بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 


 شبكة النهى*

 

وضعتنا الدبلوماسية العربية، ووضعت نفسها بنفسها، أمام خيار واحد أوحد: القبول بما سيعرضه علينا أوباما، أيا كان وكما هو ومن دون زيادة أو نقصان، وتحت طائلة المقامرة بإضاعة آخر فرصة للسلام واسترداد ما تبقى من حقوق فلسطينية وعربية.

فمنذ أن ظفر بالانتخابات ودخل مكتبه البيضاوي، لم تتوقف ماكينات الاعتدال العربي عن التبشير بما يحمله الرجل من نوايا طيبة وأفكار مخلصة، والتنوية بالفرصة التي تبلورت بمجرد ولوجه عتبات البيت الأبيض، والتهويل من مخاطر تبديدها وإضاعتها، والتعويل على كل ما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير، والتقاط كل شاردة وواردة، كل إشارة أو إيماءة تصدر عنه.

لقد وضعنا أنفسنا في خانة من سيستحيل عليه قول "لا" أو حتى إبداء تحفظ على أفكار الرجل، من دون نعرف حتى اللحظة ما الذي سيقوله أو سيصدر عنه، وما إذا كان منسجما مع مصالحنا وملبيا لتطلعاتنا وملتقيا مع الحد الأدنى من حقوقنا.

وتخيّلوا معي المشهد التالي: بعد أن يسستكمل أوباما مشاوراتها مع الأطراف ذات الصلة، يعلن الرجل عن خطته للسلام في الشرق الأوسط، وهي الخطة التي من المرجح، حتى لا نقول من المؤكد، أنها ستقدم المسار الفلسطيني على المسارين السوري واللبناني، بما يفتح الباب أمام البلدين لرفض الخطة أو التحفظ عليها، ومن المرجح حتى لا نقول من المؤكد، أنها ستسقط مبدأ الانسحاب الكامل بما يتيح ترجمة "كتاب الضمانات" الذي منحه من لا يملك لمن لا يستحق، بوش لشارون في أبريل 2004.

ما الذي سنقوله عندها، هل سنقبل بمبادرته مع بعض التحفظات؟....هل نقبلها كما هي؟...هل نرفضها جملة وتفصيلا؟...الأرجح أن مواقفنا حكومات وشعوب وحركات وأحزاب ستتوزع على هذه المحاور الثلاث، وستثير "مبادرة أوباما" انقساما داخليا إضافيا، فلسطينيا وعربيا، تماما مثلما فعلت من قبل مبادرات مماثلة، لم تر النور، ولم يبق منها سوى آثار الانقسامات المترتبة عليها.

يخيّل إلي أن العرب والفلسطينيين الأكثر حماسة لمبادرة أوباما، والأكثر استعجالا لها، هم الأكثر استعدادا لقبولها كما هي، من دون تعديل أو تبديل، هؤلاء وإن أبدوا بعض الحذر والتحفظ حيال المبادرة المنتظرة، فإن ذلك لن يكون إلا من باب ذر الرماد في العيون، ومحاولة تمرير "التنازلات المؤلمة" تدريجيا على الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية.

من الناحية التكتيكة على الأقل، كان ينبغي أن نبقي لأنفسنا مسافة واضحة تفصلنا عن أوباما، حتى ونحن في ذروة الحماس لدفعه لبلورتها وإطلاقها، فنحن نعرف أن للرجل قيودا ومحددات ستؤثر على مواقفه وأفكاره، وستجعل مبادرته أقرب ما تكون إلى صيغة "وثيقة جنيف" أو "ورقة كلينتون" الأمر الذي لا يمكن القول أنه ينسجم مع المبادرة العربية وسيعد – في حال حصوله -  بمثابة تعديل جوهري لها، وتنازل كبير عن واحد من أهم أركانها.

احتفاء بعض العرب بأوباما بلغ حدا سيصعب معه عليهم رفض أطروحاته أو التحفظ عليها، لا سيما وأن الرجل بادر إلى "مجاملة" قادة الاعتدال وأنظمته وطمأنتهم إلى حسن نواياه حيالهم، وهو أطلق الكثير من عبارات التمجيد والتفخيم لأدوارهم الحاسمة في حفظ أمن المنطقة واستقرارها، وأشاد بأدوارهم الريادية في صنع السلام مع إسرائيل، مسقطا الموقف التقليدي للديمقراطيين الداعم لنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

ومقابل هذا التجاهل الأمريكي الفج لمطالب التغيير والإصلاح في هذه المنطقة، سيجد أوباما كل العون والإسناد من بعض أنظمتها، حتى وإن كان ثمن هذا العون والإسناد، رأس الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعه أولا، ورأس إيران وحلفائها تاليا.

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار18