بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 ولا تزرُ وازرةً وزر أخرى؟

فتعال لنحسب..

 بقلم : علي الصراف

  موقع النهى*

   قدم الكاردينال عمانوئيل دلّي بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق نموذجا ساميا جديدا للمعنى الجليل الذي يمثله رجل الدين؛ معنى يكاد لا يمكن العثور عليه في عراق المليشيات والأحزاب الطائفية؛ معنى يكاد يقول للكثير من رجال "الدين" الآخرين ما لا يمكن قوله، بل وما لا يمكن حتى إجراء مقارنة فيه؛ معنى إنسانيا نبيلا ونقيا وطاهرا إلى آخر حدود النبل والنقاء والطهر.

   في أحلك الظروف، لا في أحلاها، تُختبر القيم والأخلاقيات. وفي أحلك الظروف يعلو الدين ليبدو كدين رسالة سماوية مقدسة. وفي أحلك الظروف ينكشف المعدن النقي ويظهر الأصل النبيل. وفي أحلك الظروف قال الكاردينال دلّي، عقب سلسلة تفجيرات طالت العديد من الكنائس في العراق الأسبوع الماضي "من كل قلبي أنا أسامح كل من قام بهذا العمل الشائن... إذا كان هؤلاء يتصورون أن المسيحيين أعداء لهم، فإن المسيحيين ليسوا كذلك، وإنهم يحبون الجميع". وقال: "لا أعرف من قام بهذا الفعل، لكني أعتقد أنهم نادمون عليه لأنه عمل ضد الله وضد الإنسانية وضد نفسه... وبالتأكيد فان من فعل هذا لا يحب العراق ولا يحب إخوانه كما يجب أن يحبهم. وإن شاء الله يرجع عن رأيه هذا، وسوف يعمل من أجل إعمار العراق، ومن أجل الأخوة والمحبة مع جميع الأطياف".

   هكذا فقط. لا تهديد ولا تنديد، لا توتير ولا تصعيد. بل محبة فقط. ترفعٌ وتسام فوق الجرح فقط. حتى إذا ما كان ذلك كافيا للتعبير عن الدور الأخلاقي لرجل الدين، فان الكاردينال دلّي لم يكتف بأنه رفض توزيع الاتهامات جزافا، لكي لا يصيب بريئا بأذى، ولكي لا تزر وازرة وزر أخرى(!)، فانه هوّن على مرتكبي الجريمة وخفف وطأتها عليهم قائلا: "لم يكن هذا العمل موجها ضد المسيحيين رغم أنه وقع ضدهم فعلا... كانوا يريدون جلب انتباه العالم كله أن لا سلام بعد ولا أمن بعد في العراق". وشدد على أنه يسامح من نفذوا تلك التفجيرات.

   ويتعرض المسيحيون العراقيون لسلسلة اعتداءات منظمة أسفرت عن العديد من الضحايا وعن تخريب عدة كنائس. وتعرض عدد من رجال الدين للخطف والقتل، وأجبرت بعض الكنائس على إنزال الصلبان المرفوعة على مبانيها كما أجبر الكثير من المسيحيين على الفرار من منازلهم بسبب التهديدات التي تعرضوا لها من جانب مليشيات وعصابات نهب واستيلاء مختلفة. وكانت التفجيرات التي وقعت الأحد الماضي طالت ثلاث كنائس في بغداد، ونفذ أحدها بعد ساعتين فقط من صلاة كان يقيمها الكاردينال دلّي نفسه.

   ولكنه، رغم الجرح والألم، وجد في قلبه من الغفران والرحمة ما يشفع به حتى لأولئك "المخطئين" أنفسهم، وأن يضع التسامح والمحبة والتآخي بين أبناء الشعب الواحد فوق الجرح، وفوق الألم.

   ولكن هل تعرف لماذا فعل الكاردينال دلّي ذلك؟

   لأنه رجل دين.

   ولأن قلبه نقي من الخطيئة.

   ولأن إيمانه المخلص والمجرد والعميق بالله يدفعه إلى طلب الرحمة للجميع، بل العطف حتى على المخطئين.

   ولكن، لأنه وطني أيضا. فهو ينظر إلى أبناء هذا البلد كإخوة وكشركاء متساوين. وهو لا يريد لوطنهم أن يخضع للاحتلال. وهو وقف ضد الغزو وانتقد فشل حكومته، إنما ليقول أن هذا البلد يجب أن يعود لأهله ولمواطنيه من جميع المكونات، ليعيشوا به أحرارا وآمنين.

   والدين، في قلب رجل الدين هذا، هو المحبة، وهو القيم السماوية التي يمثلها، وهو الطهر عن الخطيئة، وهو التعايش بين خلق الله بسلام. وهو العطف والرحمة.

   نعرف، من عميق قلوبنا، أن الكاردينال دلّي، لن يكون مسرورا بجلب المقارنات بينه كرجل دين طاهر وجليل، وبين غيره. ولكننا، أمام هذا الجرح البليغ الذي ينزف مئات الأبرياء كل يوم، وأمام الكثير من العذابات التي يتعرض لها الملايين، مضطرون، مضطرون (ونتوسل إليه أن يغفر لنا).

   فهل ثمة حاجة إلى التذكير بما فعله بعض رجال "الدين" (الآخر) عقب حادث التفجير الذي تعرض له مرقد الإمامين في سامراء؟

   وهل ثمة حاجة إلى القول أن الدماء التي سالت، مدرارة وهادرة، ما تزال تسيل من بين أصابعهم بالذات؟

   وهل ثمة حاجة إلى القول أن دين الغوغاء ليس بدين حقا، عندما يعمى عن التمييز بين الحق والباطل، وعندما يأخذ البريء بجريرة المذنب؟

   وهل ثمة حاجة إلى القول أن هدم المساجد وحرقها والتنكيل بالمصلين لا يمت بصلة لأي دين؟

   وهل ثمة حاجة إلى القول أن التعذيب والتمثيل بالجثث وقتل الأبرياء على الهوية "حرام" وفقا لمقاييس أي دين عرفته الخليقة منذ خلقها الله؟

   ولا حاجة للمزيد. فتعال لنحسب ماذا كان يمكن أن يفعله الدين، لو انه كان دينا حقا؛ كم ضحية كان سيوفر، وكم من العذابات والمرارات كان سينجّي، وكم من الدم كان سيحقن.

   لو كان لدى العراقيين ثلاثة رجال دين مثل الكاردينال عمانوئيل دلّي، لكان العراق أصبح جنة من جنات الله على الأرض. ولكن عدا هذا القديس، فمعظم ما لدينا يعصر القلب ويعمق الشرخ ويساهم بالمأساة.

   اليوم، يزداد العراقيون شرفا أن لهم، بين مواطنيهم، رجل دين كهذا الطاهر القديس. ويحق لهم أن يفخروا به، وأن يرفعوا أنوفهم إلى فوق، وأن تدمع عيونهم على الأمل بأن يعثروا بين رجال الدين الآخرين من يساويه سموا ويرتقي إليه نبلا ورحمة. وسيكون العراق لائقا بإرثه لو صلّى المؤمنون (مسلمين ومسيحيين) خلفه أو في جواره.

   بارك الله لنا فيك أيها الأب الكبير نموذجا للرحمة والمحبة و... الدين.

alialsarraf@hotmail.com

 

 

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار8