو ، تتجلى بكل القوى العظيمة الكامنة فيها إذا ما عادت إلى الذاكرة كل جحافل الشر والظلام التي كانت تتربص بكل عود أخضر للأمل ينبت على وادي النيل العظيم . لقد كان الغزاة الأجانب يحتلون على أرضه ، وبالقرب منها ، القواعد المدججة بالسلاح ترهب الوطن المصري وتحطم مقاومته .

وكانت الأسرة المالكة الدخيلة تحكم بالمصلحة والهوى وتفرض المذلة والخنوع . وكان الاقطاع يملك حقوله ويحتكر لنفسه خيراتها ، ولا يترك لملايين الفلاحين العاملين عليها غير الهشيم الجاف المتخلف بعد الحصاد .

وكان رأس المال يمارس ألواناً من الاستغلال للثروة المصرية بعدما استطاع السيطرة على الحكم وترويضه لخدمته . ولقد ضاعف من خطورة المواجهة الثورية لهذه القوى ، المتحالفة مع بعضها وضد الشعب ، أن القيادات السياسية المنظمة لنضال الجماهير قد استسلمت واحدة بعد واحدة ، واجتذبتها الامتيازات الطبقية وامتصت منها كل قدرة على الصمود ، بل واستعملتها بعد ذلك في خداع جماهير الشعب تحت وهم الديموقراطية المزيفة .

وحدث نفس الشيء مع الجيش الذي حاولت القوى المسيطرة المعادية لمصالح الشعب أن تضعفه من ناحية ، وان تصرفه من ناحية أخرى عن تأييد النضال الوطني ، بل وكادت ان تصل إلى استخدامه في تهديد هذا النضال وقمعه . وفي مواجهة هذه الاحتمالات ، صباح يوم الثالث والعشرين من يوليو سنة 1952 ، رفع الشعب المصري رأسه بالإيمان والعزة ، ومضى في طريق الثورة مصمماً على مجابهة الصعاب والأخطار والظلام ، عاقداً العزم ، في غير تردد ، على إحراز النصر توكيداً لحقه في الحياة مهما كانت الأعباء والتضحيات .

ان قوة الارادة الثورية لدى الشعب المصري تظهر في أبعادها الحقيقية الهائلة إذا ما ذكرنا أن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة ، كذلك فإن هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري . إن إرادة الثورة في تلك الظروف الحافلة لم تكن تملك من دليل للعمل غير المباديء الستة المشهورة التي نحتتها إرادة الثورة من مطالب النضال الشعبي واحتياجاته . ولقد كان مجرد اعلانها ، في حد ذاته ، في جو المصاعب والخطر والظلام دليلاً على صلابة إرادة التغيير الثوري وعنادها الذي لا يلين :

1-  في مواجهة جيوش الاحتلال البريطاني الرابضة في منطقة قناة السويس كان المبدأ الأول هو القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين .

2-  في مواجهة تحكم الاقطاع الذي كان يستبد بالأرض ومن عليها ، كان المبدأ الثاني هو القضاء على الاقطاع .

3-  في مواجهة تسخير موارد الثروة لخدمة مصالح مجموعة من الرأسماليين ، كان المبدأ الثالث هو القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم .

4-  في مواجهة الاستغلال والاستبداد الذي كان نتيجة محتمة لهذا كله ، كان المبدأ الرابع هو : إقامة عدالة اجتماعية .

5-  في مواجهة المؤامرات لإضعاف الجيش واستخدام ما تبقى من قوته لتهديد الجبهة الداخلية المتحفزة للثورة ، كان الهدف الخامس هو : إقامة جيش وطني قوي .

6-  وفي مواجهة التزييف السياسي الذي حاول أن يطمس معالم الحقيقة الوطنية ، كان الهدف السادس هو : إقامة حياة ديموقراطية سليمة .

ان هذه المباديء الستة التي أسلمها النضال الشعبي المتواصل إلى الطلائع الثورية التي جندها لخدمته من داخل الجيش ، والطلائع الثورية التي تجاوبت معها تلقائياً وطبيعياً من خارجه ، لم تكن نظرية عمل ثوري كاملة ، ولكنها كانت في تلك الظروف دليلاً للعمل يمثل عمق هذه الارادة الثورية ، ويلبي احتياجاتها ، ويبرز تصميمها على بلوغ الشوط إلى مداه . إن الشعب العظيم الذي كتب المباديء الستة بدم شهدائه وبنور الأمل الذي أعطوا حياتهم من أجله .

والذي دفع بالطلائع الثورية من أبنائه داخل الجيش وخارجه إلى التصدي لمسئولية العمل الثوري على هدي من هذه المباديء الستة التي تسلمتها أمانة من كفاح الأجيال ، هذا الشعب العظيم مضى بعد ذلك في تعميق نضاله وفي توسيع مضمونه ، لقد كان هذا الشعب العظيم هو المعلم الأكبر الذي حمل على عاتقه ، في أعقاب بدء العمل الثوري في 23 يوليو 1952 عمليتين تاريخيتين لهما آثارهما الضخمة :

1-  ان هذا الشعب المعلم راح أولاً : يطوّر المباديء الستة ويحركها بالتجربة والممارسة ، وبالتفاعل الحي مع التاريخ القومي ، تأثراً به وتأثيراً فيه ، نحو برنامج تفصيلي يفتح طريق الثورة إلى أهدافها اللامتناهية .

2-  ثم أن هذا الشعب المعلم راح ثانياً يلقن طلائعه الثورية أسرار آماله الكبرى ، ويربطها دائماً بهذه الآمال ، ويوسع دائرتها بأن يمنحها مع كل يوم عناصر جديدة قادرة على المشاركة في صنع مستقبله.

ان هذا الشعب العظيم لم يكتف بأن يقوم بدور المعلم لطلائعه الثورية ، وإنما هو فوق ذلك أقام من وعيه حفاظاً عليها يحميها من شرور الغير ومن شرور النفس كذلك . ان الشعب لم يكتف بأن يهزم كل محاولة من أعدائه للنيل من طلائعه الثورية ، وإنما قاوم كل الانحرافات التي قد تأتي من النسيان أو الغرور ، وظل دائماً يرشد طلائعه الثورية إلى طريق واجبها .

إن إرادة الثورة لدى الشعب العربي المصري ، والصدق الذي سلحت نفسها به ، حققت مقاييس جديدة للعمل الوطني . لقد أكدت هذه الارادة وصدقها انه لايمكن أن تقوم عوائق أو قيود على امكانية التغيير الا احتياجات الجماهير ومطالبها العادلة .

ان المنطق التقليدي في مثل الظروف التي واجهها نضال الشعب المصري كان يغري بطريق المساومات والحلول الوسط والتفكير الاصلاحي الصادر عن العطاء والتبرع . لقد كان ذلك بالمنطق التقليدي هو الممكن الوحيد في مواجهة السيطرة الخارجية المعتدية والسيطرة الداخلية المستغلة ، وفي غيبة تنظيم سياسي مستعد وبدون نظرية كاملة للعمل . لكن إرادة الثورة في الشعب المصري وصدقها تحدّت هذا المنطق التقليدي ، وجابهته بتفجير طاقات مليئة بإمكانيات العمل المبدع الرائد .

ان يوم 23 يوليو 1952 كان موعد هذا التفجير الثوري ، وفيه استطاع الشعب المصري أن يعيد اكتشاف نفسه ، وأن يفتح بصره على امكانيات هائلة كامنة فيه . ان هذه الامكانيات الهائلة حققت تجربة جديدة في تاريخ الثورات ، وان السنوات التي مضت حتى الآن منذ يوم 23 يوليو سنة 1952 سوف تثبت انها ذخيرة قيّمة بالنسبة لنضال شعوب كثيرة .

ان هذه التجربة أثبتت أن الشعوب المغلوبة على امرها قادرة على الثورة . وأكثر من ذلك أنها قادرة على الثورة الشاملة . ان الشعب المصري خاض خلال هذه التجربة غمار ثورات كثيرة تشابكت معاركها وتداخلت مراحلها . ثم استطاع في حقبة قصيرة من الزمان أن يقهر جميع أعداء ثوراته المتعددة ، وان يخرج بقوة اندفاع متزايدة إلى مرحلة الانطلاق نحو التقدم .

ان الشعب المصري في نضاله ضد الاستعمار استطاع أن يشل فاعليات طبقات من المجتمع القديم كانت قادرة على خداعه بالتظاهر في اشتراكها معه في ضرب الاستعمار ، بينما هي في الواقع متصلة في مصالحها به . ان حرب التحرير التي كان يمكن بالمفهوم التقليدي ان تحتاج إلى وحدة جميع الطبقات في الوطن حققت انتصارها في الواقع حين حمت نفسها من أي ضربة خائنة في الظهر.

ان الشعب المصري خاض معركة التحرير ضد الاستعمار ، ولم تخدعه المظاهر ، وحرص طول المعركة على أن يعزل عن صفوفه كل الذين ترتبط مع الاستعمار مصالحهم في مواصلة الاستغلال.

وفي نفس الوقت ، فإن الشعب المصري وهو يجابه الثورة من أجل التطوير ، ويحاول تجميع المدخرات وتشجيعها وتحريكها في اتجاه التنمية ، لم يغب عن باله أن الرأسمالية المحلية الكبيرة استطاعت في ظروف ثورات وطنية عديدة أن تحوّل نتائج الثورة إلى أرباح لها ، لأنها بامتلاكها للمدخرات القادرة على العمل في التنمية تستطيع أن تحتل لنفسها مواقع الاحتكار التي تحصل منها على كل فوائد هذه التنمية .. ان الشعب المصري في ثوريته الأصيلة ضرب جميع الاحتكارات المحلية في نفس الوقت الذي كانت هذه الاحتكارات تتصور أن حاجته اليها بسبب ضرورات التطوير ماسة وشديدة . ان هذه الثورية الأصيلة هي التي مكنت الشعب المصري وهو يتجه بكل جهوده إلى الانتاج أن يتأكد أولاً من سيطرته الكاملة على كل أدوات الانتاج .

وفي نفس الوقت أيضاً فإن الشعب المصري إبان نضاله ضد الاستعمار ، كذلك إبان نضاله ضد محاولات الرأسمالية أن تستغل الاستقلال الوطني لخدمة مصالحها تحت ضغط احتياجات التنمية . في نفس هذا الوقت فإن الشعب المصري رفض ديكتاتورية أية طبقة من الطبقات ، وصمم على ان يكون تذويب الفوارق بين الطبقات هو طريقه إلى الديموقراطية الكاملة لجميع قوى الشعب العاملة . وفي نفس الوقت أيضاً فإن الشعب المصري تحت ظروف هذه المعارك الثورية المتشابكة المتداخلة كان مصّراً على أن يستخلص للمجتمع الجديد الذي يتطلع إليه علاقات اجتماعية جديدة تقوم عليها قيم أخلاقية جديدة ، وتعبر عنها ثقافة وطنية جديدة .

لقد عبر الشعب المصري مراحل التطور بحيوية وشباب ، مجتازاً المسافة الشاسعة من رواسب مجتمع اقطاعي . بدأ فيه عصر الرأسمالية ، إلى المرحلة التي بدأ فيها التحول الاشتراكي بدون إراقة دماء .. إن هذه الصور  من الثورة الشاملة ، تكاد في الواقع أن تكون سلسلة من الثورات ، وفي المنطق التقليدي حتى لحركات ذات طابع ثوري سبقت في التاريخ ، فإن هذه الثورات كان لابد لها ان تتم في مراحل مستقلة يستجمع الجهد الوطني قواه بعد كل مرحلة منها ليواجه المرحلة التالية .. لكن العمل العظيم الذي تمكن الشعب المصري من إنجازه بالثورة الشاملة ذات الاتجاهات المتعددة يصنع حتى بمقاييس الثورات العالمية تجربة ثورية جديدة .. ان هذا العمل العظيم تحقق بفضل عدة ضمانات تمكن النضال الشعبي من توفيرها :

أولاً إرادة تغيير ثوري ترفض أي قيد أو حد الا حقوق الجماهير ومطالبها .

