02/01/1430
سيناريو إسقاط حماس: المقدمات
بقلم :عريب الرنتاوي
شبكة النهى*
مخطئ من يقرأ الجولة الأخيرة من التصعيد في قطاع غزة وعلى حدوده ومعابره، من منظار التهدئة، وقاصرة تلك القراءة التي تختصر المشهد بالحاجة لضبط نفس متبادل أو وقف للصواريخ إلى غير ما هنالك من تفسيرات ومطالعات، فما يجري على خطوط التماس في القطاع الجائع والمحاصر، ليس في واقع الحال، سوى حلقة في سلسلة متعددة الحلقات، تبدأ من غزة ولا تنتهي في واشنطن مرورا بتل أبيب والقاهرة وعواصم محوري "الاعتدال" و"الممانعة". في ظني، وليس سوى بعض الظن إثم، إن ما يشهده قطاع غزة، هو فصل – ربما يكون الأخير – من سيناريو أكبر وأعقد وأخطر، يستهدف إسقاط حكومة حماس وإنهاء سيطرة الحركة على قطاع غزة، وهو سيناريو منسق "بدرجة ما" بين أطراف عدة، فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية، وثمة مؤشرات وتسريبات وأحداث، تذهب جميعها باتجاه "تظهير" هذا السيناريو وتوضيح فصوله ومعالمه، ولقد لخص مبعوث الرباعية الدولية هذا السيناريو بكلمات قليلة: (عدوان على غزة ليس كارثة، الحسم العسكري وليس الحوار هو الوسيلة للتعامل مع إرهاب حماس، والحصار لم يجد نفعا مع حماس، ولا بد من البحث عن وسائل أخرى لإنهاء الوضع الشاذ في غزة حتى تكون جزءا من الدولة ومن "وعد أنابوليس" ومساره). لن نعود بعيدا إلى الوراء، إلى الانتخابات الفلسطينية وما أعقبها من حكومات وائتلافات وحسم عسكري ومؤامرات واتفاقيات، سنكتفي باسترجاع أحداث الأسابيع القليلة الماضية، واستحضار استحقاقات الأسابيع المقبلة، لوضع ما يجري في غزة في إطار "الصورة الأكبر" للوضع الإقليمي. ولعل أهم حدث يحضرنا، هو هزيمة الجمهوريين والمحافظين في الانتخابات الأمريكية، ورغبة الإدارة الأمريكية المرتحلة في تسوية حساباتها مع خصومها، و"تلخيص" ما أمكن لها تلخيصه، من منجزاتها المتواضعة في المنطقة، وفي هذا السياق، ننظر إلى "تمديد مسار أنابوليس"، بوصفه نقطة بد الفصل الأخير في سيناريو تصفية حماس، وهو التمديد الذي تقرر في بيان الرباعية الدولية وقرار مجلس الأمن رقم 1850. ولقد سبق التمديد لأنابوليس، تمديد مماثل للرئاسية الفلسطينية، الشريك الفلسطيني الرئيس في هذا المسار، وهو التمديد الذي تقرر في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في القاهرة، وفي زيارات عباس العربية والدولية، وفي الحشد الخليجي في كنيسة القيامة في عيد الميلاد المجيد، وهو تمديد حظي بموافقة مسبقة من الغرب "الديمقراطي"، ودعمته روسيا شريكة الولايات المتحدة في القرار 1850 ولأول مرة منذ رعايتهما المشتركة لمؤتمر مدريد. ومما لا شك فيه أن لعمليات "التمديد" المزدوجة التي جرت بـ"نصاب سياسي" إقليمي ودولي شبه كامل، أسباب عدة، منها رغبة واشنطن التي أشرنا إليها في "توثيق" منجزاتها الشرق أوسطية على تواضعها، ومنها أيضا، رغبة أطراف أنابوليس في قطع الطريق على صعود نجم الليكود ونتنياهو في إسرائيل، وسط مؤشرات ترجح فوزهما في انتخابات العاشر من شباط/فبراير القادم، ووسط قراءات تؤكد أن حصول أمر كهذا لا يعني سوى شيء واحد ببساطة: إسقاط مسار أنابوليس، وإعادة عقارب الساعة سبع سنوات إلى الوراء على أقل تقدير. ولكي يكون للتمديدين: التمديد للرئيس عباس والتمديد لمسار أنابوليس، قيمة عملية وسياسية، فإن المطلوب تحقيق أمرين معا: الأمر الأول، قطع الطريق على نتنياهو، وفي هذا السياق يأتي اجتماع الرباعية ومجلس الأمن ونشر المبادرة العربية بـ"لسان عبري مبين" مطروحا منها حق عودة اللاجئين، ودعوة ليفني (المنافس الأقوى لنتنياهو) إلى القاهرة (وليس باراك الأقل حظا على سبيل المثال). أما الأمر الثاني، فيتمثل في إسقاط حكومة حماس وإنهاء سيطرة الحركة على قطاع غزة، وفي هذا السياق، وفي هذا السياق أساسا، بدأ مسلسل التفلت الإسرائيلي المنهجي من استحقاق التهدئة والتزاماته، وبدأ مسلسل الخروقات والعدونات، وبدأ مسلسل الخنق والتجويع والتعطيش والتعتيم إلى غير ما هنالك من أساليب همجية وممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. الخلاصة: لكي تبقى جذوة أنابوليس متقدة، ولقطع الطريق على انهيار السلطة وفقدان شرعية الرئاسة الفلسطينية، لا بد من تطويق "اليمين الإسرائيلي" ممثلا في الليكود وإسقاط "اليمين الفلسطيني" ممثلا بحماس...وإلى الغد
سيناريو إسقاط حماس الصفقة :الجزء الثاني
تقوم الخطة الإسرائيلية (المتدحرجة) لإسقاط حماس و"تغيير الوضع في غزة"، والمنسقة إلى حد كبير دوليا وإقليميا، على توجيه سلسلة من الضربات الجوية والبرية والبحرية، ضد بنى حماس، حكومة وحركة وقوة تنفيذية وقيادات ومؤسسات وكوادر ومنشآت، مكثفة ومتتالية، على أمل أن ينتهي ذلك إلى واحد من احتمالين: الأول، أن ينجح الضغط العسكري والتجويع والحصار في إسقاط حكم حماس وإضعاف سيطرتها، وأن يساعد الوضع الصعب الذي ستجد الحركة نفسها فيه، خصومها على "الانتفاض" في وجهها....والثاني، أن تقبل حماس، بشروط إسرائيل لاستعادة التهدئة "الغذاء مقابل التهدئة"، وتبقي لنفسها يدا طليقة في شن العدوانات والاغتيالات متى شاءت وأينما أرادت، وفي هذا السياق، ليس مستبعدا أبدا، أن تشترط إسرائيل إطلاق سراح جلعاد شاليط من دون قيد أو شرط، أو بصفقة مذلة لحماس، أي باختصار فإن هدف الجولة المقبلة من العدوان المتدحرج هو إسقاط حماس بواحد من أسلوبين: إحراجها وإخراجها من السلطة، أو إحراجها وإراقة ماء وجهها وصدقيتها ونفوذها وشعبيته، ليعود القطاع بعد ذلك، خاضعا لولاية السلطة وحكومة تصريف الأعمال. والحقيقة أن ثمة ما ينبئ، بأن أطرافا دولية وعربية قد تمت مفاتحتها بسيناريو كهذا، وأن ملامح "صفقة ما" قد تبلورت بين هذه الأطراف، وهنا تقول "التسريبات" ما يلي: (1) أن بعض عواصم الاعتدال (ليس جميعها، وبالقطع ليست عمان من ضمنها) أبدت تجاوبا مشروطا مع هذا السيناريو، والشرط هنا يتعلق بتفادي وقوع مجازر في صفوف المدنيين أو جرائم من النوع المحرج لهذا العواصم والمثير لعواطف جماهيرها وعواصف غضبهم....