ثرثرة على ضفاف البلقان
بقلم: عريب الرنتاوي / بريشتينا
شبكة النهى*
أنت عربي في بريشتينا؟...إذن عليك أن تنتظر سؤالا واحد حيثما حللت وارتحلت: لماذا لا تعترف الدول العربية باستقلال كوسوفا؟ ... ولأن الوجود العربي نادر في هذه الدولة الأحدث تشكلا في العالم، فإن السؤال يصدمك باستمرار لكأنك أنت المسؤول شخصيا عن ضعف المبادرة العربية وقلة الإحساس بالمسؤولية حيال بلد تجمعنا به الكثير من الروابط والآمال والرهانات المشتركة، ناهيك عن عامل الدين والإرث العثماني. إحداهن قالت لي: كنا نظن أن الاعترافات العربية بالدولة الناشئة ستصدر تباعا عشية اليوم التالي لإعلان الاستقلال، وأصدقك القول – والكلام لها - أننا لم نكن نراهن على أن تكون الدولة الأولى التي تعترف بنا دولة عربية، فهذه المكانة (والخانة) محجوزة لألبانيا، الدولة الشقيقة المجاورة، بيد أننا كنا نظن بأن الدول العربية ستحل تباعا في المراتب التالية، وصولا للمرتبة 23، فلماذا لم يحصل أمر كهذا، سألت محدثتي، وللمرة العاشرة – ربما – أجد نفسي في معمعان الشرح والتوضيح والتفسير. تحظى كوسوفا بعد مرور 17 شهرا على إعلان استقلالها من جانب واحد عن صربيا، باعتراف63 دولة، من بينها خمسة دول عربية فقط، هي الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وجزر القمر أخيرا، ولقد لفت انتباهي في حقيقة الأمر، كم هو عميق الإحساس بالامتنان والتقدير للأردن شعبا وقيادة على اعترافه بهذه الدولة، خصوصا من قبل من كانت لهم صلة مباشرة بنا ومعنا، كالطلاب الذين درسوا في جامعاتنا أو الوفود التي كانت تأتي لزيارتنا، وأنت حيثما تذهب تسمع عبارات التقدير والثناء والاحترام، الأمر الذي سيشجعني عند عودتي لمطالبة دبلوماسيتنا بالانتقال خطوة إضافية، من الاعتراف إلى إقامة العلاقات وتطويرها. لا يوازي ارتياح الكوسوفيين للموقف الأردني، سواء استيائهم من الموقف الفلسطيني حيال قضيتهم الوطنية، فبدل أن تكون فلسطين السائرة على طريق الاستقلال وتقرير المصير، داعم قوي لحرية كوسوفا واستقلالها، وجدنا الرئيس الفلسطيني يندد أثناء زيارة له لبلغراد بمحاولات سلخ مناطق صربية عن الدولة الأم، في إشارة إلى استقلال كوسوفا، وفي خطوة ما زالت تثير هنا مشاعر الاستهجان والاستغراب والتنديد. خيبة أمل الكوسوفيين من الدول العربية، وخصوصا من مصر، كبيرة وعميقة، وهو إحساس لطالما وصلني وحفر جراحا عميقة في داخلي، كلما زرت دولة تحتفظ بعلاقات تاريخية ومشتركات عميقة مع العرب، فالرهانات والتوقعات غالبا ما تكون عالية، فيما الأداء العربي ضعيفا ومفتتا وبائسا. أحدهم تساءل بمرارة: لماذا لا يأتي عمرو موسى لزيارتنا في بريشتينا لتجديد الروابط الأخوية بين بلادنا والبلاد العربية، نحن لا نستطيع أن نصل إلى القاهرة، السلطات لا تعترف بجوازات سفرنا، حتى أن طالبا كوسوفيا واحدا لم يستطع الالتحاق بالأزهر للدراسة لهذا السبب. أجبت: عمرو موسى لم يزر غزة الواقعة على مرمى حجر من مقر جامعته العربية، فما الذي يدفعك للاعتقاد بأنه سيتجشم عناء قطع كل هذه المسافات لزيارة كوسوفا....لا تفكروا بالعرب ككتلة أو نظام أو جامعة، فكروا بالعرب كـ"22 دولة" بـ"22 موقف" وأحيانا بـ"32" موقف لأن كثير من الدول العربية تتعدد مواقفها بتعدد طوائفها ومكوناتها، ومن أراد اعتراف العرب ودعمهم، عليه أن يواصل التجوال في براري الطوئف والمذاهب، وصحراء "اللا نظام" العربي. خجلت أن أجيب على أسئلة الكوسوفيين الملحاحة في طلب الاعتراف العربي، وكدت أقول لهم، لو لم تأخذني العزة بالإثم: وما القيمة المضافة التي سيضيفها الاعتراف العربي بدولتكم، ولماذا كل هذه التعلق بدول تغرق في بحور مشاكلها يوما إثر آخر، وتتحول إلى أعباء ثقيلة على شعوبها وأصدقائها على حد سواء، خجلت أن أقول لهم بأن لدينا "سياحتان" إلى مثل هذه الدول الفقيرة التي تجهد في إعادة بناء وترميم نفسها: سياحة علاجية من أمراض الكبت الجنسي، وسياحة دينية لتيارات تبليغية وجهادية وسلفية، وفي ظني أنكم لستم بحاجة لكلا النمطين على الإطلاق. في مسعى مني لتفسير - ليس تبرير - تلكوء العرب ومماطلتهم بالاعتراف بكوسوفا، ذكرت جملة عوامل من بينها وأهمها: (1) كثير من الدول العربية غارق في بحر مشاكله وانقساماته الداخلية، وهي في ظني لا يجد المتسع من الوقت للتفكير بما هو خارج هذا الإطار....(2) كثير من الدول العربية لديه مشكلة أقليات ونزعات انفصالية، وهو يخشى أن يؤسس اعتراف بكوسوفا إلى اعتراف دول أخرى بالانفصاليين لديه...(3) بعض الدول العربية لديه شبكة علاقات تجارية ونفطية و"غازية" وتسليحية مع روسيا تمنعه من الإقدام على خطوة من هذا النوع قد تغضب الدب الروسي، وبعض الدول العربية ما زال يعتقد بأن يوغسلافيا ما زالت على قيد الحياة، وأن صربيا هي حاملة إرث الزعيم تيتو وراية عدم الانحياز، مع أن الاعتراف العربي بكوسوفا لا ينبغي أن يكون أو يفهم منه، أنه موقف عدائي لروسيا وصربيا أو أنه انحياز لشعب بلقاني ضد شعب آخر...(4) بعض الدول العربية تشكو ترهلا وشيخوخة و"عدم عقلانية" في آليات صنع القرار ومؤسساته، ما يجعلها خارج إيقاع العصر وروحه الوثّابة. كوسوفا دولة أوروبية، غالبية سكانها "مليونان ونصف المليون تقريبا" من المسلمين، تتوفر على فرص هائلة للاستثمار في شتى الميادين، ذاقت الأمرين منذ انهيار العصر العثماني، تحظى باعتراف الولايات المتحدة و22 دولة أوروبية، تصنف نفسها على الأقل دولة "شقيقة" للعرب، بيد أن الخذلان العربي لها، يجعل بعض سياسييها ونخبها يفكرون بانتهاج سياسة مختلفة، تضع الفضاء العربي في مواجهة مع الفضاء الأوروبي للدولة الناشئة ويطالبون بالتخلي عن الأول لصالح الثاني، وهو تيار تدعمه قوى واتجاهات دولية معروفة بمواقفها غير الودية حيال العرب، الأمر الذي يحتم علينا قرع النواقيس قبل فوات الأوان.
31 - 07 - 2009
إلى صفحة مشاركات الزوار19