ثانياً طليعة ثورية مكنتها إرادة التغيير الثوري من سلطة الدولة لتحويلها من خدمة المصالح القائمة إلى خدمة المصالح صاحبة الحق الطبيعي والشرعي وهي مصالح الجماهير .

ثالثاً وعي عميق بالتاريخ واثره على الانسان المعاصر من ناحية ، ومن ناحية أخرى لقدرة هذا الانسان بدوره على التأثير في التاريخ .

رابعاً فكر مفتوح لكل التجارب الانسانية ، يأخذ منها ويعطيها . لا يصدها عنه بالتعصب ولا يصد نفسه عنها بالعقد .

خامساً إيمـان لا يتزعـزع بالله ، وبرسـله ورسـالاتـه القدسية التي بعثهـا بالحق والـهدى إلـى    

           الانسان في كل زمان ومكان .

وان أعظم تقدير لنضال الشعب المصري ولتجربته الرائدة هو الدور الذي استطاع أن يؤثر به في حياة أمته العربية وخارج حدود وطنه الصغير إلى آفاق وطنه الأكبر .. ان تجربة الشعب المصري أحدثت أصداء بعيدة المدى في نضال أمته العربية .

إن ثورة الشعب المصري حركت احتمالات الثورة في الأرض العربية كلها ، وليس من شك أن هذه الحركة كانت إحدى الدوافع القوية التي مكنت من النجاح الثوري في مصر . ان الاصداء القوية ، التي أحدثتها ثورة الشعب المصري في الأفق العربي كله ، عادت إليه مرة أخرى على شكل قوة محركة تدفع نشاطه وتمنحه شباباً متجدداً . ان ذلك التفاعل المتبادل يؤكد في حد ذاته وحدة شعوب الأمة العربية .

وإذا كانت التجربة الثورية الشاملة قد القيت مسؤوليتها الأولى على الشعب العربي في مصر ، فإن تجاوب بقية شعوب الأمة العربية ، مع التجربة ، كان من الأسباب القوية التي مكنت الشعب المصري أن ينتصر . وليس من شك  أن الشعب المصري مطالب اليوم بأن يجعل انتصاره في خدمة قضية الثورة الشاملة في بقية شعوب امته العربية . إن اصداء النصر الذي حققه الشعب العربي في مصر  لم تقتصر على آفاق المنطقة العربية ، وإنما كانت للتجربة الجديدة الرائدة آثارها البعيدة على حركة التحرير في أفريقيا وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية .

إن معركة السويس ، التي كانت إحدى الذرى البارزة في التجربة الثورية المصرية لم تكن لحظة اكتشف فيها الشعب المصري نفسه ، أو اكتشفت فيها الأمة العربية امكانياتها فقط ، وإنما كانت هذه اللحظة عالمية الأثر ، رأت فيها كل الشعوب المغلوبة على أمرها أن في نفسها طاقات كامنة لا حدود لها ، وانها تقدر على الثورة بل إن الثورة هي طريقها الوحيد .

 

**

الباب الثاني

في ضرورة الثورة

 

لقد اثبتت التجربة ، وهي ما زالت تؤكد كل يوم أن الثورة هي الطريق الوحيد الذي يستطيع النضال العربي أن يعبر عليه من الماضي إلى المستقبل .

