|
بسم الله الرحمن الرحيم 16/09/1429 أمة تحت الحصار بقلم :فؤاد الحاج موقع النهى* المحرر
بعد حالات التردي والذل والانحطاط، التي عاشها الشعب العربي من المحيط إلى الخليج طيلة نصف أكثر من خمسين عاماً من القرن الماضي، هب المارد العربي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الثالث والعشرين من تموز/يوليو 1952، معلناً عصراً جماهيرياً جديداً، بعد أن ترسبت في أعماق الجماهير نزعات الولادة الإبداعية التي فجرها ناصر العرب ثورة رائدة في كافة المجالات التحررية. وبعد ثورة 23 تموز/يوليو الناصرية بستة عشر عاماً انطلقت ثورة 17 تموز في العراق معلنة أن المستحيل هو سيد القوانين، وأنه لا تراجع إلى الخلف مهما كانت النتائج قياساً للمستقبل، فألغت بذلك وهم الماضي وأكملت ما بدأته ثورة 23 تموز/يوليو في مصر العربية. ولم يمض عام 1969 إلا وأعلن العقيد معمر القذافي ومجموعة من الضباط الأحرار في الفاتح من أيلول/سبتمبر ثورة الجماهير في ليبيا حيث حدد البيان الأول مسارات الثورة الجماهيرية ومنهجيتها لإعادة صياغة تاريخ ذلك الجزء من الوطن العربي. فكان لتلك الثورات تأثيرها الكبير على تجربة الإنسان العربي الوحدوي ضد كافة أشكال الاستعمار، مما فجر قوة الإرادة في الأمة العربية فكراً وأسلوباً وعملاً. وعلى الرغم من اختلاط الألوان فأن اللون السائد في كافة الثورات العربية بقي الأخضر والأسود والأبيض والأحمر في ذاكرة المبدعين من أبناء الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج، مما فجّر حالات الإبداع الصناعي والعلمي والعسكري في تجربة (القاهر) و(الرائد) و(الظافر) في مصر العربية، كما تفجرت في العراق حالة الإبداع العسكري المتطور في تجارب عرفنا منها (الحسين) و(العابد) و(السلسبيل) و(الحجارة) ومفاعل تموز النووي، بالإضافة إلى المجالات العلمية والصناعية والاقتصادية المختلفة، مما نقل العراق من عداد البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة. وكان من المؤمل أن يصدّر العراق أول سيارة عراقية كاملة التصنيع في منتصف الثمانينات، مما أزعج أعداء العراق وأعداء العرب بشكل عام وفي مقدمهم إدارات الشر الأميركية والصهاينة في العالم، فسمحوا بتغيير شاه إيران لتبدأ الحرب الإيرانية-العراقية، لمنع العراق من الانتقال إلى مصاف الأمم المصنّعة والمنتجة، وهذه واحدة من أهم أسباب تلك الحرب التي حمى فيها زحف "تصدير الثورة الخمينية" وحافظ على عروبة العراق وعروبة الخليج العربي ودويلاته. وفي الجماهيرية الليبية تم تحقيق ثورة علمية واقتصادية عملت على نقل الشعب الليبي إلى مستوى راق في كل المجالات، وهذه أيضا أزعجت قوى الشر في العالم أيضا، فعملت على وأد الثورات العربية الحضارية وتدميرها. وبما أن أشعة الشمس لا يمكن أن تعزل بغربال، كان الإصرار العربي على المضي في مسيرة النهوض العلمي والصناعي والاقتصادي والزراعي في العراق كما في باقي البلاد العربية، مما أعاد للمواطن العربي ثقته بنفسه لبرهة من الزمن، ولكن أعداء الإنسانية والعروبة معاً لم يدعوا مجالاً لتلك الثقة في نفس المواطن العربي، فعمدوا إلى زرع بذور الشقاق والخلافات بين أبناء الأمة الواحدة، ثم اتبعوا سياسة الاغتيالات والقتل البطيء فاغتالوا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالسم البطيء، وفرضوا على مصر العروبة قيادات خرجت من الصف العربي بدءا من "اتفاقية كامب دايفيد"، ودمروا ما أبدعه شعب مصر العربي وتركوه فريسة للإرهاب الدولي تحت مسميات المعونات الأميركية وصندوق النقد والبنك الدوليين. وكذلك فعلوا في الجماهيرية الليبية التي حققت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وزراعية، ومنها النهر الصناعي العظيم، وقاموا بعدوانهم على هذا البلد عامي 1981 و1986، وفي عام 1993 أطبقوا بحصارهم الظالم ليبيا من أجل إخضاع هذا البلد وللسيطرة على خيراته الطبيعية، وأهمها الماء والنفط، لأن ليبيا تضم أكبر خزين من المياه الجوفية في طبقات أرضها، وحتى بعد أن وافقت ليبيا على تسليم المشتبه فيهما إلى محكمة حيادية والتي برأت واحداً منهما وحكمت على الثاني حكم ترضية عشوائي ذو نهج سياسي.. أصرت إدارة الشر الأميركية على عدم رفع الحصار عن هذا البلد. في الوقت الذي كانت فيه تحاصر العراق الذي دمروه في عدوانهم الغاشم في بداية عام 1991، ومن ثم غزوه واحتلاله عام 2003، ومازالوا يقتلون فيه الإنسان كما يدمرون البنيان، والمدارس ومستودعات الأغذية، ويحرقون الأراضي الزراعية، في محاولة منهم لفرض تقسيم العراق إلى دويلات، تمهيداً لتنفيذ مخططهم الشرير لإقامة كونفدرالية على مقاس إدارة الشر الصهيو-أميركية من أجل السيطرة على النفط والغاز. وما يحدث في كركوك وحولها اليوم ليس سوى جزء من مخطط السيطرة التامة على النفط، لأنها تضم ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم بحسب مصادر عربية وغربية، بينما مصادر معاهد البحوث والدراسات الأمريكية تقول أنه أكبر احتياط نفط في العالم يقدرونه بأكثر من 512 مليار برميل من النفط، وأكثر من 200 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي. ففي ذكرى رحيل قائد ومفجّر ثورة تموز/يوليو التي حملت في طياتها معان تدل على عظمة المضمون لمفهوم الثورة، وفتحت مصراع الحرية من أجل الإنسان العربي ليثور ضد الظلم والطغيان، وبناء الوطن الحر بعيداً عن الاستغلال والعبودية، محارباً المستعمر والإمبريالية والصهيونية، تلك الثورة التي أوجدت المد القومي لها من خلال كلماته الشهيرة: (ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) و(لا للاعتراف، لا للصلح، لا للمفاوضات)، أننا نتساءل أين الأنظمة العربية منها الآن؟!. تأتي هذه الذكرى بعد أن عطلت أنظمة الذل العربية (مكتب المقاطعة العربية للبضائع "الاسرائيلية") في (الجامعة العربية)، كما عطلت المد الجماهيري، وبذلك التقوا مع أعداء الإنسانية في العالم، كما التقوا مع المدنسين لأرض فلسطين العربية، الذين يزيدون في إهانتهم لأنظمة الذل والعار، طالبين منهم الخضوع التام والمزيد من الانبطاح!!. فهل ستبقى الجماهير العربية صامتة على جور تلك الأنظمة؟!. ومتى ستنهض الجماهير العربية دفاعاً عن ثرواتها الطبيعية التي فيها حياتها واحتياجاتها ومعيشتها، وبالتالي كل اقتصادها على المستوى الفردي والوطني؟ متى يعود الشعب العربي ليعيد روح اللاءات الثلاث عملياً (لا للصلح، لا للمفاوضات، لا للاعتراف)؟ وإلى متى سيبقى الشعب العربي وتنظيماته وأحزابه تحتفل بالذكرى وتلوك الكلام وتجتره في بيانات لا تسمن ولا تعني من جوع في كل مناسبة؟ وإلى متى سيبقى الكتّاب العرب يرددون ما نسمعه منذ خمسينات القرن الماضي؟ فهل ستجيء ذكرى أي ذكرى وطنية قادمة لتحمل معها بشرى ثورة جديدة تعيد للإنسان العربي ثقته بنفسه من جديد بعد أن كفر وهاجر وهُجّر من وطنه؟!. وهل ما يجري فلسطين المحتلة لا يكفي كي تستفذ هذه التنظيمات والأحزاب التي لا تبيع سوى كلام في مؤتمرات تكلّف مئات الألوف من الدولارات الأميركية التي ربطوا بها حياتهم وبلادهم دون اعتراض أي منهم، والتي لو صُرفت على بناء مستوصف وشراء أدوية كان على الأقل لهم الفضل في إنقاذ مريض من موت محتم.. وهل بعد مسلسل الاغتصابات والجرائم التي جرت في عراق التاريخ والحضارات طيلة أكثر من خمس سنوات، لا يكفي كي يُستفذ الشرف العربي الذي لا يقتل سوى ابنته أو أخته لأنها فرّت مع منْ تحبه لأن أهلها يريدون تزويجها من شخص آخر؟! وهل.. وهل.. وهل.. كل ما يجري في أرجاء البلاد العربية لا يَستفّذ أي عسكري وطني كي يُشكل رأس حربة لانقلاب وتغيير نظام ما ليعيد روح العروبة إلى المواطن المقهور والمغلوب على أمره؟ ورغم كل ذلك أقول أنني متفائل بالمقاومة الوطنية والقومية في عراق التاريخ والحضارات، وفي فلسطين المغتصبة، لأني أعلم أن بذور الخير وجذوة الثورة تكمن في تلك الأمة التي لم ولن ترض بالذل والهوان رغم ما تعانيه من جور الحكام وظلم الطغيان.
|