|
بسم الله الرحمن الرحيم 23/03/1429
"شرق أوسطة" أمريكا اللاتينية:
فشل إمبريالي أمريكي ذريع بقلم : نور الدين عواد هافانا ـ كوبا موقع النهى* فجر الأول من شهر الربيع (مارس) 2008، استيقظ العالم على فاجعة أمريكية الطراز بامتياز، حولت قلب الغابات الاكوادورية الخضراء إلى جحيم لا سابق له إلا جحيم بغداد (قلب العروبة والرجولة) عندما قرر هولاكو "القرن الأمريكي الجديد" صب حمم المجمع الصناعي العسكري على كرامة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، ولعا بالنفط الدموي، وقربانا لإله راس المال المعولم، وتكفيرا عن موبقات هتلر النازية والصهيونية بحق "شعب الله المختار" وتقديسا لدولته "السرمدية" على ارض فلسطين الكنعانية.
ارض تحت سيادة الدولة الاكوادورية، تتعرض لقصف جوي غادر، بقنابل من العيار الأمريكي الثقيل، بدقة متناهية وفرتها اقمار التجسس العسكري الأمريكية، تبعه توغل مروحيات عسكرية متطورة أمريكية الصنع، تقل قوات خاصة كولومبية، اختطفت جثث بعض الضحايا وعادت بها الى بوغوتا.
الذريعة: محاربة الارهاب، اي محاربة الثوار الكولومبيين، "في اي ركن مظلم من العالم" حسب تعبير الامبراطور جورج بوش.
النتيجة العسكرية: تصفية 21 شخصا من بينهم راؤول رييّيس، الرجل الثاني في "القوات المسلحة الثورية الكولومبية، فارك" وهي تنظيم ثوري يمارس حرب المغاوير ضد الانظمة الاوليغارشية الكولومبية المتتالية على السلطة، المدعومة من الامبريالية الامريكية، منذ ستينات القرن العشرين.
النتيجة السياسية والقانونية:
عدوان عسكري على دولة شقيقة ومجاورة ليست في حالة حرب مع كولومبيا؛ وتتعاون معها في حل الاشكاليات الحدودية المشتركة من جراء الصراع الداخلي الكولومبي مثل: النازحين المدنيين؛ الثوار الذين يتوغلون في الاراضي الاكوادورية بسبب ديناميكية الصراع المسلح؛ مكافحة تجارة المخدرات؛ ومكافحة شجيرات الكوكا بمبيدات كولومبية فتكت بالنباتات والحيوانات والبشر على الحدود وداخل الاراضي الاكوادورية؛
انتهاك سيادة ووحدة اراضي دولة عضو في الامم المتحدة وفي "منظمة الدول الامريكية" (التي تذكرنا بجامعة الدول العربية) واندلاع ازمة ثقة اقليمية لا تنذر بخير، والتهديد بتفجير المنطقة في اتون حرب طاحنة لا ولن يستفيد منها الا الامبريالية الامريكية: ربحا صافيا وبكل المقاييس.
الوضع السائد عشية العدوان الامبريالي الاوليغارشي الكولومبي:
لا شك ان المغامرات العسكرية الحربجية الامريكية في "الشرق الاوسط" قد اضعفت من شدة السيطرة والتحكم بشعوب ودول القارة الامريكية اللاتينية (الفناء الخلفي) ووفرت الظروف المؤاتية لمزيد من الثورة والراديكالية، وصعود المشاعر القومية الوحدوية او التكاملية بينها، مما يضعها في موقع افضل وانجع للتصدي للمشروع الامبريالي، الرامي الى الهيمنة عليها سياسيا واقتصاديا وثقافيا من خلال "منطقة التجارة الحرة في الامريكتين، آلكا".
ودون مبالغة، يشكل هذا الهدف الامبريالي الامريكي نصف الواقع الكوني الذي تسعى امريكا الى تجسيده، املا منها في السيطرة على الموارد والثروات المادية والبشرية التي تتيح لها مائة عام من الاستفراد بمصير العالم والبشرية.
ان تركيز معظم الجهود والموارد الامبريالية العالمية في النصف الشرقي من العالم، وبالتحديد في الفضاء المسمى "الشرق الاوسط" بكل اصداراته (الكبير، الجديد، الموسع) نظرا لاهميته الاستراتيجية بالنسبة للنظام الراسمالي العالمي، قد خفف الضغط العالي عن امريكا اللاتينية والكاريبي، واعطى زخما كبيرا للحركات والانظمة الوطنية والقومية والتقدمية والثورية، في تصديها للمؤامرات والمخططات الامبريالية المستندة الى قوى اجتماعية ونظامية مرتبطة عضويا ومصلحيا بالمركز الامبريالي واقتصاده المعولم.
"الشرق الاوسط" يشكل النصف الثاني من الواقع الكوني الذي تتوخى امريكا تحقيقه، خدمة لراس المال المعولم و "حضارة" الهمجية الغربية الممجوجة منذ عهد "بابا الذهب" الى عهد "بابا النفط". هناك الحروب الامبريالية والعودة الى الاستعمار التقليدي وابادة البشر والتطهير العرقي والفتن الطائفية والمذهبية والعشائرية بموجب "الفوضى الخلاقة" وهناك قصف النفس والروح العربية والاسلامية في الصميم بموجب "صدام الحضارات"...وهناك المقاومة وشلالات الدماء التي تذود عن الكرامة الآدمية وعن مصير البشرية جمعاء.
في الآونة الاخيرة، وامام فشل الاستراتيجية الامبريالية المعولمة في تحقيق الاهداف الحقيقية للغزو والاحتلال، والتغيرات المتواترة على العلاقات الدولية ولوحة صراع المصالح القومية، وتنامي نفوذ قوى تقليدية وبزوغ قوى اقليمية جديدة، تعرقل وتحبط المخططات المعادية في منطقتنا، التفتت الادارة الامريكية الى جنوب واشنطن، فماذا رأت؟
* ثورة كوبية اشتراكية، تنهض وتخرج من ازمة التسعينات، وتتجدد استمراريتها سلميا ودستوريا، وتواصل دورها الوطني والقومي والاممي دون حدود، تتعامل ندا بند مع كافة الدول العظمى والصغرى دون ان تقدم اي تنازل مبدئي يمس استقلالها وسيادتها وثوريتها. والاهم من ذلك دون ان تتمكن الامبراطورية الامريكية بجبروتها، ان تؤثر شيئا في مجريات التغيرات او التحولات الداخلية اطلاقا.
* ثورة بوليفرية وطنية وقومية واممية في فنزويلا (بحر نفط مؤمم ) تصل اصداؤها الى عموم القارة؛
* أوغو شافيس فرياس، قائد ثوري دون منازع، يمتد مثاله الى مختلف انحاء القارة (بالافعال قبل الاقوال) ويسطع نجمه كقائد رئيسي للقومية الامريكية اللاتينية المناهضة للامبريالية الامريكية تحديدا؛
* عملية تكامل اقليمي بمبادرة من فنزويلا وشافيس، لبناء الوحدة الامريكية اللاتينية المستندة الى مصالح وتطلعات شعوبها، من خلال المؤسسات والمشاريع المادية الملموسة، والتضحية بالغالي والنفيس في سبيلها: مبادرة آلبا ("البديل البوليفري للامريكتين" للتصدي لآلكا الامريكية)، شركة النفط الكاريبية (تزويد دول الكاريبي بالنفط الفنزويلي باسعار تفضيلية) سوق الجنوب (كتلة اقتصادية تجارية تكاملية)، بنك الجنوب (راسمال مالي اقليمي للاستغناء عن صندوق النقد والبنك العالميين، اداتا الامبريالية في استغلال ونهب بلدان العالم) مجلس امن امريكي لاتيني للحفاظ على الامن والسلام وفض النزاعات بين دول امريكا الجنوبية....الخ
* مجموعة تغيرات اقليمية في عدد من الدول تصب اكثريتها في مجرى تحقيق استقلالية وسيادة امريكا اللاتينية مقابل نزعة الهيمنة والسيطرة الامريكية التاريخية على القارة: فنزويلا، بوليفيا، الاكوادور، نيكاراغوا، البرازيل، الاوروغواي ...
* مبادرة فنزويلية فاعلة من اجل احلال السلام في كولومبيا والقارة، ابتداء بتبادل الافراج عن المختطفين والاسرى لدى "فارك" والثوار الاسرى لدى النظام الكولومبي الموالي لامريكا. وقد تم انجاز خطوات عملية ملموسة على هذا الصعيد، مما اضفى مصداقية اضافية على مصداقية شافيس المعهودة.
لكن ومن قال ان ادارة بوش وايديولوجية المحافظين الجدد تعترف بالآخر، وتريد ثورة واوطان وأمم وسلام في العالم، اللهم الا سلام صمت قبور ضحاياهما؟ الا يقول لسان حالهما "اما ان يكون العالم تحت سيطرتنا واما ان تعمّ الفوضى"؟
فخ أمريكي لاصطياد أكثر من عصفور في آن واحد:
ان التبصر قليلا في هذا المشهد يجعل من السهل علينا التخمين بما تضمره الامبريالية الامريكية للقارة وبما تبتغيه من اهداف جهنمية ميكيافيلية، لا تقيم وزنا للقانون الدولي ولا لابسط اصول وقواعد التعايش السلمي بين الامم، ولا لادنى اعتبار للمفاهيم الحضارية التي طالما تشدق بها الغرب من برجه العاجي في تعاطيه مع شعوب وامم الشرق والجنوب:
اولا: نسف السلام النسبي القائم في القارة (دون تدخل امريكا) والذي لا يخدم المصالح الامريكية في القارة. آخر بؤرة للصراع المسلح الفاعل لا زالت موجودة في كولومبيا، وهنا اصطدم المشروع القومي الامريكي اللاتيني بقيادة شافيس لاحلال السلام الكامل والاستمرار في التكامل والتنمية الشاملة، بالمشروع الامبريالي الرامي الى تسعير ذلك الصراع وتحويل النظام الكولومبي الى "اسرائيل الصهيونية في امريكا اللاتينية".
ثانيا: ترسيخ المفاهيم والممارسات الامبريالية الامريكية من نوع: شرعنة العدوان تحت شعار مكافحة الارهاب؛ الغاء سيادة الدول وسلامة اراضيها؛ الحرب الوقائية؛...الخ ونقل هذه الممارسة من الدول العظمى الى دول اقليمية تابعة ومطية لها، كما هو الحال مع اسرائيل الصهيونية وكولومبيا الاوليغارشية.
ثالثا: اشعال حرب ضروس لا تبقي ولا تذر في القارة الامريكية اللاتينية. ان حربا عدوانية كولومبية على الاكوادور، بغض النظر عن الذريعة والتبرير، حتما ستجر اليها فنزويلا وكوبا وبوليفيا ونيكاراغوا والبرازيل وربما الارجنتين وغيرها...وامريكا بالطبع ...انه الوضع المثالي الذي تصبو اليه واشنطن، وعندها سلام على الثورات والتكامل والامم والاستقلال والسيادة في القارة وحتى اشعار قد لا ياتي ابدا.
رابعا: ربما كانت الادارة الامريكية تفكر بهذا المشهد لكي تجد مبررا مقبولا لسحب قواتها او معظمها من العراق وافغانستان لمواجهة "الخطر الشيوعي" على باب بيتها، بعد ان تترك قوات "حلف شمال الاطلسي" غارقة في المستنقع الشرق اوسطي، فهذه هي احدى مهمات الحلف حسب النظرة الامريكية وبالتالي تتكامل الوظائف الدموية للامبريالية الجماعية في مشرق العالم ومغربه.
