الخوف الأمني والقمع السياسي
بقلم: الدكتور غالب الفريجات
شبكة النهى*
يكاد يكون الهاجس الامني حد الخوف ، لغة الهيمنة على مؤسسات الحكم في النظام العربي الرسمي ، ويشكل الامن بشتى اجراءاته وبجميع مستويات تنظيماته الرسمية ، الأب الشرعي لكل نظام سياسي من حجارة الشطرنج العربية الرسمية ، المنغرسة في عمق الحياة العربية .
الامن هاجس النظام السياسي العربي ، وطابعه المتميز ، البديل عن الحياة السياسية الديمقراطية، والسماح لمؤسسات المجتمع المدني والنقابات المهنية والاحزاب السياسية ، وحتى تلك التي تتمظهر بالديمقراطية ، تعمل جاهدة على اختراق كل المؤسسات المدنية ، وتجعل من الموافقات الامنية القول الفصل في علاقات السلطة مع الجماهير ، ولا تترك شاردة ولا واردة لخيارات الناس، الا اذا كانت منسجمة مع رغباتها ، وفي الاتجاه الذي يخدم اهدافها .
في هذه الاجواء القاتمة والسوداوية ، فان القمع السياسي بديهي ، في ممارسات السلطات العربية، تحت ذرائع واهية ، في مقدمتها الخوف الامني ، وفي مثل هذه الاجواء ، فان كل برامج ما يطلق عليه بالتنمية السياسية ، مجرد اجترار الفاظ ، لايتم تطبيق أي حرف من حروفها ، وحتى معاني هذه الشعارات ، لايمكن فهمها على لسان المطلوب منهم تطبيقها ، لان هؤلاء جاءوا ايضا بموافقة الجهاز الامني ، وحجم تطابقهم مع الاهداف التي تسعى الاجهزة الامنية على تحقيقها .
الهاجس الامني ليس لان الدولة يتربص بها الاعداء في الداخل والخارج ، ولكن لان ثقافة الديمقراطية مازالت غريبة عن نظامنا العربي الرسمي ، وحتى لو افترضنا ان النظام السياسي يخاف من الاعداء خارج الحدود ، فهل القمع السياسي لمواطنيه يساعده على مواجهة مخططات الاعداء المتربصين في الخارج ، ام ان العكس هو الصحيح ، بمعنى ان الاعداء الخارجيين لا يردعهم الا وقفة المواطنين في الداخل ، فاذا كان هؤلاء المواطنين بمثابة عبيد ، فهل هم قادرون على ان يمارسوا دور الاحرار ، الذين يهبّوا لمواجهة اعداء الوطن والنظام السياسي .
العبيد لن يكون في مقدورهم ان يمارسوا دور الاحرار ، والدفاع عن الاوطان لا يقوم به الا الاحرار، والخوف الامني لا يتأتى الا من مجتمع محروم من حقوقه ، والبديل هو اعطاء الناس كامل هذه الحقوق ، والسماح لجميع مؤسسات المجتمع المدني ، من احزاب ونقابات وجمعيات ونوادي ان تمارس دورها ، في ظل الدستور والقانون ، الذي يطبّق على الجميع بموضوعية وشفافية ، وليس القمع السياسي من يوفر الامن والحماية للنظام السياسي .
نظامنا العربي الرسمي مأزوم بارادته ، من خلال هيمنة الاجهزة الامنية القمعية على مجريات حياة المواطن ، والتي تؤدي الى القمع السياسي ، الذي هو أسوأ وظيفة يقوم بها نظام سياسي ، تنعكس سلبا عليه ، وعلى الوطن والمواطنين ، وبالتالي تشل حركته ، وتجلب له الرعب والخوف الذي يعيش في داخله ، وتقف في طريق حركة المجتمع وتطوره ، حتى تصل ارواح الناس الى حلوقها، فتنفجر في نفسها ، وفي النظام نفسه ، فتظهر عمليات الارهاب ، التي تحصد الاخضر واليابس ، ولا تميّز بين المواطن المسؤول والمواطن العادي ، فتأتي على الوطن والمواطنين ، وعلى النظام نفسه ، وعندها يكون الجميع تحت هيمنة الرعب والخوف ، ويتساوى المواطن المقموع مع ادوات القمع والاهاب الرسمية .
ان المجتمعات الحرة ، والتي تملك ارادتها ، قادرة على التطور ، واحداث التغيير المنشود ، بالوسائل والطرق السلمية المشروعة ، اما المجتمعات المقموعة ، كما في وطننا العربي ، والتي تعيش تحت هاجس الخوف الامني، وتحرم من حقوقها المدنية والدستورية ، لن يكون في مقدورها التقدم ولو بخطوة واحدة الى الامام ، لا بل هي في طريقها لتدمير ذاتها ، وتدميرالنظام السياسي وادواته القمعية .
اننا ونحن في بدايات القرن الثالث مطالبون ان نحقق مجتمع " مواطنون لا رعايا " لان المواطنين الذين يملكون ارادتهم وكامل حقوقهم ، قادرون ان يكونوا سدا مانعا في وجه الرياح العاتية ، التي تهب على الوطن ، اما الرعايا فهم بمثابة عبيد ، فقدوا الارادة والايمان ، في ان يمارسوا الدور الا من خلال الاوامر والتعليمات .