يمكننا أن نتفهم الدعم الأميركي
لكردستان العراق من منطلق عاطفي بحت، ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى أضاع
الأكراد فرصتهم للحصول على دولتهم في الوقت الذي نالت فيه شعوب أخرى
استقلالها. ويبقى الأكراد اليوم أكبر مجموعة عرقية لا دولة لها. لقد عانوا
الكثير على يد الآخرين، ولكن بينما تتقدم كردستان العراق، فإن عدم الثقة
بقادتهم يجعل أي تحالف أميركي-كردي طويل المدى أمراً غير حكيماً. فبدلاً من
أن تكون منارة للديمقراطية، يبدو بأن القيادة الكردية العراقية الحالية
مصممة على تكرار نماذج أكثر استبدادية. وبدلاً من أن يسعى الرئيس الكردي
العراقي مسعود بارزاني لأن يصبح نيلسون مانديلا إقليمياً، يبدو أنه ينتهج
حالياً مساراً ليصبح ياسر عرفات جديد. على الرغم من البيان المتغطرس حول
مناسبته ليكون حليفاً، فإن تصرفاته تفيد بأنه بعيد أن يكون أهلاً للثقة.
لقد كانت كردستان العراق، ربما، المستفيد الأكبر من تحرير العراق، إذ يتمتع
أكراد العراق اليوم بأعلى مستويات المعيشة، وأعلى مستويات من الاستثمار
الأجنبي والأمن. لقد انتهت العزلة الدولية حيث تحمل شركات الطيران
الأوروبية المسافرين وحتى السياح من ميونيخ وفيينا مباشرة إلى السليمانية
وإربيل. وتستمتع القوات متعددة الجنسيات بالراحة والاسترخاء في فنادق دهوك
ومنتجعات دوكان. وتتدافع إدارات النفط من الولايات المتحدة وأوروبا لجذب
الاهتمام الكردي. استبقى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني
الكردستاني بيتر غالبريت، السفير من عهد كلينتون، للقيام بالضغط من جانبهم،
وحتى اقتراح إقامة قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة.
منذ خمس سنوات مضت، كان الوضع مختلف تماماً. في حين كان أكراد العراق
يتمتعوا فعلياً بحكم ذاتي منذ عام 1991، فقد هيمن الشك على حياتهم اليومية.
كانت ثقة أكراد العراق ضعيفة جداً بأن الولايات المتحدة والأمم المتحدة
سيقوموا بأكثر من إدانة بغداد أو زيادة العقوبات في حال تحرك الجيش العراقي
نحو الشمال.
في عام 1975 ضحى وزير الخارجية هنري كيسنجر بأكراد العراق مقابل اتفاق تبني
سياسة واقعية مع بغداد، التي كان يسيطر عليها نائب الرئيس في حينه صدام
حسين. التزم المجتمع الدولي بشكل عام الصمت عندما استخدمت الحكومة العراقية
الأسلحة الكيمياوية ضد المواطنين الأكراد عام 1988. وقامت القوات الأميركية
بالقليل عندما أمر صدام قوات الحرس الجمهوري باحتلال إربيل عام 1996. بينما
قامت إدارة كلينتون بإدانة التحرك، وقد رأى كلاً من الحلفاء والخصوم كيف
كان الرد الأميركي مكتوماً، حتى عندما قام الحرس باحتجاز والتنظيم
وبالنهاية إعدام العراقيين الانتهازيين الذي يعملون مع واشنطن. عانت القوات
العراقية عام 2000 من عواقب محدودة عندما اجتازوا الموازي الست والثلاثين
لاستكشاف الدفاعات الكردية حول قرية بدر.
تجاهلت الدول الغربية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية بشكل كبير المنطقة
الوحيدة الحرة نسبياً في العراق التي عانت ليس فقط من عقوبات الأمم المتحدة
وإنما أيضاً في ظل الحظر المنفصل الذي فرضه حكم صدام في بغداد، والذي أعطاه
الأمين العام للأمم المتحدة في حينها بطرس غالي السلطة لتوزيع الغذاء
والدواء على كردستان العراق بموجب برنامج الأمم المتحدة النفط مقابل
الغذاء. في أواخر عام 2001، أكدت إدارة الدولة بأن سفر المواطنين
الأميركيين إلى كردستان العراق غير قانوني بموجب جوازات سفر أميركية وذلك
بناءً على العقوبات الأميركية وعقوبات الأمم المتحدة المفروضة.