هذا هو الفخ الامريكي المحكم في خبثه واهدافه، الا ان الحكمة وبعد النظر لدى القادة الثوريين المخلصين لشعوبهم واممهم كانت كفيلة بابطال اللغم واحباط نواياه، على الاقل حتى الآن.
تطورات وأصداء الحدث :
في معرض تأملاته شبه اليومية، التي تنشرها وسائل الاعلام الكوبية والعالمية، خصص قائد الثورة الكوبية فيديل كاسترو مقالته يوم 3مارس 2008، للرئيس الاكوادوري رافائيل كورّييه وتعرفه عليه قبل عامين ونيف.
وبخصوص العدوان الكولومبي على الاكوادور يقول كاسترو "ارتكبت الامبريالية لتوّها جريمة وحشية في الاكوادور. القت بقنابل فتاكة فجرا على مجموعة من الرجال والنساء النائمين...كانت قنابل امريكية ترشدها الاقمار الاصطناعية الامريكية...بدم بارد لايحق لاحد اطلاقا ان يقتل. اذا ما رضينا بهذا النهج الحربي والهمجي الامبريالي، فان قنابل امريكية ترشدها الاقمار الاصطناعية يمكن ان تتساقط على اية مجموعة من الرجال والنساء الامريكيين اللاتينيين، في ارض اي بلد، سواء كان فيها حرب ام لا... الصمت يحولنا الى متواطئين...اليوم يحيط الخطر بكل شيء...نحن نناصر بحزم، الوحدة بين شعوب ما سمّاه مارتي امريكتنا"[1]
من جهة اخرى، يقول الباحث الاجتماعي الكوستاريكي ماركوس مونتيس، ان الرئيس الكولومبي آلفارو أوريبي [ ممثل الاوليغارشية وتجارة المخدرات وفرق الموت] يعاني من انحطاط في صورته ونجوميته داخل بلاده، وانه يتناغم مع اسرائيل الشرق الاوسط في علاقاتها الحميمية مع الولايات المتحدة الامريكية. ويدلل على ذلك "بعدم ايمان أوريبي بخيار السلام بل بفرض الخيار العسكري، تيمنا بمصالحه الوثيقة مع واشنطن... وبممارسته للابادة الجماعية والمذابح... وانتهاك سيادة البلدان المجاورة...وتبرير الهجمات الوقائية... وعليهن فلا بد من تفادي تحول كولومبيا الى اسرائيل امريكا اللاتينية"[2].
ولمؤازرة تحليل مونتيس نقول بانه قبل اغتيال راؤول رييّيس الكولومبي، لجأت اسرائيل الشرق الاوسط وحلفاؤها الى عملية شبيهة باغتيال القائد اللبناني عماد مغنية على ارض العاصمة السورية دمشق في 12 فبراير 2008. فهل هذا التخطيط والتنفيذ المتماثل مجرد صدفة ام انه يشي بالعقل المدبر والمنفذ في آن واحد؟
امام هذا الحدث الذي هزّ المشهد الدبلوماسي والعسكري في منطقة الانديز، جاءت ردود الفعل على النحو التالي:
فنزويلا:
هددت الحكومة الفنزويلية علنا بالرد عسكريا على كولومبيا اذا ما بدر عنها نفس التصرف ازاء اراضيها ، وتم تحشيد قوات جوية وبرية مؤللة على الحدود المشتركة، واقفال ثلاثة معابر على الحدود البرية مع كولومبيا؛ وتم اقفال السفارتين في كلا البلدين وقطع العلاقات الدبلوماسية وخوض حرب كلامية شديدة الالفاظ بحق الرئيس آلفارو أوريبي. واعلن وزير الخارجية نيقولاس مادورو ان "الصراع الكولومبي يهدد كل المنطقة... كل العالم شجب العدوان الجبان الذي قامت به الحكومة الكولومبية على الشعب الاكوادوري المسالم... فنزويلا تقف مع الاكوادور. وسنكافح في سبيل سيادة اشقائنا في امريكا اللاتينية والكاريبي"[3].
