بسم الله الرحمن الرحيم

            19/02/1430

 خلف الجدران الصامتة (ليلى أنور)

 

 

 ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد

  شبكة النهى*

 

      الصعوبة البالغة التي واجهتني للدخول إلى النت المتقطع، قدّمتْ لي فرصة طيبة.. حررتني ووفرت إمكانية متابعتي أموراً أخرى.. بعيداً عن السياسة الكريهة الملعونة.. حررتني لأُمارس القراءة والمزيد من المطالعة، مشاهدة التلفزيون وتجديد روابطي مع عالم الحياة الحقيقي.. العالم المُضاد للموت- النهاية الميتة للسياسة.

     ومع ذلك هناك بعض الأمور التي تصرخ في داخلي، ولا يفيد معها غلق عينَي أو وضع القطن في أُذنَي.. صرخة مُدوّية- ظلم عميق deep injustice- ترفض أن تتركني.. ترفض أن تبقى هادئة.. ترفض أن تبقى صامتة.. ولا يفيد معها، ولا يزحزحها قراءة كميات من الكتب أو ممارسة أي نشاط..

     تلك الصرخة المدوية التي تنطلق من ظلم ثقيل وترفض أن تتركني وتحررني.. كانت وستبقى العراق!!

     أنا متأكدة بأنكم تتوقعون مني التعليق على الديمقراطية الجديدة.. ديمقراطية العار sham.. ديمقراطية النهب والاحتيال fraudulent..

     عندي الكثير لأقوله.. أمور جوهرية يمكن أن أقولها.. إن ديمقراطيتكم لن تُصان ولن تستمر، لأِنها تستند إلى قاعدة الكذب- كذب مُخادع كلّف أكثر من مليون ضحية عراقية بريئة.. إنها ديمقراطية الموتى..

     إنهم (الموتى) تكلموا معي.. قالوا بأنهم سيعدون ملفاً بالشكاوى ويُقدمونه إلى المشرف المنتخب للضحايا، لأَنهم حُرّموا من إلقاء أصواتهم في صناديق الاقتراع.. حُرّموا من طمس أصابعهم في الحبر الارجواني وتقديم ابتسامة زائفة للكاميرات.. قالوا أن الشيء الوحيد الذي يتذكرون هو الحبر الارجواني- جثثهم الارجوانية السوداء.. هذه الجثث- الضحايا الأبرياء لديمقراطيتكم..

     لم أرغب في الإجابة.. أومأت nodded فقط برأسي، وتمنيت أن أركن للنوم.. تمنيتُ عليهم أن يركنوا هم أيضاً إلى نوم هادئ، مرة وإلى الأبد.. لكنهم أبقوني يقظة ومسكوا يدي بقوة وأمروني أن أكتب في السياسة ذات الخاتمة الميتة.. سياسة العالَم الميتة.. وفي النهاية الميتة. وهكذا أعود الإبنة المخلصة لهذه البلاد، لهذه التربة التي تصرخ في داخلي ليلاً عندما يطبق الصمت الميت على الجميع..

     مَنْ أسكتَ الغضب العارم outrage؟ بل هل كان هناك من غضب يمكن البدء به والانطلاق منه؟ أنا سعيدة أن الغضب ضد محرقة غزة لم يتوقف.. أطنان من المقالات.. أطنان من الأناشيد والأغاني.. أطنان من المسرحيات.. أطنان من الخطب.. أطنان وأطنان.. هذا جيد جداّ، يُبشر بالخير. ويجب أن يستمر..

     ولكن أين الغضب تجاه أكثر من مليون عراقي قُتلوا من قبل الديمقراطية؟.. أين غضبكم من خمسة ملايين لاجئ يرفضون العودة إلى دولة الديمقراطية؟.. أين غضبكم من استخدام قنابل الفوسفور، النابالم، واليورانيوم المنضب على مدى خمسة عشر عاماً ضد الناس الأبرياء في العراق؟.. أين غضبكم من ثلاث عشرة سنة من المقاطعة البربرية والتي لا زالت باقية ولم يتم إلغائها بعد؟

     بالمناسبة، كان بان لي مون في بغداد.. ناقش مع حكومة بغداد الدُميّة ماهية الإجراءات التي يمكن أن يتخذها لإلغاء المقاطعة.. حتى الآن..!؟ نعم حتى الآن!!

     أين غضبكم عندما قُتل نصف مليون طفل عراقي بسبب المقاطعة؟.. أين غضبكم عندما دُمِّرَتْ البيوت، المؤسسات، بضمنها المدارس والمستشفيات، البنى التحتية.. بل وعندما ترون وتسمعون بأن هناك مئات آلاف من العراقيين ما زالوا يعيشون في مخيمات داخل وطنهم، وآخرون يماثلونهم عدداً يعيشون في الأحياء الفقيرة slums خارج بلدهم؟

     أين غضبكم عندما سُرِقتْ بلايين الدولارات من العراق دون تقديم أي مسؤول للقضاء؟.. أين غضبكم من المليشيات التي أقامت حكومات الاحتلال، وتزعم الآن براءتها من: الطائفية، التعذيب، ممارسات الخطف والاغتيالات، قتل الناس ودفنهم في مقابر جماعية؟

     هل عرفتَ أن بعض رجال الصحوة صار لديهم عملاً جديداً يؤدونه؟ إنهم يُمارسون الصيد.. هل تعلم ماذا يصيدون لغاية الوقت الحاضر؟ جثث.. ليست جثة واحدة، ليست جثتان، بل تجاوز العدد 300 جثة. بعضهم نساء، وواحدة بثياب زفافها.. تم صيدهم من نهر ديالى، علاوة على نهري نهري دجلة والفرات.. نهرا الديمقراطية..

     هل تعلم أن أكثر من 65% من القوى العاملة العراقية لا زالوا يُعانون من البطالة؟.. هل تعلم أن عشرة آلاف طبيب فقط ما زالوا في العراق، بينما  قُتل أو هرب أكثرهم؟.. هل تعلم أن 99% من نساء العراق حالياً صرن محجبات بالتهديد والعنف الطائفي الفاسد، بضمنهن صغار البنات دون الخمس سنوات؟.. هل تعلم أن القطاع الصحي تحول كلياً إلى مسلخ/ خرائب/ أرض مخضبة بالدماء shambles، وما زالت الإمدادات الكهربائية متقطعة بصورة مستمرة، نظام التعليم في حالة تهرئ wasteland كامل، أساتذة هربوا أو اغتيلوا ولم يبق معلمون إلا القلّة، ولا خدمات تُقدم لعامة المواطنين؟ هل عندنا خمسة ملايين طفل يتيم، وأكثر من ثلاثة ملايين أرملة؟ هل تعلم.. هل تعلم؟..

     نعم، أنت عَرفتَ كل ذلك.. لكنك بقيتَ صامتاً وحافظتَ على صمتك.. إذن أين الغضب الذي أظهرته تجاه أحداث لبنان (و) غزة؟ أين هو بحق.. الشيطان؟.. لقد علمتَ بكل ذلك، وأنتَ تعرف كل ذلك.. وتختبئ خلف الجدران الصامتة.. كلكم عرفتم ومعكم عراقيون!!

     الاختباء وراء أصابع غُمِسَتْ dipped في الحبر الارجواني، الاختباء خلف هلوسة تصحيح المسار السياسي، الاختباء خلف ستائر غليظة من النفاق  hypocrisy والزيف الديني- الطائفي، الاختباء خلف جدران الكذب، ، الاختباء خلف المقابر الجماعية للضحايا الأبرياء، الاختباء خلف نظريات وتحليلات، الاختباء خلف الترويج الإعلامي propaganda، الاختباء خلف أوهام illusions إحداث التغيير.. اختباء واختباء..

     إخفاء جثث طافية، إخفاء المرأة وهي في ثوب عرسها، شوهت وقتلت ببشاعة لا يمكن تصورها بـ "بركة" الطائفية، إخفاء اليتامى، إخفاء اللاجئين والمشردين، إخفاء آثار التعذيب والاغتيالات..

     مؤامرة conspiracy صمتْ، مؤامرة صمت في نهاية نفق سياسة ميتة.. اللعنة عليهم جميعاً من الأحياء والأموات.. إنهم مستمرون في وكزي nudging.. يصرخون في وجهي في ظلام الليل الدامس.. أتركوني وحدي.. توقفوا عن شدّي بقوة tugging بهياكلكم..

     لكن أصواتهم أقوى من صوتي.. صراخاتهم أعلى من صرخاتي.. وصمتهم الصارخ loud silence أعظم من صمتي..

     وهكذا أعود ثانية، بين الدخول إلى النت المضطرب.. بين الواقع والحقيقة.. جالسة خلف حائط صمتكم!!

(الاحتلال يسلب إرادة- حرية الشعب.. إذن كيف يصبح راعياً للديمقراطية- الحرية!!؟؟)

 

 

 

 
مممممممممممممممممممممـ
 

Behind Walls of Silence...,(Layla Anwar, An Arab Woman Blues),Uruknet.info, February 8, 2009.

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار17