|
بسم الله الرحمن الرحيم
وحصد جورج بوش الشوك والمشقة من زيارته
الأخيرة
بقلم : العميد المتقاعد برهان إبراهيم كريم موقع النهى* أدى الرئيس الأمريكي ومرافقيه في إسرائيل على الإيقاع الصهيوني رقص غريب وعجيب. وكانوا يحسبون ألف حساب لكل ما يصدر عنهم من تصرف وسلوك وبسمة وتصريح. فكانوا ضيوفا في غاية الأدب واللباقة والأتكيت والتهذيب, وعشاقا لمضيفيهم من الصغير إلى الكبير. رغم ما أبداه المضيفين من قلة تربية وأدب ووقاحة,وإظهار غضبهم منه, ونقدهم لهم ولإدارتهم,وصراخهم في وجهوهم, وتقطيب وجوههم فيهم, وضجرهم من الرئيس جورج بوش, وسخريتهم من رجولته وفحولته, وعدم احترامهم لشيبته. وأستقبله الإسرائيليين وبعضهم يرتدي الكوفيات واللباس العربي والفلسطيني ليذكروه أن من يرتدي هذا اللباس من الفلسطينيين ومن سيزورهم من العرب هم الإرهابيين أو المتواطئين مع الإرهابيين. ثم أستقبله بيرس بحشد من أطفال إسرائيل ليتسول عليهم, وليفهمه أن أطفالها بحاجة للمساعدات والمستوطنات والمدارس والمصانع والمنشآت, ليحظى كل منهم بمنزل ومقعد دراسي وعمل وعروسة أو عريس, أو عاشق وحبيب. وقال له بصريح العبارة, أنهم من مناطق تدمرها صواريخ القسام وصواريخ حزب الله. ولذلك عليه أن يدفع ويقدم لإسرائيل كل ما تريد. ثم جاء أولمرت ليبلغه بوقاحة, أن ما أتخذه الرئيس جورج بوش من قرارات لإقامة دولتين عربية وفلسطينية خلال ولايته محال ومستحيل. وحتى المفاوضات التي يصر على متابعتها بينه وبين محمود عباس لن يتم التقييد بمواعيدها, ولن تفضي إلى أية نتائج حتى بعد انتهاء ولاية من يليه, وربما صرخ فيه, بأن خارطته للطريق خارطة غير دقيقة وأشبه بخريطة طفل صغير. ثم جاء بنيامين نتنياهو ليرمقه بنظرات يتطاير منها الشرر, فلم يجرؤ حتى أن ينظر في وجهه وهو يسلم عليه. ثم جاءت المغناج تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية, لتعاتبه وتشخط فيه. فراحت تتكلم بلسانه وكأنه غير موجود, أو هي الوصية عليه. وخاصة حين قالت: واشنطن تعتزم الدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها وفي مقدمتهم إسرائيل. فصفق لها, وقال صدقت وأحسنت التعبير. ثم راحت تشد من عزائمه فقالت: العالم سيرتكب خطأ فادحا إذا أعتقد أن إيران لا تشكل خطرا.ثم راحت تملي عليه الكثير بصوتها المنكر أمام الحضور ووسائط الإعلام والصحفيين. فقالت: إسرائيل هي حليفة الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك دول الخليج, والولايات المتحدة الأمريكية تأخذ على عاتقها تعهداتها بجدية. ولم يقصر أحد فيه من جميع من وفدوا لإستقباله أو التسليم عليه, من تسفيهه وتأنيبه ونقده وتجريحه وإهانته والصراخ فيه. ثم أرسلوه لنصب يادفاشيم ليضع الزهور على نصب المحرقة. ووقف كالمخبول دامع العينين وعلى رأسه قلنسوة سوداء يهودية, ليثرثر قائلا: بأن النصب كان بمثابة تذكير له بأن الشر موجود, وأن الناس في مواجهة الإرهاب والشر لا يتخلون عن الرب, وأنه في وجه جرائم ضد البشرية لا يمكن وقف أصحاب الأرواح الشجاعة صغارا وكبارا معا بقوة دفاعا عما يؤمنون. ثم أرسلوه إلى كنيسة التطوبيات المقامة على الجبل المطل على بحيرة طبريا برفقة قسيسين,حيث المكان الذي ألقى فيه السيد المسيح عظة الجبل أو عظة التطويبات. وكان الرئيس جورج بوش طيلة مدة الزيارة كذئب جريح, يسمع الإهانات ويزدردها رغما عنه بملء فيه, ويوافق على كل ما يطلب منه بدون جدل وطول سيرة وجدال, ويتباهى بتحالف بلاده الاستراتيجي مع إسرائيل, ويصرخ معلنا أن كل همه وجود إسرائيل والحفاظ على أمن وقوة إسرائيل, والاقتصاص من أعداء إسرائيل. وربما وقعوه على بعض أوامر وقرارات عمليات قواتهم الإجرامية والإرهابية التي ينفذونها بوتيرة متسارعة خلال زيارته, حتى لا يجرأ أحد بمحاسبة إسرائيل, أو ساسة وضباط وجنود دولة إسرائيل. وأجبروه أن يقيم في فندق الملك داوود , ليذكروه أن البريطانيين حين حاولوا أن يلعبوا بذيلهم عام 1948م , دمروا هذا الفندق على رأس أكثر من مئة جندي بريطاني. وأنه محظور عليه أن ينتقد عدوانهم على غزة الذي سيستمر حتى أثناء زيارته لبعض العواصم العربية , وحتى لأجل غير محدود. وسافر من إسرائيل منهكا على كثرة ما وقعه من تعهدات أمنية وسياسية وعسكرية واقتصادية ومساعدات مالية, بحيث حين صعد على طائرته, كانت جيوبه فارغة, وتعهداته سترهق ميزانية بلاده المرهقة أصلا, فكان يتنهد تنهيدات تزلزل قلوب مرافقيه ووزرائه ومساعديه, وعزائمهم منهارة, ومفاصلهم تصطك من كثرة ما عانوه من إذلال وتحقير. وحين حطت طائراته في رام الله وبعض العواصم العربية راح يرقص بجنون, يدوس المستقبلين والحضور والمتفرجين, وبدون أدنى احترام للمضيفين. مطبقا قول الشاعر: يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل. وليتصور كل منا ضيف ثقيل وغبي ومتغطرس ونمرود يحل عليه ويصبح صاحب البيت! وفي هذه العواصم تحول إلى وحش كاسر, ورئيس سلط اللسان. همه أن يقرر ويأمر ويوعز ويوجه ويعلم ويرشد. وأن يكون لسانه هو الحاضر فقط, أما بقية الحواس فهي في غياب أو رقاد شتوي طويل. وراح يتقمص شخصية نمر كاسر. همه أن يزأر ليرعب ويرهب ويخيف الجميع من مستقبلين وحضور وحلفاء وأصدقاء, ويكشر عن ابتسامة صفراوية يتعمد أن يكشف لهم فيها عن شراسة أنيابه وأضراسه ومخالبه. بحيث لم يكن أمامهم سوى أن يقدموا له الهدايا لعله يهدأ, أو يصطحبوه إلى الصحراء كي لا يشعر بالغربة.أو يطعموه اللحوم والأطايب حتى يشعر بتوازن في دمائه. وليس أمامهم من حيلة سوى أن يرددوا في سرهم : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أمام هذا الضيف الغليظ وثقيل الظل , والذي حرمه الله نعمة العقل والتفكير, بحيث لم يعد يفهم سر تبرمه منه وعدم ترحيبهم بزيارته. في هذه العواصم العربية راح يظهر للعالم قلة أدبه وجبروته ووقاحته بدون سبب أو مبرر. في رام الله جلد محمود عباس وسلطته, واعتبرهم مقصرين في محاربة الإرهاب وفصائل المقاومة الفلسطينية وحركتي الجهاد وحماس. وأنهم يتحملون ما يسيل من دماء الفلسطينيين والإسرائيليين نتيجة تقاعسهم في هذا المجال. وأنهم هم من يتحملون المسئولية وليست إسرائيل.وأن صبره منهم قد قارب على النفاذ, وأن عليهم استئصال كل مقاوم ووطني وشريف من حركة فتح ومنظمة التحرير وأن عليهم أن يأخذوا طلبات إسرائيل وشروطها بمحمل الجد وبعين الاعتبار. وأن لا يجهدوها بحق العودة وحقوق اللاجئين وتقرير المصير, وأن وعوده وخارطته للطريق وأفكاره, إنما هي لانجاز حل خلبي وليست لحل عادل ودائم. وفي الكويت والمنامة وأبو ظبي والقاهرة راح يعوي ويزأر على إيران وسوريا وحزب الله, ويهدد ويتوعد فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق, ولم يوفر أحدا بمن فيهم نوري المالكي ومجالس ما يسمى بالصحوات, فراح يعضهم,وينبههم إلى أنه سيسحب خمسة ألوية من قواته في الربيع القادم, ولذلك عليهم أن يتحملوا خطر إيران إن لم ينضووا معه في حلف ضد إيران. وكأنه يريد عقابهم على رفضهم المشاركة في الحرب على إيران. في الرياض لم يجرأ أن يتفلسف أو يتصرف على راحته كما يشاء, لأنه يعرف بأن خادم الحرمين الذي يهتم بالعروبة والإسلام, ويسعى جاهدا لوحدة الصفين العربي والإسلامي, لا تخدعه تخرصات جورج بوش وتصرفاته الصبيانية. فاكتفى بإعلان دعمه لقوى الأكثرية حكومة فؤاد السنيورة في لبنان, وراح يشدد على أن مبادرة خادم الحرم الشريفين لحل القضية الفلسطينية العربية هي مفتاح الحل, وأعلن تبنيه لمبادرة الجامعة العربية لانتخاب رئيس جديد للبنان. وكل همه أن يرضي المملكة, ويظفر بتوقيع بعض العقود التجارية. و الأسباب الحقيقية لزيارة الرئيس جورج بوش للمنطقة إنما كان كان الهدف منها:
المهم أن الزيارة جاءت في الوقت الضائع. والمستفيد منها إسرائيل حاضرا ومستقبلا, وأضرت بصورة العرب لدى شعوب العالم و الشعب الأميركي الذين ينتقدون الرئيس جورج بوش الذي أستقبل بكل مظاهر الحفاوة والتكريم في بعض العواصم العربية في نفس الوقت الذي تشهد غزة ومدن العراق عدوان آثم وإجرامي تزهق فيه عشرات الأرواح من الشيوخ والأطفال وتثكل النساء وترمل الرجال كل يوم, وتتوسع دائرة اليتم بفعل الإرهاب الصهيوني والأمريكي. ناهيك عما حل بلبنان بفعل العدوان الإسرائيلي الأمريكي الغاشم عام 2006م. إضافة لتركهم له الحبل على الغارب ليورطهم بحروب وعداوات جديدة مع قوى أخرى لا طاقة لهم عليها.ومن يصبر سيكتشف صحة هذا المقال ,وصوابية هذا التحليل. الأحد 20/1/2008م بريد الإلكتروني: burhank45@yahoo.com : bkburhan@maktoob.com : bkriem@gmail.com
|