غياب المشروع العربي وتحديات الحاضر والمستقبل
بقلم: اسماعيل أبو البندورة
شبكة النهى*
في الوقت الذي أصبحنا نرى فيه ظهور مشاريع استعمارية عالمية ومشاريع إقليمية متعددة وأصبحنا نرى ونعرف المعادلات السياسية التي بنيت عليها ومنطلقاتها وغاياتها وآثار معظمها على الوطن العربي، إلا أن الوطن العربي يبقى موضوعاً لهذه التحولات وهذه المشاريع وبقي صامتاً ازاء هذه التحولات ان لم نقل ان بعض اطرافه قد اشتركت في هذه المشاريع من منظار أصحابها وغاياتهم ورضوا أن يكونوا أداة تنفيذية لهذه المشاريع في بلادنا، وكان ذلك شكلاً من أشكال الغياب والتراجع وفقدان الوزن والسيادة والماهية والفشل الذريع في قراءة الذات والآخر وقراءة التاريخ والهوية والمستقبل.
ونحن لا نحرّم على الآخرين بناء مشاريع لدولهم وتحقيق مكاسب لهذه الدول وفي الطريقة التي يشاؤون، ولا نعترض على ذلك إلا في الحدود التي تصبح فيها هذه المشاريع موجهة أساساً للهيمنة على بلادنا العربية وتحطيم مشروعنا العربي في الوحدة والنهضة والحرية والاستقلال وبناء الذات، وعندها يكون من واجبنا الوقوف بوجه هذه المشاريع وإفشالها وعدم السماح لها بتحقيق غاياتها والتي تصبح غير شرعية وغير مشروعة في هذه الحالة لا بل تصبح مشروعاً مباشراً للاستعمار والهيمنة والعدوانية والغزو.
ولأن المشاريع التي ظهرت وتظهر تأخذ هذا الطابع وهذه الماهية في منطقتنا أو انها تتخذ من الوطن العربي مجالاً وحقلاً لامتدادها وتنفيذ مصالحها وغاياتها فإن الأمر أصبح يتطلب قراءة جديدة لهذه المشاريع وتحديد غاياتها وتأثيراتها على بلادنا من أجل وضع الخطط اللازمة لمواجهتها وإفشال هذه الغايات التي جاءت بها أو حملتها في طياتها، وأصبح امر بزوغ مشروع عربي في المقابل أحد وسائل مواجهة هذه المشاريع وتأثيراتها ومؤثراتها واستجابة تاريخية عقلانية تؤكد النزعة التحررية للمشروع العربي وخيار الاستقلال ورفض الهيمنة ورغبة الاندغام في قضايا العصر من منظار التكافؤ والتعاون المشترك مع الشعوب والدول على أساس المساواة وبناء المستقبل الحر المشترك.
إن المشاريع التي تمد يدها الآن إلى منطقتنا ووطننا العربي تحمل في ثناياها أهدافاً واضحة في تحقيق التمدد والنفوذ تعطيل أي نزوع عربي نحو الوحدة والنهضة، ولهذا فإننا نراها عدائية في كل الأحوال ومهما تلونت أو طرحت من مقولات وإشكال حول اقترابها من الوطن العربي وهي بالمناسبة لا تطرح اهدافاً شريرة واضحة وإنما تقدّم نفسها على انها تحمل غايات تواصلية وتبادلية وانسانية، فهي تارة تطرح الدمقرطة والإصلاح وانقاذ شعوب بلادنا من الاستباد، وتارة تتذرع بالرابطة الدينية لكي تحوّل اواصر الدين إلى أدوات للاستعمار والاستباحة، ولذلك فإن استجابة البعض لادعاءات هذه المشاريع والقبول بالقشرة التي تغطي ذاتها بها دون الدخول في حوار معها مهد ويمهد لها سبل الاختراق وتحقيق الأهداف، إذ أن من أخطر ما تطرحه هذه المشاريع هو امكانية القبول بها وتحويلها إلى عملية شرعية ومشروعة في إعادة صياغة بلادنا ووطننا العربي.
إن أي قراءة علمية وواقعية للمؤشرات التي يطرحها واقع الدول التي تطرح هذه المشاريع وتريد أن تحقق مصالحها في بلادنا يبين بدون مواربة أن أحد أهم عناصر بناء هذه المشاريع هو وجود فراغ سياسي واجتماعي واقتصادي في الوطن العربي يتيح لهذه الدول الامتداد وملء الفراغ وانتهاب الثروات، لا بل التصارع مع المشاريع الاخرى لتحقيق أعلى المكاسب، وهذا ما نلمسه من خلال السلوك السياسي لهذه الدول والتناقضات التي يطرحها هذا السلوك والخبايا التي تظهر في هذا السلوك.
كما أن معظم المؤشرات تدلل على وجود نزوعات قومية ومعطيات داخلية لهذه الدول تريد أن تحقق ذاتها وتفرض وجودها على الاقليم من خلال تقاسم النفوذ في بلادنا وتعزيز نزعات الهيمنة وبناء صورة الدولة المؤثرة والدولة التي لا بد أن يحسب حسابها في المعادلات الاقليمية والدولية، وهذا ما يظهر جلياً في الحراك السياسي الذي تقوم به هذه الدول على طريق تحقيق مشروعه.
وفي المقابل نرى صورة أخرى لوطننا العربي وهي صورة صادمة في كل الاحوال إذ أن فيها كل مؤشرات الغياب وتحطيم الذات وتهميشها، ونرى دولاً أصبحت في معظمها فاشلة عاجزة في الداخل عن الدفاع عن سيادتها وتحقيق التنمية لشعوبها لا يجمعها جامع ولا تربطها مواثيق مادية أو معنوية وأصبحت مهمتها دراسة هذه المشاريع من زاوية المصالح المباشرة للانظمة ووجودها في السلطة مع تغييب كامل للدور المفترض الذي يجب أن تنهض به لمواجهة هذه المشاريع ذات الطابع الاستعماري الافنائي.
ولذلك نرى بأن فكرة بناء المشروع العربي الذي يمكن أن ينهض في بلادنا لمواجهة هذه المشاريع وتأثيراتها على أمتنا يبدأ من خلال القراءة الصحيحة والعاجلة والداعية لهذه التحولات والانطلاق في اجتراح صيغ جديدة للتعامل مع هذه التحولات وحتى لو كان ذلك في إطار المؤسسات العربية القائمة والعاجزة في المرحلة الراهنة مثل الجامعة العربية القائمة والعاجزة في المرحلة الراهنة مثل الجامعة العربية ومؤسسة القمة إذ انها المؤسسات الوحيدة المتاحة والممكنة لطرح مثل هذه الافكار وليس لأنها المؤسسات المثالية والقادرة على تحقيق أحلام العرب.
عن صحيفة المجد في عيدها الخامس عشر
المجد مشروع ورسالة وموقف ووجهة نظر ومساحة للحوار، وليست صحيفة تقليدية تلهث وراء الاثارة والاخبار المجردة.. فالمجد تصوغ الخبر وتقدم الفكرة معه ولا تتركه نهباً للتأويلات الفاسدة، وهي خلال ذلك تولد افقاً جديداً في الصحافة يكسر النمطية والتخشب الصحفي والفكري، وتبتدع مجالاً وحقلاً فيه من المبدئية العالية واخلاقيات العمل الصحفي ما يمكن ان يشكل مدرسة جديدة في الصحافة والمعلوماتية.
وكانت علاقتنا ككتاب في المجد منذ بزوغها، وبقيت حتى هذه اللحظة تنمو وتتطور وفق هذا العنوان واخلاصاً له، ولذلك وجدنا انفسنا في علاقة خاصة وحميمة معها منذ البداية وحتى يقضي الله امراً كان مفعول.
وتغص في الحلق كلمات رئيس التحرير في العدد السابق وهو يداري غضبه وأساه الشخصي والصحفي ويزف لنا بعض اخبار الانطفاء، ولكن بفائض من التحدي والعناد الذي لم تشهد له الصحف مثيلاً وكأن لسان حاله يقول اذا كان انطفاء وموتاً فليكن وقوفاً، وسيف الحق والعروبة مشرعاً ومتأهباً للآتي.
احتفلنا بالمجد هذه المرة بقليل من التوجس واعلان القصور والا ما الذي كان يمنع ان يحتشد الناس لانقاذ المشروع من العراقيل والمضايقات المادية والمعنوية؟ وما الذي يمنع الآن ان يطرح موضوع المجد على طاولات الحوار باعتباره قضية وطنية من الطراز الاول، والوصول الى نهج يدعم المجد المشروع والرسالة ويبقيها صوتاً مميزاً وعميقاً للافكار الجادة والنبيلة والاصوات الوطنية على اختلاف مشاربها؟
أخونا فهد يعرف حقيقة رأينا ومشاعرنا، ويعرف ان اليد قصيرة والعين بصيرة، ولكننا نوجه معه دعوة جادة وصارخة مفادها لا تقتلوا هذه المشاريع النبيلة.. لا تدعوا صوت الحق ينطفيء.. لا تتركوا الحصان وحيد.. ولا غالب الا الله!!
مجموعة الطليعة بتونس