فالثورة هي الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها الأمة العربية أن تخلص نفسها من الأغلال التي كبلتها ومن الرواسب التي اثقلت كاهلها ، فإن عوامل القهر والاستغلال التي تحكمت فيها طويلاً ونهبت ثرواتها لن تستسلم بالرضا ، وإنما لابد على القوى الوطنية أن تصرعها ، وأن تحقق عليها انتصاراً حاسماً ونهائياً .

والثورة هي الوسيلة الوحيدة لمغالبة التخلف الذي أرغمت عليه الأمة العربية كنتيجة طبيعية للقهر والاستغلال ، فإن وسائل العمل التقليدية لم تعد قادرة على أن تطوي مسافة التخلف الذي طال مداه بين الأمة العربية وبين غيرها من الأمم السابقة في التقدم . ولا بد والأمر كذلك من مواجهة جذرية للأمور تكفل تعبئة جميع الطاقات المعنوية والمادية للأمة لتحمل هذه المسؤولية.

والثورة بعد ذلك هي الوسيلة الوحيدة لمقابلة التحدي الكبير الذي ينتظر الأمة العربية وغيرها من الأمم التي لم تستكمل نموها ، ذلك التحدي الذي تسببه الاكتشافات العلمية الهائلة التي تساعد على مضاعفة الفوارق مابين التقدم والتخلف فإنها بما توصلت إليه من المعارف تيسر للمتقدمين أن يكونوا أكثر تقدماً ، وتفرض على الذين تخلفوا أن يكونوا بالنسبة إليهم أكثر تخلفاً ، برغم كل ما قد يبذلونه من جهود طيبة لتعويض ما فاتهم .

ان الطريق الثوري هو الجسر الوحيد الذي تتمكن به الأمة العربية من الانتقال بين ماكانت فيه ، وبين ما تتطلع إليه . والثورة العربية أداة النضال العربي الآن وصورته المعاصرة ، تحتاج إلى أن تسلح نفسها بقدرات ثلاث ، تستطيع بواسطتها أن تصمد لمعركة المصير التي تخوض غمارها اليوم ، وان تنتزع النصر ، محققة أهدافها من جانب ، ومحطمة جميع الأعداء الذين يعترضون طريقها من جانب آخر .

 وهذه القدرات الثلاث هي :

أولاً الوعي القائم على الاقتناع العلمي النابع من الفكر المستنير ، والناتج من المناقشة الحرة التي تتمرد على سياط التعصب أو الارهاب .

ثانياً الحركة السريعة الطليقة التي تستجيب للظروف المتغيرة التي يجابهها النضال العربي ، على أن تلتزم هذه الحركة بأهداف النضال وبمثله الاخلاقية .

ثالثاً الوضوح في رؤية الأهداف ، ومتابعتها باستمرار ، وتجنب الانسياق الانفعالي إلى الدروب الفرعية التي تبتعد بالنضال الوطني عن طريقه وتهدر جزءاً كبيراً من طاقته . وإن الحاجة إلى هذه الاسلحة الثلاثة تستمد قيمها الحيوية من الظروف التي تعيشها التجربة الثورية العربية ، وتباشر تحت تأثيراتها دورها في توجيه التاريخ العربي . إن الثورة العربية مطالبة اليوم بأن تشق طريقاً جديداً أمام أهداف النضال العربي . ان عهوداً طويلة من العذاب والأمل بلورت في نهاية المطاف أهداف النضال العربي ظاهرة واضحة ، صادقة في تعبيرها عن الضمير الوطني للأمة وهي الحرية. والاشتراكية . والوحدة .

بل ان طول المعاناة من أجل هذه الاهداف كاد أن يفصّل مضمونها ويرسم حدودها . لقد أصبحت الحرية الآن  حرية الوطن ، وحرية المواطن .

وأصبحت الاشتراكية وسيلة وغاية ، هي الكفاية والعدل ، وأصبح طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية لعودة الأمر الطبيعي لأمة واحدة مزقها أعداؤها ضد إرادتها وضد مصالحها ، والعمل السلمي من أجل تقريب يوم هذه الوحدة ، ثم الاجماع على قبولها ، تتويجاً للدعوة والعمل معاً . لقد كانت هذه الأهداف نداءات مستمرة للنضال العربي ، لكن الثورة العربية الآن تواجه مسؤولية شق طريق جديد امام هذه الاهداف .

