بسم الله الرحمن الرحيم

04/11/1429

ضربة النزع الأخير

 النصيحة بـ "Cow" .. ترجموها للـ "Boy"

 

بقلم : بديع يوسف عطية

موقع النهى*

1/11/2008

مسكين العم سام، لن يتمكن من دخول التاريخ من زاوية الحضارة الإنسانية أو القيم الاجتماعية. لأن عمر الخليط البشري المسمّى باسمه يبلغ ثلاثة قرون من السنين. وهذه المدة، في تاريخ الأمم والشعوب، ليست كافية لإظهار سمات مجتمعية موحدة تتبلور تدريجياً لترسم شخصية مجتمع إنساني له ثقافته الموازية أو القريبة من المجتمعات التاريخية الحضارية، كالمجتمع السوري مثلاً والمجتمع المصري والمجتمع اليوناني وغيرها. وإذا أخذنا مقاربة واحدة حول هذا التوصيف، لوجدنا مثالاً على ذلك أن الفارق الزمني بين تأسيس أريحا، بحسب آخر الدراسات المتخصصة، وتأسيس واشنطن هو فقط 13000 سنة لاغير.

فالخبرة الحياتية وفعالية العقل وصقل الغرائز ورسوخ النظام الاجتماعي وتقاليده، وتدبر المصالح الحياتية في حلو الأيام ومرها، ومعالجة الأزمات والكوارث والنكبات وامتصاص الصدمات، التي تحتاج جميعها لما يسمى بالعراقة والأصالة، قد فاقته كلها، لأنه جاء في زمن متأخر جداً عن عصور الإنجازات التأسيسية للحضارة المعاصرة، ولم يتمكن من الأتيان بما لم يستطعه الأوائل.

 لذلك ظلمه التاريخ، وظلم نفسه في التاريخ، بادعاء الأولوية في كل شيء فلم يقتنصها إلا في التدمير والبلطجية والنهب. لذلك ظلت حدود قيمه ورموزه الثقفية في سوية رعاة تكساس وغانستر شيكاغو وعصابات نيويورك، وسيطرت عليه عقلية الغزو البدائية القبلية في الداخل والخارج، منذ بداية عهد رعاة البقر وعصابات السطو على البنوك.

وظلمته الجغرافيا لبعده عن البؤرة المتوسطية التي احتضنت الحضارة الأولى وآفاقها الفكرية والعملية، وظلت بالنسبة إليه حلماً بعيد المنال، عصياً على الإدراك الواضح الدقيق، مثيراُ للغيرة والنفور والعداء، فغرق في حلمه الذي لم يعوضه عن قواعد الفكر وتجارب التاريخ الطويل، وها أن حلمه هذا يضمحل في شرايين جسم ضخم يتآكل ويتصدع آيلاً إلى انحلال محقق.

ومما زاد في هذا القصور الحضاري الواقعي الواضح أن الأصول البشرية التي شكلت ذاتيته قد وقعت في أبشع الأمراض الاجتماعية التي لفظها التاريخ كالتمييز العنصري والتضارب في العقليات والإجرام المنظم على جميع وجوهه دون استثناء. وهذه الأمراض ازدادت تفاقماً مع الزمن والإهمال ومحاولة التعويض بالانتصارات الخارجية العدوانية.

ولكن أخطر الأمراض التي فتكت بالعم أبو السيم هو وضع عصب نظامه النقدي الاقتصادي السياسي في أيدي جنود رب الجنود، مصاصي دماء الشعوب ومزوري التاريخ والآثار والقيم.

وفي وضع من هذه السوية تصبح الأزمة النفسية الناتجة عن شبق تحصيل الأولية ودخول التاريخ مرضاً مركباً حاوياً جميع الأمراض السابقة، لا شفاء منه ولا تعويض عنه إلا بتسجيل رقم قياسي في كسر مزراب العين .. ومزراب العين قد يكون اليوم كوسوفو أو تشيكيا وغداً أفغانستان، كما كان بالأمس تشيلي ونيكاراغوا أو كوبا، وقبله هيروشيما ... ولكنه ليس قطعاً بغداد أو دمشق، لأن دمشق وبغداد هما نبع العين لا مزرابها. والذي يجهل هذه الحقيقة ليس من لتاريخ والعلم والحضارة على شيء.

والذين ورطوا هذا المريض المحتضر في غزو بغداد بالأمس وفي نهش دمشق اليوم، بعد تحضيرات أسطورية، يعلمون ماذا يفعلون. حتى غاب عن الوعي تماماً في محاولة فلز صخرة بغداد، بعد نزفه في فلسطين، فأضاع البوصلة وجاء يضرب رأسه بالصخرة الشامية، متجاوزاً كل المعايير الحضارية والحقوقية والأخلاقية.

فالأزمة ليست أزمة عهد يحتضر، إنها أزمة مجتمع ودولة يحتضران دون أي معيار للتفريق بين المرض والدواء، وأية قدرة على التقاط الحواس .. لأن التدحرج مستمر.

إنها ضربة جديدة بقرار يهودي، وبالعصا الأمريكانية العمياء. وعلينا أن ننتبه إلى أن ضربة هذه العصا المقبلة، إذا حصلت، ستكون جارحة لأن العصا قد كسرت وتشظت، وهذا ما يثير جنون المعتدين فاقدي الإدراك .. والأخلاق.

ملاحظة:

لقد تبين بالتحقيقات وبالبينات العقلية أن الشعب السوري لا علاقة له بالانهيارات المتلاحقة التي تصيب الأميركان، إلا من زاوية أن هذا الشعب هو ميزان التاريخ والأحداث التاريخية المفصلية، والشاهد الدائم عليها.

