|
بسم الله الرحمن الرحيم 30/07/1429
خفايا رحيل جيوش المرتزقة من العراق
بقلم: عماد الدين الجبوري موقع النهى* مركز صقر للدراسات العسكرية والأمنية والإستراتيجية قسم الدراسات الإستراتيجية
في الآونة الأخيرة ذكرت أكثر من صحيفة غربية مرموقة ومنها الغارديان البريطانية على قرب رحيل الشركات الأمنية العاملة في العراق وعلى رأسها بلاك ووتر الأمريكية التي تعد من أكبر جيوش المرتزقة المثيرة للجدل في سفك دماء المدنيين العراقيين. فضلاً عن شركة تيتان العسكرية التي اشتركت في تعذيب واستجواب المعتقلين العراقيين. وبجانب هاتين الشركتين توجد شركات أمريكية أخرى أمثال واين كروب انترنشنال وتربيل كانوبي. وكذلك شركات بريطانية منها آرمر كروب وايجيس ديفنس سيرفيز وغيرها. كما وأن العدد الإجمالي لهذه الشركات قد أختلف فيه أكثر من تقرير. فحسب ما جاء في تقرير صدر عن مركز خدمات أبحاث مجلس الشيوخ الأمريكي في تاريخ 11-7-2007 الموسوم "المقاولون الامنيون الخاصون في العراق: الخلفية والوضع القانوني، وقضايا أخرى". أشار إلى وجود أكثر من 60 شركة أمنية خاصة تعمل بالعراق. بينما مكتب المحاسبة العام الأمريكي فقد ذكر في إحدى تقاريره الصادرة في شهر آذار/مارس عام 2006 عن مدير إتحاد الشركات الأمنية الخاصة في العراق قوله: أنه يوجد في العراق حوالي 181 شركة أمنية. وتضم هذه الشركات نحو 30 جنسية مختلفة من كافة شعوب القارات الخمسة. وان دخلهم يتراوح بين 500 إلى 1500 دولار يومياً، أي ضعف دخل الجندي الأمريكي. ويطلق عليهم العراقيون تسمية "العناصر الإسرائيلية" بسبب استهتارها وإجرامها تجاه المدنيين. ولقد وظفها وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد بغية تخفيف الأعباء القانونية والسياسية والميدانية عن قوات الاحتلال الأمريكي في العراق. أن مجموع هذه الشركات الأمنية تشكل قوة عسكرية ثانية بعد القوات الأمريكية المحتلة. كما وأن عدديها يصل إلى مستوى عدد القوات الأمريكي بنحو 150 ألف مرتزق. ومن الطبيعي ليس من السهولة ولا من البساطة رحيل هذه الشركات ولقد أنيطت لها وزارة الخارجية الأمريكية في تأمين الحماية الواجبة للسفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء الشديدة التحصن. وكذلك توفير الحراسة اللازمة للمسؤولين الأمريكيين والبعثات الدبلوماسية. علاوة على حماية المسؤولين الحكوميين من العراقيين الموالين للاحتلال. كما وأن وزارة الدفاع الأمريكية تعاقدت مع بعض هذه الشركات وأشركتها في مهام خاصة وعمليات ميدانية انكشفت باكراً في الفلوجة قبيل المعركة الأولى عام 2003. وعليه لابد من وجود سبب قاهر أوجب بل وأجبر قادة هذه الشركات الأمنية بالتفكير في الرحيل من العراق رغم الربح المادي الوفير والحرية الهائلة في التحرك والتنقل وإطلاق الرصاص. وحسب ما يشاع إعلامياً أن السبب هو سياسي وليس اقتصادي. وحسب تصورنا يوجد هناك سبب خفي حقيقي لا تريد السياسة الأمريكية إظهاره. ومع ذلك لنأخذ بالسبب الذي تروج له إدارة البيت الأبيض ثم نطرح الخفايا في سبب الانسحاب.