والحاجة إلى طريق جديد لا تصدر عن رغبة في التجديد لذاته ، ولا تصدر بدافع الكرامة الوطنية ، وانما لأن الثورة العربية تواجه ظروفاً جديدة ، ولا بد لها في مواجهة هذه الظروف الجديدة أن تجد الحلول الملائمة لها .

ومن ثم فإن التجربة الثورية العربية لا تستطيع أن تنقل ما توصل إليه غيرها ، ومع أن خصائص الشعوب ومقومات الشخصية الوطنية تفرض خلافاً في منهاج كل منها لحل مشاكله إلا أن الخلاف الأكبر هو ما تفرضه الظروف المتغيرة التي تسود العالم كله وتحكمه ، خصوصاً هذه التغييرات البعيدة المدى التي طرأت على العالم بعد الحرب العالمية الثانية من سنة 1939 إلى سنة 1945 .

ان هذه الظروف تأتي بتغييرات شاملة وعميقة على الجو الذي يجري فيه النضال الوطني لكل الأمم . وليس معنى ذلك أن النضال الوطني للشعوب وللأمم مطالب اليوم بأن يخترع مفاهيم جديدة لأهدافه الكبرى ، ولكن معناه انه مطالب اليوم بأن يجد الأساليب المسايرة لاتجاه التطور العام والمتفقة مع طبيعة العالم المتغير .

 ان أبرز التغييرات التي طرأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية يمكن تلخيصها فيما يلي :

أولاً تعاظم قوة الحركات الوطنية في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية ، حتى لقد استطاعت هذه الحركات أن تقود معارك عديدة ، ومنتصرة ، ضد القوى الاستعمارية ، ومن ثم أصبح لهذه الحركات الوطنية تأثير عالمي فعال .

ثانياً ظهور المعسكر الشيوعي كقوة كبيرة يتزايد وزنها المادي والمعنوي يوماً بعد يوم في مواجهة المعسكر الرأسمالي .

ثالثاً التقدم العلمي الهائل الذي حقق طفرة في وسائل الانتاج فتحت آفاقاً غير محدودة أمام محاولات التطوير .

كما انه حقق طفرة في أسلحة الحرب بلغت خطورتها إلى حد انها أصبحت رادعاً يحول دون نشوبها بسبب ما تقدر على إلحاقه من الأهوال بجميع الأطراف في أي معركة . هذا فضلاً عن التغيير الأساسي المذهل الذي حققه هذا التقدم العلمي في وسائل المواصلات لدرجة أن تلاشت المسافات وسقطت الحواجز التي كانت تفصل ما بين الأمم فعلياً وفكرياً .

 رابعاً نتائج هذا كله في محيط العلاقات الدولية ، وأهمها زيادة تأثير القوى المعنوية في العالم ، كالأمم المتحدة ، والدول غير المنحازة ، وقوة الرأي العام العالمي .

وفي نفس الوقت اضطرار الاستعمار تحت هذه الظروف إلى الاتجاه نحو وسائل العمل غير المباشر ، عن طريق غزو الشعوب والسيطرة عليها من الداخل ، وعن طريق التكتلات الاقتصادية الاحتكارية ، وعن طريق الحرب الباردة التي تدخل في نطاقها محاولة تشكيك الأمم الصغيرة في قدرتها على تطوير نفسها وعلى الاسهام الايجابي المتكافيء في خدمة المجتمع الانساني .

ان هذه التغييرات الضخمة في العالم تأتي معها بظروف جديدة تؤثر تأثيراً لا جدال فيه على العمل من اجل اهداف النضال الوطني لكل الأمم بما في ذلك أهداف الأمة العربية وإذا كانت أهداف النضال العربي هي الحرية والاشتراكية والوحدة ، فإن التغييرات العالمية حملت تأثيرها إلى وسائل العمل من اجلها .