******

شرق وغرب (3)

وقائع لا استنتاجات

إن ما عبرت به الفتاة المغربية عن غصتها بجنسيتها الفرنسية هو شعور طفلة بريئة بالأسى وفقدان الأمل في مستوى حياة معين تمنت أن تعيشه فصدمت بعدائية لا تدرك سببها أو حيثياتها. ولكنها واقعة ملأت حواسها ووجدانها وجرجرت كرامتها وشوهت تحليلها وأربكت نفسيتها، وليست اتهاماً للفرنسيين أو للغربيين عموماً.

إن إدراك أعماق هذه العدوانية العمومية من قبل الغرب تجاه " السوري القذر" و " العربي القذر" ليس ميسراَ لطفلة تصورت أموراً كانت عكس ما اختبرتها تماماً. ولكنه ليس مستحيلاَ على المطلعين والمحللين، أكانوا من الشرق أم من الغرب.

وقبل أن نعرض لرسوخ هذه العدوانية، وبعض ظاهراتها غبر التاريخ، لا بد لنا من تسجيل سؤالين برسم جميع  القراء، وجميع الغربيين المهتمين بالعلاقات الحضارية بين الأمم والشعوب.

الأول: كيف حافظ هذا الغرب على نقائه ونظافته وطهره، وهو يمتص دماء هؤلاء القذرين السوريين والعرب طيلة عقود وقرون من السنين؟

والثاني: هل إن عنوان "السوري القذر" و " العربي القذر" المرفوع فوق رؤوس أصحابه (مع لعناته)، سواء أكانوا في بلادهم أم في أحضان الغرب المضياف، هو عنوان التعامل الذي يدعو الشرق إليه قداسة البابا وفخامة الرئيس الفرنسي العلماني الاشتراكي؟ وإذا كان ما يدعون إليه هو عنوان آخر فنتمنى أن يقرأه أحد علينا. لأننا لا نجد في وقائع تعامل الغرب مع المجتمعات العربية ومع غيرها من المجتمعات اللاغربية في العالم سوى العدائية والحقد والاستخفاف والمخادعة الدبلوماسية .. عند الحاجة.

ومن هنا فإن المعادلة المطروحة في تصريح قداسته وفخامته مردودة فلسفياً وعقلياً. إذ ليس من الطبيعي ولا المنطقي ولا العقلاني أن يدعوا الشرق إلى رفع عنوان " الغرب القذر" أو " الفرنسي القذر" في تعامله مع الغرب، أو من افترضهم صاحبا التصريح " حصة" الغرب في الشرق .. (المسيحيين) ..، حتى يتعادل الأسلوبان في التعامل بحسب طلبهما أو دعوتهما أو تمنيهما الغالي.

وقد أغفل قداسته وسيادته أن المسيحية انتاج "شرقي" بامتياز وأن الغرب ممثلاً بروما حيث ترتع الآن دولة الفاتيكان المترامية النفوذ، كان يقدم هؤلاء المسيحيين في مهد رسالتهم علفاً للسباع، بعد أن تآمر مع اليهود على صاحب الرسالة .. فقط لأن المفاهيم والمبادئ والقيم المسيحية ( الشرقية) تهدد غطرسة روما على شعوب العالم.. ولأن "الشرق" هو الشرق والغرب هو الغرب ، والمؤامرة هي المؤامرة، والواجهة هي المواجهة، والعدوانية هي العدوانية، لا يمكن أن تسمى جميعها بمسميات غير أسمائها مهما تكثفت الأقنعة. لأن الوقائع هي الوقائع والاستنتاجات المغرضة والمسيسة والمقنعة تبقى استنتاجات!

بمناسبة واقعة أخرى من النوع نفسه، هي غزوة الأميركان الأخيرة (ببعض عشائر الغرب) للعراق، طرح اليهود الذين كانوا، ولا يزالون، متمسكين بخناق نظام الحكم الأميركاني،.. فكرة صراع الحضارات التي نشتم في تصريح قداسته وفخامته رائحة قوية لها. فما كان من أحد أبرز قادة الغرب، الرئيس جاك شيراك، إلا أن هب معارضاً وطرح فكرة حوار الحضارات، لأسباب ليس مجال طرحها في هذا المقام. فكتبنا لفخامته آنذاك مؤيدين غيرته وحرصه على نهج الحوار، وسألناه في الرسالة نفسها كيف يمكن، على أساس نهج الحوار أن يطلع الشعب الفرنسي على التراث السوري الذي يكشف تزوير توراة اليهود وتهاويها التاريخي والقيمي، طالما أن فرنسا تطبق قوانين اللاسامية. فهل تتمكن أية مجلة علمية ثقافية فرنسية أن تنشر بحثاً في هذا المجال دون أن تقوم القيامة عليها؟ كما حصل فعلاَ مع عدد من المفكرين الفرنسيين عندما كتبوا شيئاَ ( وكان موثقاً) يمس اليهود !!!

إن حرية الفكر وحرمة الحياة الإنسانية هما الجوهر الأساسي لموضوع تصريح صاحب القداسة وصاحب الفخامة. واحترامهما في الغرب، على مر التاريخ، هو مسألة فيها نظر ... فليس "السوري القذر أو " العربي القذر" هو الذي أنشأ محاكم التفتيش ، وليس هو الذي أحرق الإرهابية جان دارك، ولا هو الذي مارس قتل الباباوات داخل أسوار الفاتيكان في مراحل معينة معروفة.

للبحث صلة

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 14