الانتخابات العراقية بين أهمية مقاطعتها والمشاركة فيها

 

 

  بقلم :عراق المطيري

 

 شبكة النهى*

 

 

       بعيدا عن ما يطرح من مشاريع المصالحة وعودة هذا الطرف أو إقصاء ذاك إلى هرم السلطة وعن الديمقراطية الأمريكية وإستحقاقات تفعيلها أو إبطالها وبعيدا عن إرادة المحتل الأمريكي أو الفارسي أو من تحالف معهما ومصالح عملائهم لازال الجدل يتصاعد بين المثقفين والوطنيين وأصحاب الفكر المقاوم العراقيين الصميمين غير المندسين حول الاشتراك في الانتخابات التي تعتزم حكومة الاحتلال إجراءها بين المؤيد للمشاركة فيها والمعارض , وللخوض في هذا الموضوع ينبغي لنا أن نضع في حساباتنا مقدما وفوق أي اعتبار انه لا يمكن في حال من الأحوال الاعتراف بحكومة الاحتلال وما أسست وشرعت من قوانين لان ذلك يعني بالنتيجة النهائية الاعتراف بالاحتلال ومنحه شرعية في الإجراءات التي يقوم بها والبقاء على رأس هرم السلطة , وذلك لا يعني سوى خرق للعهود التي قطعتها المقاومة على نفسها وتجاوز وهدر لحقوق ملايين الشهداء والجرحى العراقيين الذين سالت دماءهم الطاهرة  تروي تربة العراق الحرة وتجاهل لحقوق الملايين الذين تشردوا نتيجة الغزو الأمريكي الباطل للقطر وهو تجني حتى على من وقف مع المقاومة الباسلة وساندها عربيا وعالميا وهو التنصل عن ثقة الشعب العراقي بها ولكن في نفس الوقت ينبغي الوقوف عند تجربتنا خلال فترة ما يقرب السبع سنوات من عمر الاحتلال ولكي لا نغفل جانب مهم من جوانب المقاومة العسكرية وتوفير الدعم والمساندة لها حتى نهاية المشوار بتركيع الغازي ومحاسبة عملائه الذين لا يكتفون عند إذلال شعبنا بكل الوسائل بل بيع العراق أرضا وشعبا بالكامل للأجنبي وإنهاء وجوده إطلاقا .

 

وهنا لابد لنا أولا من التأكيد أن عمليات المقاومة الوطنية لا تستهدف إلا الغازي المحتل ورؤوس العمالة وعملياتها في منأى عن أي مواطن عراقي بل هي تسعى بكل الوسائل إلى حفظ الدماء العراقية والذود عنها وحتى من ظل الطريق وانخرط بسبب الحاجة أو تحت أي تبرير آخر ليخدم المحتل لسبب ما في الفترة الماضية فالجميع يهدف إلى إصلاحه وعودته إلى جادة الصواب أو تحييده في أسوء الاحتمالات بما في ذلك من اضطر للعمل في أجهزة الشرطة أو الجيش الحالي ليأخذ مكانه الطبيعي كمواطن في عملية بناء العراق الجديد بعد تحريره القريب بإذن الله الواحد الأحد .

 

إن عملية الغزو الأمريكي الهمجي تمت بتعاون ومشاركة مع العديد من الدول الغربية ودول المنطقة كما هو معروف لأهداف تشابكت وتقاربت في محصلتها النهائية فكانت دافع لاجتياح القطر قد ولدت صدمة كبيرة لدى الجميع وان كانت القيادة الوطنية قد أعدت لها العدة المناسبة فكانت انطلاقة الصفحة الثانية من المقاومة وتحويل طبيعة المعارك من دفاعية بحتة إلى هجومية وحرب عصابات وما تتطلبه من تكتيكات تفرضها المرحلة , إلا أنها ولدت ردود أفعال كبيرة ومتباينة بشكل غريب على المستويين المحلي والإقليمي بل يتعدى ذلك إلى جميع أنحاء العالم , وما يعنينا في حديثنا هنا مع عدم إغفال ردود الأفعال الإقليمية, ردود الأفعال المحلية حيث هول الهجمة وما خلفته المعارك القاسية والارتفاع الكبير في مستوى الخسائر بشريا وماديا بسبب التفوق الواضح في نوعية الآلة التي استخدمتها قوات الغزو , وما رافق ذلك من دخول أعداد كبيرة وأفواج العملاء من مختلف الانتماءات , إضافة إلى الحرب النفسية الموجهة التي كان يعاني منها شعبنا نتيجة الحصار الظالم لأكثر من ثلاثة عشر عام , تلك العوامل أدت إلى فراغ سياسي استثمرته قوات الاحتلال لصالحها في تشكيل تكتلات استحوذت على السلطة منذ بداية غزوها.

 

إن التكتيك الذي كانت تتطلبه تلك المرحلة كان يحتم الانسحاب من المشاركة بأي شكل من الأشكال فيما أسموه بالعملية السياسية لعدم إفساح المجال لخلط الأوراق ولتكون عملية الفرز بين العملاء والمتعاونين مع المحتل وبين الرافضين للاحتلال  ليس لدى القيادات الوطنية بل بين صفوف بعض الجماهير التي اختلت عندها الموازين ولم توفق في انتهاج الطريق الصحيح لمقاومة الغزو الذي تفنن واجتهد في محاولات اختراق وتذويب المقاومة .