كولومبيا: اعلن الرئيس أوريبي عن نية حكومته مقاضاة الرئيس شافيس امام المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة "رعاية وتمويل القتلة"[4] (اشارة الى فارك) استنادا الى زعمه العثور على رسالة موجهة الى فارك وتتحدث عن تسليمها مبلغ 300 مليون دولار، بموجب رواية الاستخبارات العسكرية الكولومبية الخاضعة الى القوات المسلحة الامريكية، والتي تعترف باستيلائها في الاراضي الاكوادورية على جهاز كمبيوتر (حاسوب آلي) تابع للمغدور به راؤول رييّيس.
وبهذا الخصوص فضح فيديل كاسترو "المخطط الامبريالي الذي يريد ان يفعل بشافيس ما فعلوه بميلوسيفيك في اعقاب حرب كوسوفو الابادية: محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية" ...وشجب كاسترو الدعاية الامبريالية والوليغارشية المحلية التي تحاول المساواة بين هتلر وشافيس مؤكدا ان "الفاشية قتلت عددا لا يحصى من البشر. شافيس لم يقتل قط اي انسان"... واكد انه "لا يجب الاستهانة بخطورة المشكلة التي اختلقتها الحكومة الامريكية"[5].
الاكوادور: ادانة ورفض العدوان العسكري على بلاده. ثم قام الرئيس رافائيل كورّييه بجولة شملت البرازيل، بنما، جمهورية الدومينكان، فنزويلا ونيكاراغوا، بحثا عن دعم حكومات هذه الدول لبلاده التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كولومبيا. واكد "ستعرف الحكومات الامريكية اللاتينية كيف ترص الصفوف لكبح جماح هذه السابقة المشؤومة التي تحاول الحكومة الكولومبية فرضها عليها"[6].
نيكاراغوا: ادانت ورفضت النهج العدواني وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كولومبيا. وتجدر الاشارة الى وجود نزاع بين كولومبيا ونيكاراغوا على الحدود البحرية الخاصة بمناطق صيد الاسماك.
الولايات المتحدة الامريكية:
اعلن الرئيس بوش دعمه الكامل للعملية العسكرية الكولومبية في الاراضي الاكوادورية، آخذا بالحسبان الجهود المشتركة لحكومتيهما الرامية الى تغيير الخارطة السياسية في امريكا اللاتينية والكاريبي. وذكّر أوريبي عبر الهاتف بالتحالف القائم بين امريكا وكولومبيا، وسأله عما بوسعه ان يفعل من اجل مساعدته، في حين اشار السفير الامريكي امام منظمة الدول الامريكية (روبيرت مانساناريس) الى ان حكومته "تدعم جهود حكومة أوريبي دعما كاملا في "مكافحة الارهاب".
كما ان ادارة بوش ستطلب من الكونغرس، ان يصادق في اطار ميزانية 2008، على 600 مليون دولار كحد ادنى لمساعدة كولومبيا في مكافحة المخدرات، في سياق "خطة كولومبيا" التي جعلت القوات الكولومبية اكثر قدرة على الحركة وكفاءة وحداثة في استخباراتها وضاعفت من قدرتها على القتال الجوي.
تجدر الاشارة الى ان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ورئيس هيئة الاركان المشتركة امير البحر مايك مولين وقائد قيادة الجنوب الجنرال جيمس ستافيدريسن قد قاموا مؤخرا بزيارة الى كولومبيا.