فرصة كردستان العراق
في 1 آذار 2003 أعطى قرار تركيا في عدم المشاركة في عملية تحرير العراق
حكومة إقليم كردستان دفعاً إستراتيجياً غير متوقعاً. في حين أن القوات
الخاصة الأميركية قد تشاركت مع ميليشيات البشماركة والقيادة السياسية
الكردية في الأشهر السابقة لاندلاع العداوات، وقد ارتأى مخططي الجيش
الأميركيين شراكة أكثر قوة مع تركيا. في شباط 2003، كرر الدبلوماسيون
الأميركيون والأتراك وضباط الجيش مذكرة دبلوماسية شاملة لاستعراض فهم
التعاون الأميركي-التركي في العراق. كان المسئولين الأكراد العراقيين
مقتنعين تماماً بأن العلاقة التركية مع واشنطن يجب أن تحتل الأولوية على
اهتماماتهم الخاصة التي اختطوها ليس لمنع التدخل التركي ولكن للحصول على
موافقة، في البداية، أن يحدد البنتاغون الوجود التركي في العراق إلى ممرات
تزويد محددة في شمالي العراق، وثانياً أي فريق تركي حقيقي يمكنه العمل فقط
في مناطق جنوب أو شرق تكريت، ومناطق العمل التي تعتقد إربيل بأنها تحد من
التأثير التركي في منطقة كركوك المتنازع عليها.
أدى رفض البرلمان التركي المشاركة مع الولايات المتحدة للتحالف إلى قطع
النفوذ الإستراتيجي التركي ودعم الأهمية الإستراتيجية للقوات الكردية
العراقية لأهداف الولايات المتحدة. بدلاً من العبور من تركيا قامت القوات
الأميركية بالهبوط بالمظلات في مهابط حرير، في شمالي إربيل. قد تكون
البشماركة قامت بالسلب أكثر من القتال في الأسابيع الأولى من الحرب، ولكن،
رمزياً، عززت العلاقة المتنامية مع القيادة المركزية الأميركية الشكوكية،
المعتادة أكثر على رأي العالم بالقادة العرب وأقاربهم في الهيئات العامة
أكثر من الاهتمامات الكردية.
وقد دعمت الرومانسية أيضاً العلاقة الأميركية-الكردية. كان من الصعب على
العديد من أفراد الجيش الأميركي ألا يتعاطفوا مع أكراد العراق: كان العديد
قد اختبر أكراد العراق عام 1991 عندما ساعدوهم في صد الهجرة والمجاعة
الكبيرة من خلال عملية توفير الراحة. وبالعودة بعد اثني عشر عاماً، وجدوا
بأن المنطقة قد تحولت، على الرغم من العقبات العديدة، بفضل القيادة
الكردية.
كما سهلت الثقافة الكردية المحلية العلاقة مع الولايات المتحدة. يصر كلاً
من دبلوماسيي وضباط الجيش التركي على المضي قدماً في المراسم والالتزام
المتزمت بقواعد المقاطعة بدلاً عن تسهيلهم للعلاقات. يشعر القليل من
الدبلوماسيين الأميركيين بالمودة تجاه محاوريهم الأتراك. وعلى النقيض من
ذلك، فإن الأكراد العراقيين يمطرون المسئولين الأميركيين بالضيافة، وتحضير
مآدب سخية، وفي بعض الأحيان تسهيل العلاقات مع النساء. يضع الحزب
الديمقراطي الكردستاني المسئولين الأميركيين في أماكن ضيافتهم ويقدموا
الهدايا لمسئولي إدارة الدولة والجيش تتراوح ما بين السجاد الحرير
والمجوهرات الذهبية. و في حين يرفض معظم المسئولين الأميركيين مثل هذه
الهدايا، خلال فترة سلطة الائتلاف المؤقتة، فإن بعض المواطنين المسئولين
المدنيين الأميركيين وضباط الجيش يقبلون بها.
ومن أساليب تعزيز التأثير الكردي في واشنطن كان استئجار حكومة إقليم
كردستان لخدمات ضباط ومسئولين سياسيين أميركيين سابقين لتمثيلهم. فمثلاً
قامت القيادة الكردية بتوظيف شركة ضغط يديرها روبرت د. بلاكويل، نائب
مستشار سابق في الأمن القومي، لتمثيل مصالح الأكراد في واشنطن ولتحضير
لقاءات مع مسئولي الإدارة. هاري سكوت، القائد العسكري السابق في الكتيبة
404 للشؤون المدنية المرتكزة في إربيل، استقال من مهمته العسكرية ليصبح
مستشاراً مأجوراً لرئيس الوزراء الكردي نيشيرفان بارزاني. كلاً من الجنرال
غارنر (المتقاعد) والكولونيل ديك ناب (متقاعد)، الذين قادا الإدارات
المدنية في فترة ما بعد الحرب في بغداد وإربيل، على التوالي، عادوا إلى
كردستان العراق من أجل عقود. بينما قام قوباد طالباني، نجل جلال طالباني،
الرئيس العراقي الحالي و زعيم التحالف الوطني الكردستاني، بالطلب من
الأكراد ومن أصدقاء الأكراد العراقيين أن يتبرعوا لصالح الحملات الانتخابية
الأميركية لأعضاء الكونغرس الذين يتعاطفون مع الاستقلال الكردي.
أدت مشاركة الأكراد إلى جانب القوات الأميركية في تحرير العراق، خاصة
مقارنة مع الأفعال التركية، بالقيادة الكردية إلى التعبير عن إحساس
بالجدارة. واستجابة لسؤال في مقابلة عام 2003 حول المكافأة المتوقعة لأكراد
العراق لقاء دعمهم للأهداف الأميركية، قال مسعود بارزاني 'إن مطلبنا
الأساسي من الولايات المتحدة وبريطانيا...هو دعم نضالنا لإحراز حقوقنا
الوطنية'. في مقالة عام 2005 بخصوص الموضوع نفسه، أشار بارزاني، 'بعد
القوات المسلحة الأميركية، كانت قواتنا من البشماركة أكبر عضو في التحالف'.
منارة للديمقراطية ؟
يبدو بأن تعاليم بوش بإقامة تحالف مع كردستان العراق طبيعياً. فقد كانت
الدبلوماسية وموضوع التحول إلى الديمقراطية في صدارة جدول الأولويات، على
الأقل بيانياً ونظرياً، في سياسة البيت الأبيض. وقد يبدو هنا كردستان
العراق على أنه نموذجاً. قبل سقوط صدام بسنتين، وصف كارول أوليار، طالب
مقيم في مركز الجامعة الأميركية للسلام الكوني، كردستان العراق بأنها
'بوتقة للديمقراطية ونموذجاً لعراق ما بعد صدام'. أطلق سفيركير أوريدسون
وأولي شميدت، مؤرخ في جامعة لوند وسياسي سويدي على التوالي، على منطقة
كردستان العراق 'منارة للديمقراطية في الشرق الأوسط'.
في عام 2006 قامت حكومة إقليم كردستان التي تدير التعاون التنموي
الكردستاني بوضع إعلانات تلفزيونية في الولايات المتحدة تصف كردستان العراق
بأنه 'يمارس الديمقراطية منذ أكثر من عقد من الزمان'. مع العلم بأن الحزب
الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لم يسمحا بأي تحديات
انتخابية جدية، إلا أن المغالاة المتعلقة فهي في حين كانت باقي أنحاء
الدولة التي ترزح تحت حكم صدام كانت الأقاليم الثلاثة المحكومة من قبل
مسعود بارزاني وجلال طالباني قائد التحالف الوطني الكردستاني أكثر حرية.
ولكن لم يكن لا بارزاني ولا طالباني ديمقراطيان. خلال الحرب الأهلية
الكردية الداخلية 1994-1997، قام القائدان الكرديان بانتهاك حقوق الإنسان
بشكل كبير: فقد اختفى المناوئين وأمر بارزاني وطالباني بإعدام السجناء.
ويقدر اليوم نشطاء أكراد العراق في المناطق التي يحكمها كلا القياديان
السياسيان بأنه لا يزال هناك ثلاثة آلاف سجين كردي مصيرهم غير معروف، ولكن
منظمات حقوق الإنسان الإقليمية تقول بأن القادة السياسيين يمنعان أي مطالبة
من عائلات المفقودين. وخلال محاكمة صدام عام 2006، أشار العديد من المثقفين
الأكراد في الجامعات الإقليمية والمقاهي بسخرية إلى أن القيادة الكردية
العراقية قد ارتكبت بعضاً من الجرائم، وإن كان دون استخدام الأسلحة
الكيماوية، التي كان يحاكم على أساسها صدام.
لقد تغير العراق ولكن كردستان العراق لم تتغير. بعد سقوط صدام، توقع العديد
من أكراد العراق بأن منطقتهم سوف تتحرر وتصبح ديمقراطية. فبدلاً من الإصلاح
تعاظمت السياسات الإقليمية. حافظ بارزاني على حكم ديكتاتوري على محافظتي
دهوك وإربيل، وطالباني بالمثل يسيطر على السليمانية. في حين أنه ليس دقيقاً
أن توصف القيادة الكردية، على الأقل من جانب التحالف الوطني الكردستاني،
على أنها عشائرية، فقد كان الطرفان يعتمدان على أفراد العائلة في الحكم.
فقد عين بارزاني ابن أخيه رئيساً للوزراء وكلف ابنه ذو الخمس وثلاثون عاماً
بإدارة وكالة المخابرات المحلية. بينما يحكم أقارب آخرين شركات الهاتف
الإقليمية، والصحف والإعلام.
وبالمثل تدير هيرو خان، زوجة طالباني محطة التلفزيون الفضائية المحلية. وفي
حين أن أحد أبناء جلال الطالباني يدير عمليات مخابرات التحالف الوطني
الكردستاني، فإن الآخر ممثل لحكومة إقليم كردستان في واشنطن (قوباد
طالباني). وعندما حان الوقت لتوزيع الحقائب الوزارية في بغداد، استدار كلا
القائدين الكرديين إلى عائلاتهم: أعطى بارزاني عمه حقيبة وزارة الخارجية،
بينما طالباني أعطى صهره حقيبة الموارد المائية وأخ زوجته إلى السفارة في
الصين. ولكن النقطة التي هي في صالح طالباني هي أن رجاله مؤهلين.
تهيمن حالياً في كردستان العراق فكرة العداء لأميركا. إن عدم إدراك هذا
الأمر واتخاذ الإجراءات لتصحيحها فسوف يؤثر ذلك سلبياً على الفرص
الإستراتيجية للولايات المتحدة.
يسيطر كلاً من بارزاني وطالباني على الشركات القابضة، فبعضها مرتبط
بأقاربهم والبعض الآخر بأحزابهم السياسية. حوّل طالباني الأراضي الحكومية،
بصفته قائد التحالف الوطني الكردستاني، إلى أقاربه لكي يكسبوا الفوائد. في
إحدى الحالات، استخدم نوكان، وكيل أعمال الحزب، كوسيط لطرد اللاجئين من
الأرض التي يرغب حزبه في تطويرها لرعاية أعضائها. وبما أن كلاً من الحزب
الديمقراطي الكردستاني والتحالف الوطني الكردستاني يسيطران على التعيينات
القضائية، يفتقد اللاجئين والمواطنين العاديين الذين ليس لديهم علاقات
رفيعة المستوى للاحتكام إلى القضاء. خلال الزيارات الدورية للسجون اكتشف
مراقبو حقوق الإنسان المستقلين رجال أعمال مسجونين دون أي تهمة ويقولون
بأنهم مسجونين بموجب قرار من أحد أبناء بارزاني بعد أن رفض شراكات خفية مع
رجال أعمال من عائلة بارزاني.
أما في المكتب، فإن بارزاني وطالباني قد كدسوا ثروات تفوق 2 مليار و400
مليون دولار، على التوالي. حيث أن القيادة السياسية الكردية تجادلت ذات مرة
على عائدات الجمارك، قامت اليوم بدمج الخزينة الوطنية مع أموال الرشوة
للحزب والمحافظ الشخصية. عملياً هنالك فرق بسيط بين ملكيات بارزاني
وطالباني كأفراد وممتلكات أحزابهم السياسية وحكومة إقليم كردستان بمجملها.
قام بارزاني بتحويل منتجعاً عاماً في ساري راش إلى مجمع شخصي، وقام أفراد
عائلته ووزرائه ببناء منازل فخمة على الأراضي العامة المجاورة.
تسيطر مفاوضات النفط الحديثة على الضبابية المستمرة على الأصعدة السياسية
والتجارية الكردية. للحصول على امتيازات التنقيب عن النفط وعقود التنمية في
إربيل ودهوك يجب أن تقيم الشركات شراكة خفية مع رابطة معينة من قبل
بارزاني. يقول العديد من المسئولين المقربين من مفاوضات النفط المختلفة بأن
روابط بارزاني قد طلبت نسب وصلت حتى 10% من العائدات المستقبلية على أن
تحول إلى بارزاني شخصياً وقيمة مساوية لحزب بارزاني السياسي. إن الخزينة
العامة لحكومة إقليم كردستان أمر ثانوي، حتى وإن كان النفط، ولو نظرياً،
مصدر لكامل منطقة كردستان، إن لم نقل للعراق. إن مثل هذه المضاربات في
المصالح ليست جديدة.