 

تلك الحالة أدت إلى انفراد العملاء الذين وفرت لهم قوات الاحتلال وأجهزة المخابرات الأجنبية المظلة الكافية لحمايتهم والمشورة ومسودات قوانين وتشريعات بكل الاتجاهات تحقق الأهداف الأساسية التي من اجلها قام الاحتلال فأسسوا لدولة بمفاهيم قطرية هشة وضعيفة تفتقر إلى ابسط مقومات البناء الصحيح قائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية تعتمد في قيامها على التبعية المطلقة للأجنبي بعد أن تم تهديم البنى التحتية للدولة العراقية الوطنية وبعد أن سادت شريعة الغاب فقتل وشرد وهجر الملايين من أبناء شعبنا وخصوصا من الكفاءات وذوي المواصفات المتميزة . وهنا لابد من وقفة تأني لمراجعة المسيرة خلال السنوات السبع الماضية وان نحدد ولو بشكل بسيط ملامح العمل للمرحلة القادمة وهي لا تعني بالمطلق التخلي عن بندقية المقاومة لأنها أكثر الحقوق شرعية وإثباتا لكرامتنا :

 

1-  إن التشريعات التي تم التأسيس لها في ظل الاحتلال أدت إلى إبعاد مئات الآلاف من أصحاب المواقف الوطنية بغض النظر عن انتمائهم السياسي وبالتالي إلى تجويع عوائلهم وهم الآن بحاجة إلى معيل لتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة وكثير من هؤلاء قد اضطر إلى بيع ممتلكاتهم من دور وآثاث وأصبحوا الآن لا يمتلكون ما يستطيعون به الصمود وبحاجة إلى من ينفق عليهم وهذا جانب مهم يجب الوقوف عنده .

 

2-  إن انفراد الأحزاب والتكتلات الطائفية في السلطة لازال يساعد مليشياتها على ممارسة مهامها العدوانية ضد أبناء شعبنا والآن أصبح يمنحها شرعية مؤسسات الدولة التي انخرطت بها مما يؤدي إلى تهجير قسري وتشريد وقتل لمزيد من العوائل ولا تجد من يوقفها ويكشفها ويفضح ممارساتها بشكل موثق إلا من خلال جهود فردية مما يعني استمرار مليشياتها في تنفيذ عمليات إجرامية ضد أبناء شعبنا وهذا بحد ذاته عبأ إضافيا يثقل كاهل المواطن الشريف .

 

3-  إن ابتعاد القوى الوطنية عن صناعة القرار يفسح المجال لعملاء المحتل لتشريع المزيد من القوانين المجحفة بحق أبناء شعبنا خصوصا وان معظمها يجري الترتب له وإعداده وإقراره بعيدا عن أجهزة الإعلام لتلافي إثارة غضب الشعب .

 

4-  العراق اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة الملايين من المهجرين وخصوصا من كان منهم خارج القطر خصوصا من عمل المحتل وأذنابه على تهجيرهم من السياسيين والكوادر العلمية والعسكرية  وإعادتهم إلى وظائفهم ليأخذوا دورهم الطبيعي وما يترتب على ذلك وهذا يتطلب تأمين حاجياتهم الأمنية أولا من خلال العودة إلى القوانين الوطنية أو تشريع قوانين جديدة وهذا لا يكن أن يتم إلا من خلال السيطرة على صناعة القرار .

 

 

إن القوى الوطنية بكل انتماءاتها تمتلك التأثير في الشارع المحلي والإقليمي لأنه أصلا امتدادها وقاعدتها وهو معيلها ومن يمنحها القدرة على المطاولة والصمود وهذا بحد ذاته مصدر قلق لسلطة الاحتلال خصوصا والآن العراق لا يحتمل التيار الوطني ونقيضه من يخدم الاحتلال وبمقدورها إفشال لعبة الانتخابات التي يجري الإعداد لها الآن في دهاليز المخابرات الأجنبية وتغيير كل قواعدها من خلال النفاذ إلى سلطة الاحتلال التشريعية والتنفيذية من خلال قوانينهم وتشريعاتهم وبالتالي قلب كل موازين القوى لصالح المقاومة من خلال زج نماذج من العناصر الوطنية المحصنة المعروفة بتاريخها النظيف من التكنوقراط ومن الوجهاء وأصحاب الثقل الاجتماعي والعشائري ودعمهم والولوج بهم إلى الدوائر التشريعية فيكون العمل حينها باتجاه يخدم العمل السياسي  ويعمل على التخلص من القوانين التي سنها المحتل ويمهد السبيل لعملية انتقال السلطة إلى ممثلي الشعب الحقيقيين وخصوصا وان المحتل قاب قوسين أو أدنى من الانهيار ونضمن انجاز إعادة بناء القطر بدل النهب الحاصل الآن في ثرواته والتصدي لسياسة تجويع شعبنا في نفس الوقت الذي نوفر الغطاء المناسب للعمليات القتالية التي ينفذها رجال  المقاومة الشجعان ضد المحتل وأذنابه خصوصا وان المرحلة الماضية أثبتت أن الشعب العراقي لم  يتقبل المشروع الطائفي أو العرقي الذي يمارس منذ الاحتلال لغاية اليوم ويطالب بقيادة وطنية ولنا في مجالس المحافظات نموذجا يمكن الاستفادة من تجربته ومن نتائجها .