ووفقا للكاتب والخبير السياسي الفنزويلي لويس بريتو، توجد "خطة بالباو" التي تدربت قوات حلف شمال الاطلسي بموجبها على تقسيم فنزويلا الى بلدين، بعد اغتيال الرئيس شافيس (افتراضيا). كما اقامت امريكا قواعد عسكرية لها في كورازاو وفي جزيرة أروبه (وهما محميتان هولنديتان قبالة الشاطيء الفنزويلي) ، في حين يقوم الجنرالات الامريكيون بالترويج لاعادة تسيير الاسطول الامريكي الرابع وبرفقة حاملة طائرات نووية في الكاريبي، بغية تخويف وتهديد كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا والارجنتين والكاريبي الشرقي وهي مجموعة الدول التي ترغب في تحقيق التكامل الامريكي اللاتيني.
ومن ناحية اخرى، لم تبد امريكا تعهدها بوقف الاعمال العدوانية ضد الاكوادور، بينما اكد الناطق باسم الخارجية الامريكية توم كيسي، " اننا سنكون ممنونين جدا لو كان العالم "كامل الاوصاف" ولا توجد فيه فارك، وبالتالي لا يتطلب الامر هذاالنوع من العمليات"[7].
منظمة الدول الامريكية:
عقد المجلس الدائم التابع للمنظمة القارية (دول امريكا اللاتينية وامريكا الشمالية) اجتماعا عاجلا يوم 3 مارس 2008، "صادق فيه بالاجماع على قرار بصدد الصراع بين كولومبيا والاكوادور وينص على ان الحكومة الكولومبية انتهكت سيادة وسلامة اراضي الاكوادور ومباديء القانون الدولي"[8] غير ان القرار لم يشتمل على ادانة صريحة، بل برر بضغط امريكي العدوان . ومع ذلك حاولت كولومبيا التملص من الادانة وقدمت اعتذارا خجولا للاكوادور وكأن شيئا لم يكن.
الرئيس الاكوادوري كورّييه قال يوم 6مارس 2008، "ان منظمة الدول الامريكية اذا لم تقم بادانة العدوان على بلاده، فانه يجب القاؤها في مزبلة التاريخ"[9].
"مجموعة ريو"
في 7 مارس 2008، عقدت القمة العشرون لمجموعة ريو في جمهورية الدومينكان بمشاركة رؤساء كل من: الارجنتين، السلفادور، غويانا، المكسيك، نيكاراغوا، بنما، الاكوادور، غولتيمالا، فنزويلا، الدومينكان، الاوروغواي، الباراغواي،البيرو، كولومبيا. وتجدر الاشارة الى ان الرئيس الكولومبي أوريبي كان منبوذا بمحض ارادته ورفض المشاركة في الصورة الجماعية واللقاء التمهيدي للقمة.
وقد سادت القمة في البداية مشادات ومشاحنات لفظية قاسية بين رئسي كولومبيا والاكوادور، ولكن في النهاية ودون حضور ومشاركة امريكا، تم التوصل الى قرار وتعهد جميع الدول الاعضاء بعدم غزو اراضي اي بلد شقيق، والتراجع عن كافة الاجراءات التي اتخذتها الدول المعنية بالنزاع والعودة الى الوضع السابق ليوم الاول من مارس 2008، وبالتالي ابطال مفعول الفخ الامبريالي في تفجير حرب طاحنة بين الاشقاء على الرغم من الخلافات الايديولوجية والتكتيكية العميقة بينهم.
وبعد ذلك صادقت منظمة الدول الامريكية (بما فيها امريكا الامبراطورية) على قرارات قمة مجموعة ريو، في ظل التهديد بتشكيل منظمة اقليمية بديلة عنها. فالمؤكد ان امريكا لا تريد ان "تخرج عن السرب وتنعق نشازا" على الاقل على المدى المنظور.
ولدى الخروج من القمة وتجاوز الازمة الدبلوماسية بين كولومبيا والاكوادور وفنزويلا ونيكاراغوا، قال شافيس "ان المهزوم الكبير الوحيد هو الامبراطورية الامريكية"[10].
اما فيديل كاسترو الذي تابع وقائع القمة عبر بث حي قام به "تلفزيون الجنوب" فقد اعلن عن ارتياحه لالحاق الهزيمة بالمخطط الامريكي "بالضربة القاضية" مؤكدا "... اذ كانت شعوب شقيقة على شفا اندلاع صراعات حربية بينها نتيجة للفتن الامريكية، تم التوصل الى السلام على المدى الفوري، والى وعي اننا لسنا مضطرين الى خوض حروب بين شعوب تتشاطر اواصر اخوية صلبة "[11]
في حين اكد الرئيس الاكوادوري كورّييه ان "امريكا اللاتينية بحاجة الى منظمة الدول الامريكية اللاتينية دون مشاركة الولايات المتحدة الامريكية"[12]، تمشيا مع قرار حكام المنطقة بحل مشاكلهم فيما بينهم. ونبه الى ان بعض الرؤساء في قمة مجموعة ريو اعترفوا بانهم تلقوا مكالمات هاتفية من واشنطن تطالبهم بعدم دعم الاكوادور.
وفي معرض رده على حملة اعلامية امريكية ترمي الى التشهير بالاكوادور، تزعم بوجود علاقات بين عسكريين وشرطة ومسؤولين اكوادوريين مع فارك، قال كورّييه "أئتنا بجنودك يا سيد بوش وليكونوا هم من يموتون على الحدود الجنوبية الكولومبية (حدود مع الاكوادور)...وسوف نرى اذا ما وافق الامريكين ومواطنو الولايات المتحدة على مثل هذه الهمجية، والا اقفل فمك (اخرس) وافهم ماذا يحصل في امريكا اللاتينية".
وتساءل كورّييه " هل يسعون في سبيل زعزعة اركان حكومة وطنية رفضت التورط في "خطة كولومبيا" و تنصيب حكومة عميلة تنصاع لاية اوامر من الخارج؟ هل يسعون في سبيل زعزعة حكومة قالت بوضوح بان عام 2009 سيشهد ازالة القواعد الاجنبية من ارض الوطن؟[13]
في النهاية، تم تحييد الدور التخريبي الاجرامي الامريكي في هذا المشهد الخطير، والتوصل بحكمة بالغة الى سحب الصاعق من المفخخة الامبريالية، وانجاز اتفاق بين الاشقاء الفرقاء، جنب القارة ويلات الحرب الدموية حتى الآن.
لكن وللامانة العلمية لا زال الخطر موجودا، فامريكا لن تتنازل بسهولة عن مصالحها الحيوية في القارة، ولن تصبح ملاكا رحيما و"ستعود ريمة الى عادتها القديمة" بمجرد ان تسمح لها الظروف بذلك، خاصة وانه توجد لها مطايا في القارة الامريكية اللاتينية، توفر لها موطىء قدم وساق، وتقتات من فتات موائدها.
لقد اثبت هذا الحدث الماساوي ان مخططات الامبريالية ليست قدرا لا مرد له، وان الحوار الجدي والثبات على المباديء والحزم السياسي والتوجهات الوحدوية وتغليب المصالح الوطنية والقومية على المصالح الفردية والفئوية كفيلة بالنجاح والخروج من الازمات مهما كانت شدتها.
وفي هذه المناسبة لا يسعني الا ان اعرب عن الارتياح الشديد للطريقة الحكيمة التي تم التعامل بها والحل الصحيح للاشكالية التي وقعت بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة المقاومة الاسلامية حماس في قطاع غزة. الاعتراف بالذنب فضيلة وغفرانه فضيلة اكبر. وليس امام ابناء فلسطين والعروبة الا خيارالوحدة المبدئية والانحياز الى مصالح الوطن والامة، اذا ما اردنا الحرية والاستقلال والسيادة والبقاء. وكما يقول محرر امريكا اللاتينية سيمون بوليفر "لنكن احرارا، وكل ما عدا ذلك لا يهم".
كنعان النشرة الألكترونية Kana’an – The e-Bulletin السنة الثامنة ـ العدد 1473 29 آذار (مارس) 2008
|