10/05/1429
بعد أن تصمت المدافع في غزة
بقلم: عريب الرنتاوي
شبكة النهى*
لن يمضي وقت طويل بعد أن تصمت المدافع في غزة، حتى يبدأ الحديث وتنشط المساعي لاستئناف مفاوضات السلام بين السلطة الفلسطينية وحكومة ما بعد الانتخابات الانتخابات المبكرة في إسرائيل، وسيُضرب صفحٌ عن مئات الشهداء وألوف الضحايا الذين سقطوا في غزة بنيران "الرصاص المصهور"، وستعلق السلطة قرار "تعليق المفاوضات"، فهو في الأصل مشروط بوقف العدوان وانتهاء "الأعمال العدائية". الغائب عن المشهد سيكون إيهود أولمرت، الذي أراد أن ينهي حياته السياسية كـ"بطل للسلام" مع محمود عباس أو بشار الأسد (لا فرق) طالما أن المهم هو التغطية على فساده وفضائحه و"لعنة تموز 2006" التي تطارده، ولكنه إذ وجد أن السلام غير ممكن مع الاحتفاظ بالأرض المحتلة في القدس والضفة والجولان وغور الأردن، آثر أن يقفل سجله "المهني" كـ"بطل حرب ومجازر"، وفي الحالتين يعتقد الرجل أنه نجح في الخروج من التاريخ (وليس الدخول فيه) من بوابة السياسة أو الحرب التي هي امتداد للسياسة، وليس من بوابة الجريمة المنظمة والفساد والمحكمة الجنائية. إن قدر لتسيبي ليفني أن تشكل الحكومة المقبلة، ومعها إيهود باراك، فإن مسار أنابوليس الذي مدد له بموجب القرار 1850 وبيان الرباعية الدولية، سيُستأنف، وعلى المسارات التفاوضية الثلاث ذاتها: الرئيس الممدة ولايته قسرا محمود عباس/ رئيسة الحكومة تسيبي ليفني...قريع ومن سيأتي على رأس الخارجية الإسرائيلية، باراك (وزير الدفاع المجدد له) وسلام فيّاض (رئيس حكومة تصريف الأعمال التي لا تنتهي ولا تتصرف)، وسيعاد اجترار المواقف والخرائط والعروض ذاتها، ولكن الأمل معقود هذه المرة على أن يجد الجانب الفلسطيني "الجرأة" لقبول ما سيعرض عليه، بعد أن تكون حماس ومعها بقية فصائل المعارضة والمقاومة، قد أضعفت. أما إن قدر لبينيامين نتنياهو أن يشكل الحكومة المقبلة (وهذا مرجح)، فسيذهب الرجل وحكومته في طريق آخر، مغاير لمسار أنابوليس: سيسعى للسلام الاقتصادي مع الفلسطينيين (وفقا لتعبيره)، وسيرفع شعار "الأمن أولا"، سيرجئ مفاوضات الحل النهائي، وسيبحث عن دور للأردن في إطار "فيدرالية أمنية" أو "كونفيدرالية سياسية"، وستتهمش السلطة والرئاسة وفتح في حقبة نتنياهو، ولن يكون للمبادرة العربية بريقها، وسينظر باستخفاف لشعار (57 +1) الذي رفع لتشجيع إسرائيل على القبول بمبادرة السلام العربية مقابل تطبيع كامل مع 57 دولة عربية وإسلامية. القاسم المشترك الأول بين مختلف "السيناريوهات" و"القراءات" الإسرائيلية لمستقبل "عملية السلام" واضح للعيان: التخلص من الديمغرافيا الفلسطينية والاحتفاظ بأكبر مساحة من الجغرافيا، ودائما بهدف الاحتفاظ بـ"يهودية الدولة العبرية" التي أصبحت الهاجس والشغل الشاغل للدولة العبرية، والمحرك الرئيس لانخراطها في عملية السلام والدافع الأكبر لقبولها بفكرة الدولة الفلسطينية (لهذا يقال الدولة الفلسطينية مصلحة إسرائيلية كذلك). أما القاسم المشترك الثاني، فهو أن "الكيان" الفلسطيني "Entity" الذي سينبثق عن أي منهما لن يكون قابلا للحياة بذاته، ولن يتمتع بالحرية والاستقلال، فهو إما أن يكون تابعا للأردن أو لإسرائيل أو لمصر، وتحت أي مسمى من المسميات، وهو لن يكون سيدا مستقلا في حال من الأحوال، فحرب "الرصاص المصهور" على غزة، أعادت الاعتبار لمسائل "العمق، والأرض والطبوغرافيا والمناطق العازلة" وغير ذلك من مفاهيم شكلت "نظرية القلعة" في التفكير السياسي والإيديولوجي الصهيوني.
ولكل هذه الأسباب، رأينا مبكرا أن حرب إسرائيل على غزة، ليست حربا على حماس، بل حربا على القضية الفلسطينية بمجملها والشعب الفلسطيني برمته...وقلنا أن هزيمة حماس في هذه الحرب لن تقوي خصومها في رام الله، بل ستضعفهم وتضعف قدرتهم التفاوضية...وشددنا على أن هذه الحرب الوحشية، وإن اتخذت من غزة مسرحا لعملياتها، إلا أنها حرب على مستقبل الضفة والقدس والدولة والعودة.
وسيكتشف الشتّامون والشامتون، بعد أن ينجلي غبار المعارك، بأنهم أصبحوا أقل وزنا من هذه "الغبار"، وأن قدرتهم على الصمود في مواجهة الضغوط والإملاءات الإسرائيلية قد تلاشت، وأن قدرهم الذي ارتضوه لأنفسهم هو أن يتكيفوا مع الاحتلال ويجمّلوه وأن يسهروا على جعله مريحا ومربحا.
إلى صفحة مشاركات الزوار16