(2) أن ما أوردته بعض الصحف الإسرائيلية من معلومات عن "اقتراح بعض القادة العرب جز رؤوس قادة حماس وفصلها عن أجسادهم"، وعادت صحف عربية مهاجرة لتأكيده بصياغات أخرى، ونقلا عن مصادر أخرى، تحدثت عن "تأديب عصابة حماس" يصب في سياق "التفاهم الإقليمي" حول ضرورة توجيه ضربة قاصمة لحماس، وعلى يد الإسرائيليين، لأنهم وحدهم القادرين على ذلك. بعض العرب (وأطراف دولية، تذكروا تصريحات بلير)، يريدون في الفصل القادم من سيناريو إسقاط حماس، ضرب جملة من العصافير بحجر واحد: (1) فهم من جهة يريدون الثأر لما يعتبرونه طعنة حمساوية نجلاء لجهودهم في المصالحة والحوار ولوساطتهم في صفقة شاليط المعطلة، وهو ما نظر إليه من زاوية الكرامة والهيبة إلى غير ما في قواميس "القبَلية" العربية من مفردات...(2) تكسير رؤوس قادة حماس لتمرير "التمديدَيْن" لعباس وأنابوليس...(3) جعل حماس عبرة لمن اعتبر ومن لم يعتبر من الإسلاميين العرب الذين تحدوا هيبتة أنظمتهم وحكامهم...(4) تصفية الحساب مع محور "الممانعة" وتحديدا سوريا وإيران، اللتان استحضرتا بقوة في الآونة الأخيرة، كخطر يتهدد الدور القومي لهذه العاصمة العربية أو تلك، وجرى التصعيد ضدهما والتجييش عليهما كسبا للرأي العام المحلي، ومحاولة لصرف الانتباه عن الفصل الأخطر من سيناريو تصفية حماس الذي يجري تفنيذه على الأرض، وستظهر ملامحه الدموية في قادمات الأيام...ولقد قرأنا بالأمس القريب والبعيد انتقادات عربية ومن عواصم كبرى لتقارب باريس مع دمشق، وهو انتقاد بلغ حد التحريض والتأليب والتجييش. والحقيقة أن ثمة ما ينبئ بأن الفصل المقبل من المواجهة بين حماس وإسرائيل، يكتسب هذه المرة بعدا أشد خطورة من أي مواجهة سابقة، ويعود هذا التقدير المتشائم إلى جملة أسباب أهمها: (1) أن الغطاء السياسي العربي يكاد يكون قد سحب عن حماس، وبصورة تذكر بما واجهه حزب الله في حرب تموز 2006 عندما خاض حربا شرسة عاريا من الغطاء السياسي الرسمي العربي...(2) أن إطرافا فلسطينية أساسية تقف بالمرصاد لحماس وما ستؤول إليه سلطتها في غزة، وهي استلت سكاكينها الحادة بانتظار أن ترى رؤوس قادة حماس في غزة قد أينعت فتقوم بقطافها، تماما كما فعلت في الضفة الغربية، وبتنسيق مع الإسرائيلي، مكشوف ومستفز وغير مسبوق في تهافته...(3) أن الغطاء الدولي بعد موقف موسكو المؤيد لـ"التمديدين"، لعباس وأنابوليس، قد سحب أيضا عن الحركة...وإلى الغد
سيناريو إسقاط حماس: مفتاح الحل في جيب عبّاس الجزء الثالث
يستطيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يقلب الطاولة على رؤوس اللاعبين، وأن يغير "قواعد اللعبة" رأسا على عقب، بل وأن يحدث هزة سياسية لا تقل قوتها على "مقايس ريختر" عن قوة الهزة التي تسببت بها الطائرات والصواريخ الحربية الإسرائيلية التي عاثت قتلا ودمار في حارات غزة وأزقتها. وإذا كان العدوان الإسرائيلي البريري على غزة والذي اتخذ من "الرصاص المصهور" اسما له، قد اعتمد "التدرج والتدحرج" منهجا له، فإننا نفترح على "أبو مازن" رد فعل متدحرج أيضا، كأن يعلن مثلا انسحابه من التنسيق الأمني مع إسرائيل، وهو تنسيق محرج ومذل على أية حالة، ويخدم الأمن الإسرائيلي أكثر مما يخدم الأمن الفلسطيني، وهو يستطيع أن يتبع هذا الموقف بموقف يعلن فيه الانسحاب من المفاوضات ومن مسار أنابوليس، وهي مفاوضات عبثية على أية حال، ومسار لم يكن واعدا في أي وقت من الأوقات، وهو بالغ طريقا مسدودا كما تشير كافة التقديرات. الورقة قبل الأخيرة في جعبة الرجل والتي يتعين عليه أن يلوح بها توطئة لاستخدامها إن لزم الأمر، ولم تنفع الأوراق السابقة في تحقيق مبتغاها، فهي تقديم الاستقالة الآن، واعتبارها سارية المفعول اعتبارا من منتصف ليلة التاسع من كانون الثاني / يناير القادم، ليس لأن التمديد له لن يكون "غير دستوري" فحسب، بل وبوصف ذلك تعبيرا عن الاحتجاج شديد اللهجة على الجرائم الإسرائيلية. أما الورقة الأخيرة فتتمثل في التلويح بحل السلطة، توطئة لحلها فعليا إن لم لزم الأمر، ونحن نرجئ الحديث عن هذه الورقة لأنها ليست ملكا للرئيس عباس وحده، ويحتاج اللجوء إليها إلى تفاهمات فلسطينية وطنية أوسع نطاقا. منذ أن تقلد منصب رئيس الحكومة زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات، عُرف عن "أبو مازن" أنه رجل زاهد بالسلطة، ونقلت عنه روايات عدة تدور في معظمها حول "سرعة تقديمه استقالته" من مناصبه، ولطالما نظرنا إلى هذه "الخصلة" بصورة سلبية، بيد أنها ولأول مرة في تاريخه السياسي، قد تكون ميزة إيجابية إن هي استخدمت في توقيتها ومكانها المحددين، ولا نجد أفضل من "الآن" توقيتا، ومن غزة مكانا لاستخدام هذه الورقة. نقول ذلك ونحن نستبعد احتمالا كهذا، ونكتشف أننا كنا من المخدوعين بحكاية "الزهد بالسلطة" الرائجة تلك. لن يخدم قضية غزة وفلسطين، ولن يحقن أرواح الأبرياء من أبنائها وبناتها، سوى خطوة كهذه، وهي خطوة غير مكلفة، وتكاد تكون مجانية على أية حال، فنحن نعرف والرئيس عباس يعرف، أن الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر، وأن المفاوضات مع نتنياهو القادم للسلطة ستكون أكثر عبثية من تلك التي خضناها مع أولمرت، وأن الأمر برمته، بما في ذلك المقعد الرئاسي، لا يستحق كل هذا العناء والتضحيات. لم نكن نريد أن يسجل تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية أنها شهدت الانقسام الأخطر في عهد الرئيس عباس...ولم نكن نريد أيضا أن يدخل انفصال غزة عن الضفة في خانة "إنجازات" الرئيس الفلسطيني الثاني...ولا نريد لرئيس فلسطين أن يندرج في "القائمة السوداء" للقادة الذي يشتمون في التظاهرات الجماهيرية، وأية تظاهرات، التظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني والمتضامنة مع كفاحه العادل والمشروع. لم يبق من "رصيد" ولاية عباس سوى عشرة أيام، فليجعل منها أيام عشرة تهز المنطقة والعالم، وليدخل التاريخ من بوابة الزعماء التاريخيين الذين لا تكمن قوتهم في ضعفهم، بل في قوتهم وقوة شعبهم وشعبيتهم.
إلى صفحة مشاركات الزوار 15