الاتفاقية الأمنية من بين بنود الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة هي حصانة الجنود الأمريكيين وكذلك المرتزقة المتعاقدين من الملاحقة القانونية لأي جرم يرتكبوه. وأن القضاء الأمريكي هو المرجع الوحيد وليس القضاء العراقي. بعبارة أخرى أن الأوامر والقوانين التي سنها السفير الأمريكي السيء الصيت بول بريمر ومنها ما يتعلق بأمر الحصانة التي منحها لقوات الاحتلال ولشركات الأمن الخاصة، تروم إدارة بوش إلى استمرارها وفق سقف زمني مفتوح رغم كل الجرائم البشعة التي ارتكبوها وما زالوا يفعلون. وبما أن جماهير العراق رفضت هكذا عبودية وعبرت عن موقفها في المظاهرات والمسيرات في العديد من المدن والمحافظات العراقية. كما وأن الرموز الوطنية والدينية والاجتماعية وبقية الغيورين من أبناء العراق لم تكف عن التنديد بهذه الاتفاقية. لذا تسربت أخبار من واشنطن بأن الإدارة الأمريكية وافقت على إسقاط الحصانة عن الشركات الأمنية العاملة في العراق. كما قال ما يسمى بوزير خارجية العراق المدعو هوشيار زيباري في يوم الأحد المصادف 1-6-2008. وتصريحات غيره من مطايا الاحتلال الأمريكي وهم كثر. علماً أن مستشار الخارجية الأمريكية لشؤون العراق ديفيد ساترفيلد قال للصحفيين: "أن مسألة الشركات الخاصة، ولاسيما الشركات الأمنية الخاصة مسألة صعبة". أن عدم إبرام الاتفاقية في موعدها المقرر قبل نهاية تموز/يوليو توحي أن هناك فقرات في الاتفاقية مضطرة إدارة بوش إلى تغيرها. ورغم أن هذا التأخر يؤكد على عدم إحراز النصر السياسي الذي سعى إليه جورج بوش كأرضية يستند عليها في سحب قواته من العراق. إلا أن هذا لا يعني فوزاً تفاوضياً لسلطة حكومة الاحتلال الرابعة القابعة تحت حماية المرتزقة. بجانب هذه السبب تسرب سبباً أخراً أوردته صحيفة الغارديان في تقريها الخاص مفاده: أن قرار شركة الحراسة الأمنية الأمريكية الخاصة بالتخلي عن العمل في العراق يعود إلى وجود ترابط مباشر بين قرار شركة بلاك ووتر بالرحيل من العراق وأفغانستان وبين تصريحات أوباما. فالأخير يعتبر من أشد منتقديها من ناحية. ومن ناحية أخرى عزمه على سحب القوات الأمريكية المحتلة من العراق في غضون 16 شهراً في حالة فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة.
المقاومة العراقية في السببين اللذين أوردناهما سابقاً لا تكمن فيهما الخفايا الحقيقية الكامنة وراء تخلي شركات الأمن الخاصة عن عقودها التي تبلغ مئات الملايين من الدولارات، وتترك دورها وموقعها ومركزها في العراق. بدليل أن حكومات الاحتلال هي من صنع الاحتلال الأمريكي أولاً. كما وأنها تبقى مسلوبة الإرادة تجاه أسيادها ثانياً. وبالتالي لا تستطيع محاسبة جرائم هذه الشركات الأمنية المتعاقدة أما مع وزارة الدفاع الأمريكية أو وزارة الخارجية الأمريكية حتى لو أسقطت عنها الحصانة. وإذا كانت هناك محاسبة مستقبلية، فلا تعدو عن كونها صورية الشكل والمضمون. أن جريمة ساحة النسور ما تزال ماثلة أمامنا عندما أقدم عناصر البلاك ووتر على قتل وجرح العديد من المدنيين العراقيين. فرغم أن وزارة الداخلية العراقية أصدرت قراراً في 17-9-2007 بإلغاء عمل الشركة الأمنية داخل الأراضي العراقية. إلا أن هذا القرار سرعان ما تحول من إلغاء إلى "تعليق مؤقت" ومن ثم ذهب أدراج الرياح واستأنفت بلاك ووتر عملها المعتاد. لأن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندواليزا رايس اتصلت برئيس حكومة الاحتلال الرابعة نوري المالكي وأبلغته ما أبلغته من أوامر عليه إطاعتها. وحينها ظهر في حديث مع محطة السي ان ان الأمريكية ما يسمى الناطق الرسمي للحكومة العراقية الإيراني الأصل علي يزدي قائلاً: "نحن لا ننوي وقفهم أو سحب ترخيصهم نهائياً. ولكننا نريد منهم أن يحترموا القانون واللوائح هنا في العراق". هكذا بكل إذلال وخنوع ينطق الناطق الرسمي للمالكي. أما عن "وجود رابط مباشر" لموقف المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية باراك أوباما ضد الشركات الأمنية الخاصة. فهذا الأمر ليس بالضرورة يعد أحد الأسباب الرئيسة. فربما بعد وصول أوباما للبيت الأبيض يغير بعضاً من مواقفه. وهذه الحالة واردة كثيراً في رؤوساء الولايات المتحدة. ألم يقل جورج بوش الأب في حملته الانتخابية للرئاسة "اسمعوا صوتي: لا مزيداً من الضرائب". لكنه أول من رفعها. إذاً وحسب تصورنا فأن السبب الخفي والحقيقي لرحيل جيوش المرتزقة يكمن في بسالة المقاومة العراقية وضراوتها البطولية في المجابهات اليومية ضد قوات الاحتلال الأمريكي. هذه الحقيقة التي تعمل إدارة بوش بكل ما أوتيت من قوة وسطوة إعلامية على إخفائها أو تسطيحها عن عمقها الشعبي والجماهيري والتي باءت كلها بالفشل. كما وأن قضية انسحاب القوات الأمريكية من العراق أصبحت مسألة وقت لا أكثر. سواء في 16 شهراً وفق جدولة أوباما، أو مدة أبعد حسب رأي المرشح الجمهوري للرئاسة جون ماكين. فهذه دلائل جلية وساطعة على هزيمة المشروع الأمريكي بالعراق. وعليه فأن إشارات رحيل جيوش المرتزقة من العراق تصب في هذا الاتجاه الخاضع لضربات المقاومة العراقية الدامية للمحتلين لا غير. أن الملياردير إريك برينس مؤسس شركة بلاك ووتر عام 1995 والذي ينتمي إلى التيار المسيحي اليميني المتطرف ويعمل على توسيع القوة المسيحية حول العالم. كما وأن بعض قيادات بلاك ووتر الذين يفتخرون بعضويتهم في جمعية "فرسان مالطا" العسكرية الصليبية الذي يعود جذورها إلى زمن الحروب الصليبية. ورغم مرتزقة هذه الشركة بالآلاف ينتشرون في تسع دول منها الولايات المتحدة. علاوة على أساطيلها الخاصة من مروحيات وطائرات تجسس ومدفعية. وكذلك الميزانية الهائلة التي تتمتع بها جراء مسيرة الخصصة في أعمال المساندة للجيش الأمريكي. كل ذلك لا يمكن أن تتخلى عنه بلاك ووتر في العراق لولا وجود نداً أقوى منها قد أدمى وأنهك الجيش الأمريكي الذي تسانده. أنها وبكل فخر وطني المقاومة العراقية المؤمنة بتحرير الأرض من دنس الاحتلال وأذنابه والقضاء على مشروعه التسلطي جملة وتفصيلاً. إن التنويه إلى رحيل بلاك ووتر وغيرها من جيوش المرتزقة هي إيذاناً على دنو الرحيل للجيش الأمريكي من العراق. كما وأن اقتراب ساعة الرحيل كما قلنا يأتي بسبب ضراوة المقاومة العراقية التي جاهدت وما تزال تجاهد حتى يمن الله عليها بهذا الثمر اليانع.
|