|
بسم الله الرحمن الرحيم 24/11/1429 مصر الرسمية إذ تنفذ حكم إعدام غزة
بقلم : د.إبراهيم حمّامي شبكة النهى*
رغم كل محاولات التجميل التي تقوم بها الأطراف جميعها دون استثناء للموقف المصري، ورغم الحفاظ على شعرة معاوية مع الشقيقة الكبرى، ورغم كل المرونة والتفهم من قبل أهلنا في غزة، إلا أن الحقيقة المرة ذات الوجه الواحد هي أن من يتحمل مسؤولية المعاناة في قطاع غزة هي مصر الرسمية، وأن من ينفذ حكم الاعدام الذي أصدرته عصابات الاحتلال هي مصر الرسمية، ومن يقتل ابناء الشعب الفلسطيني اليوم في غزة هي مصر الرسمية، نقولها والألم والأسف يعتصر قلوبنا لهذا الموقف البعيد تماماً عن نبض الشارع المصري العظيم. كنت قد أليت على نفسي ومنذ زمن أن لا أكتب أو أتطرق لأي موقف عربي كبر أم صغر، فهمنا كبير وكبير، والعصابة التي دمرتنا وتدمرنا أولى بالوقوف في وجهها، لكن ما يحدث اليوم ليس شأناً عربياً داخلياً لنصمت ونتجاوز، إنه جريمة ضد أهلنا المحاصرين في غزة، يدفعون ثمنها دماً ونار، ليس شأنهم وحدهم بل بات مصيبتنا في اشقائنا، لم يعد السكوت ممكناً ونحن نعد ضحايا الحصار، لا مجال للصمت ومستقبل طلبتنا يٌدمر، لا يمكن غض الطرف ونحن نقتل بأيد عربية.
الشعب المصري البطل وقف ويقف بكل ما أوتي من قوة مع القضية الفلسطينية ونضال شعبنا، وضحى ويضحي بالغالي والنفيس نصرة للشعب الفلسطيني، ورفض ويرفض محاولات التطبيع الجارية منذ ثلاثة عقود، وحاول ويحاول بكل الوسائل أن يخترق الحصار الداخلي المفروض عليه لمنعه من الوصول لغزة، في ذات الوقت تستبسل الحكومة المصرية وتتفنن في قتل شعبنا داخل وخارج غزة، وتحت ذرائع مختلفة سقطت بعد التصريحات الأخيرة الواضحة لوزير الخارجية المصري والتي اعترف فيها بحصار غزة دعماً لطرف فلسطيني ضد طرف آخر، أي سجن وتجويع مليون ونصف فلسطيني من البشر والناس "كرمال" عيون عبّاس، المساهم الأول في حصار غزة.
مواقف رسمية غير مبررة، مخزية أحياناً، ومخجلة أحياناً أخرى، وترقى لدرجة الجرائم في أغلب الأحيان، اذلال مبرمج ومزمن زادت وتيرته، اعتداء على كل شيء، مرضى وطلبة وجرحى وأرامل وعجائز، فقدان حتى لأبسط قواعد الآدمية، تعامل فظ لا نراه مع أعداء الأمة وهم يدخلون بلا تأشيرات لأرض الكنانة، اعتقالات لمن يحاول كسر الحصار، اغلاق لجزء من أرض مصر أمام المصريين في مخالفة دستورية واضحة، وغيرها من الأمور التي يندى لها الجبين. ليس كلام انشاء ولا حديث في الهواء! المواقف كثيرة لكنها تزداد تعنتاً واجراما، وليتها توقفت عند حدود التهديدات العنترية الأبو غيطية، بل تجاوزتها لأفعال تتصاعد وتيرتها، ونرصد بعضها وآخرها هنا.
مثلة سريعة سقناها لتوضيح من يقتل شعبنا في غزة، وذلك لا يعفي اطلاقاً الاحتلال المجرم من مسؤولية ما يجري، لكنه تساوق ومستهمة وشراكة مطلقة في هذه الجريمة، تضع مصر الرسمية في موقع لا يسمح لها باحتضان حوار أو غيره، لأن مواقفها بحد ذاتها تحتاج لحوار للتراجع عنها.
ليتهم اعتبرونا سلاحف بحرية يرصدون لها الملايين لانقاذها، في وقت يمنعون فيه من يريد انقاذ شعبنا، حتى عندما يتقاعسون بل يتآمرون لقتل شعبنا، يمنعون الغير من تأدية الواجب الانساني، لكنهم يحاولون تجميل صورتهم مع غير الآدميين، في محاولة سخيفة للظهور بالمظهر الحضاري، فهل يعقل أن من يحاصر ويقتل شعباً بأكمله يلتفت لكائنات أخرى، اقرأوا هذا الخبر الذي نٌشر بالأمس 20/11/2008 وقارنوا بين المواقف: "خصص مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية 50 مليون دولار لتربية السلاحف، حيث قام المجلس بتخصيص قطعة أرض على مساحة 8000 متر مربع على ساحل البحر المتوسط بمنطقة أراضي الجمعيات بالعريش وذلك لإقامة مشروع لتربية وإكثار السلاحف البحرية بتكاليف قدرها 50 مليون دولار.
وقد أكد اللواء محمد عبدالفضيل شوشة محافظ شمال سيناء أن هذا المشروع يهدف إلى الحفاظ على السلاحف البحرية في البحر المتوسط والمهددة بالانقراض، وأشار شوشة إلى أن المشروع هو الأول من نوعه في مصر، وقد جاء بمبادرة من الدكتور أحمد جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية التابع لجامعة الدول العربية"، فهل انقاذ السلاحف وصرف الملايين عليها أولى من انقاذ غزة وأهلها التي تقع على بعد أقل من 50 كيلومتر من منطقة المشروع المقترح؟
ثم يحدثونك عن الأمن القومي! وقد تحديناهم جميعاً بلا استثناء أن يأتوا بحادثة واحدة هدد أو اعتدى فيها فلسطيني واحد على أمن مصر العزيزة على قلوبنا جميعاً، والتي نحرص على أمنها أكثر من أي أمن آخر، تحديناهم أن يشرحوا كيف يهدد أمن مصر اذا كان معبر رفح فلسطيني مصري خالص، ولا يصبح أمنها مهدداً إذا تواجد جنود الاحتلال على المعبر؟ أي مفارقة غريبة تلك؟ كيف يهدد أمن مصر وقد دخلوها أهل غزة آمنين بمئات الالوف ولم تٌسجل حادثة سرقة او اعتداء واحدة، وغادروا بإرادتهم وعادوا لقطاعهم المحاصر بعد أن صدقوا الوعود بأن مصر لن تسمح بتجويع غزة؟ ما هو التهديد القومي لمصر ان هي سمحت بايصال الغذاء والكساء بعد أن تشبعه تفتيشاً وتدقيقاً وتمحيصا؟
لكن أحرار مصر ممن امتزجت دماؤهم الزكية مع دماء اخوانهم في فلسطين، شرفاء مصر الذين رفضوا ويرفضون محاولات تدجينهم عبر تطبيع رسمي مبرمج، ما زالوا على عهدهم، يحاولون الكرة تلو الكرة دون كلل أو ملل، يطرقون كل باب حتى باب القضاء، وقد حققوا اختراقات قانونية تاريخية نصرة لأهلهم في فلسطين، وانتزعوا احكاماً قضائية هامة في الأيام الأخيرة نذكر منها التالي:
§ في ذات اليوم الذي أقر واعترف فيه أبو الغيط بمسؤولية مصر عن حصار قطاع غزة وقتل أهله أي في يوم 11/11/2008: قررت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصري وقف تنفيذ قرار الحكومة بمنع الحملة الشعبية لكسر حصار غزة، وذلك في دعوى قضائية أقامها 25 من النشطاء السياسيين ونواب البرلمان بعد قيام الحكومة بمنع قافلتين شعبيتين تحملان مواد إغاثية من الوصول إلى معبر رفح. ووصف جمال تاج الدين، عضو مجلس نقابة المحامين السابق، الحكم بأنه "تاريخي" وأكد رفض الشعب المصري مشاركة حكومته في حصار غزة، مطالبا الحكومة بتنفيذ القرار والسماح لقوافل الإغاثة بالوصول إلى غزة.
§ الثلاثاء 18/11/2008 محكمة القضاء الاداري أصدرت حكماً بوقف تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل، أثناء نظرها دعوى قضائية أقامها عدد من المواطنين، بينهم بعض المحامين، مدعين أن بيع الغاز المصري يتم بأسعار تقل عن الأسعار العالمية وقيمتها السوقية، واستندت الدعوى إلى أن قرار تصدير الغاز إلى إسرائيل تم بناء على اتفاق بين إحدى الشركات الخاصة، المملوكة لأحد رجال الأعمال مع الحكومة الإسرائيلية، ولم تحصل الحكومة المصرية على موافقة البرلمان، على اعتبار أن الغاز الطبيعي من ممتلكات الشعب، وكان مساعد وزير الخارجية السابق السفير إبراهيم يسري قد أقام الدعوى ضد وزير البترول سامح فهمي، مطالبا فيها بإلغاء قرار الوزير الرقم 100 لسنة 2004 والخاص بتصدير حصة من المواد البترولية في مصر إلى "إسرائيل" بسعر منخفض، وانضم إليه 80 شخصا في الدعوى من منظمات المجتمع المدني وأعضاء مجلس الشعب، الذين استقبلوا الحكم بفرحة عارمة، فيما شهدت المحاكمة إجراءات أمنية مشددة حيث أحاطت سيارات الأمن المركزي بمقر مجلس الدولة قبل بداية الجلسة بساعة – للتذكير فإن تصدير الغاز لقطاع غزة متوقف تماماً واليوم توقفت معظم مخابز القطاع عن العمل وتعيش غزة في ظلام بعد انقطاع التيار الكهربائي عن معظم المناطق!
هذا هو الشعب المصري البطل العظيم الذي نعرفه، الشعب الذي نحبه ويحبنا، الشعب الذي لم يتأخر أو يتوانى يوماً عن القيام بواجبه تجاه اخوانه، وهذه هي المواقف الرسمية لمصر التي تقتل شعباً رفض ويرفض الانصياع لارادة المحتل وأذنابه وعملائه، مصر الرسمية البعيدة عن نبض الشارع والتي ارتضت أن تمارس دور الجلاد لتنفيذ مجزرة الاحتلال بحق شعبنا.
اليوم نقولها وبوضوح أنه اذا كان الاحتلال قد أصدر قرار الاعدام بحق أهلنا وشعبنا في غزة، فإن من يقوم بالتنفيذ هو مصر الرسمية، ومن يرفض التنفيذ هي مصر الأبية، وأن من يرفض الانصياع والتركيع أمام محاولات التجويع لن تعجزه الوسيلة عن كسر الحصار والانفجار في وجه الجميع دون استثناء.
21/11/2008
|