بتفاعل هذه التغييرات العالمية مع إرادة الثورة الوطنية لم يعد أسلوب المصالحة مع الاستعمار ومساومته هو طريق الحرية ، فإن الشعب العربي في مصر تمكن من ان يحمل السلاح بنجاح في بور سعيد دفاعاً عن الحرية ، واستطاع ان يحقق سنة 1956 انتصاراً حاسماً مازالت تتردد أصداؤه ، كما تمكن الشعب العربي في الجزائر من مواصلة الحرب المسلحة أكثر من سبع سنوات إصراراً على الحرية .

كذلك فإن العمل الاشتراكي لم يعد حتماً عليه أن يلتزم إلتزاماً حرفياً بقوانين جرت صياغتها في القرن التاسع عشر . ان تقدم وسائل الانتاج ، ونمو الحركات الوطنية والعمالية ، في مواجهة سيطرة الاستعمار والاحتكارات ، وازدياد فرص السلام في العالم بتأثير القوى المعنوية وبتاثير ميزان الرعب الذري في نفس الوقت يخلق ظروفاً جديدة أمام التجارب الاشتراكية تختلف تماماً عن الظروف السابقة بل انها تستوجب هذا الاختلاف وتحتمه كضرورة .

والأمر كذلك في تجربة الوحدة ، فإن التجارب السابقة لها في القرن التاسع عشر وأبرزها تجربة الوحدة الألمانية وتجربة الوحدة الايطالية لم تعد تقبل التكرار وان اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الاجماع الشعبي ليس مجرد تمسك بأسلوب مثالي في العمل الوطني ، وإنما هو فوق ذلك ، ومعه ، ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية في ظروف العمل من أجل الوحدة القومية للأمة العربية كلها ، وضد أعدائها الذين مازالت قواعدهم على الأرض العربية ذاتها ، سواء أكانت هذه القواعد في قصور الرجعية المتعاونة مع الاستعمار لضمان مصالحها ، ام كانت في مستعمرات الحركة العنصرية الصهيونية التي يستخدمها الاستعمار مراكز للتهديد العسكري .. والثورة العربية ، وهي تواجه هذا العالم ، لابد لها أن تواجهه بفكر جديد لا يحبس نفسه في نظريات مغلقة يقيد بها طاقته ، وان كان في نفس الوقت لا ينعزل عن التجارب الغنية التي حصلت عليها الشعوب المناضلة بكفاحها .

ان التجارب الاجتماعية لا تعيش في عزلة عن بعضها ، وانما التجارب الاجتماعية كجزء من الحضارة الانسانية تعيش بالانتقال الخصب وبالتفاعل الخلاق .. ان مشعل الحضارة انتقل من بلد إلى بلد ، لكنه في كل بلد جديد كان يحصل على زيت جديد يقوي به ضوءه على امتداد الزمان .. وكذلك التجارب الاجتماعية .. انها قابلة للانتقال ، لكنها ليست قابلة لمجرد النقل ، قابلة للدراسة المفيدة ، لكنها ليست قابلة لمجرد الحفظ عن طريق التكرار .

وهذه اولى مسؤولية القيادات الشعبية الثورية للأمة العربية . ومعنى ذلك ان هذا العمل الثوري الطليعي لابد ان تتحمل القسط الأكبر منه القيادات الشعبية الثورية في الجمهورية العربية المتحدة التي فرضت عليها الظروف الطبيعية والتاريخية مسؤولية أن تكون الدولة النواة في طلب الحرية والاشتراكية والوحدة للأمة العربية .

ان هذه القيادات الشعبية مطالبة الآن أن تتأمل تاريخها ، وان تنظر إلى واقع عالمها ، ثم تقدم على صنع مستقبلها واقفة في ثبات على ارضها .

14/7/2008

                                            

 

 حركة القوميين العرب

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 12