|
26/07/1428
هم أرادوا "فوضى خلاقة"، وخلاّقة فلتكن بقلم : علي الصراف عندما توقف دوي الصواريخ والمدافع في 14 أغسطس- آب 2006 في لبنان وفلسطين المحتلة، كان من الواضح ان اسرائيل خسرت بالكامل أول حروبها في المنطقة، بينما حققت مليشيات محدودة العدد والعدة (قياسا بالجيوش العربية الجرارة) أول انتصار كامل للأمة العربية. صحيح ان اسرائيل الحقت دمارا هائلا بلبنان، واستخدمت أسلحة محرمة دوليا بغطاء من الولايات المتحدة وبريطانيا (في عهد رئيس وزرائها السابق توني بلير)، ولكن حتى هذا الدمار نفسه كان جزءا من الهزيمة. فالقوة غير المتناسبة، والتدمير المتعمد للبنية التحتية، والذي شمل كل الجسور والطرقات بين بيروت وجنوب لبنان، وقصف ملاجئ الأطفال والنساء، إنقلب على اسرائيل وحلفائها ليكشف عن الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني كمجمع عسكري يتعمد ارتكاب جرائم ضد المدنيين. في ذلك الوقت صار من الواضح تماما ان اسرائيل ليست سوى ثكنة عسكرية قامت بالأصل على فكرة الترويع وإثارة الذعر، وهي تستمد "استقرارها" من الحاق الخراب والاضطرابات والدمار بكل من حولها. والهزيمة إنما بدأت من هنا. من حقيقة ان كل أعمال الخراب والقتل العشوائية التي ارتكبتها اسرائيل خلال حرب الـ 34 يوما (بين 12 يوليو-تموز و 14 أغسطس-آب العام الماضي) فشلت تماما في ردع المقاومة كما فشلت في هز تماسك الجنوبيين اللبنانيين وتلاحمهم مع حزب الله الذي تصدر هذه المقاومة. الوحش الإسرائيلي لم يعد يخيف أحدا. كانت هذه هي النتيجة الأولى. أما النتيجة الثانية فقد كانت أبعد أثرا، وهي ان المقاومة اللبنانية ألحقت سلسلة من الهزائم الميدانية بـ"الجيش الذي لا يقهر" حتى أصبح جنوده يبكون ويصرخون ويولولون من جراء المفاجآت التي كان عليهم التعرض لها. وكانت معركة بنت جبيل واحدة من أسطع الأمثلة على تلك الهزائم، حيث حوصر العديد من دبابات قوات الغزو في ساحة المدينة لتتلقى ضربات صاروخية من كل حدب وصوب حتى أبيدت بالكامل. ومن هذه المعركة، كان من الواضح ان القوات الاسرائيلية لم تعد قادرة على إقتحام أي بلدة جنوبية لانها كانت ستواجه الجحيم. ولكي يُظهر الإسرائيليون جبنهم الحقيقي، فقد تعمدوا قصف الملاجئ والمدارس وفرق الانقاذ والقوا بمئات الآلاف من القنابل العنقودية التي تستهدف اصطياد المدنيين، وذلك على سبيل التعبير عن الحقد والكراهية لكل ما هو حي في لبنان. حتى انهم تعمدوا، في نوبة الذعر العمياء التي اصابتهم، قصف احدى مقرات القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة. وبطبيعة الحال، فقد سمح التواطؤ الامريكي والبريطاني مع هذه الجرائم بعدم تعرض اسرائيل لأي مساءلة من جانب ذلك الشيء الذي يدعى "مجتمع دولي". ولكن الهزيمة العسكرية لم تكن نهاية المطاف بالنسبة لاسرائيل. فآلاف الصواريخ التي أطلقها حزب الله على العديد من المستوطنات الاسرائيلية، وصولا الى مدينة حيفا، كانت قد هزت الكيان الصهيوني من أساساته. ولئن كان العراق، بقيادة الشهيد صدام حسين، هو الذي أرسى السابقة، وهو الذي وضع سؤال الوجود الصهيوني على مائدة الجدل، فان غزو العراق كان بمثابة "رد" أريد له ان يكون انتقاما شاملا. لقد كان المطلوب من نظرية "الفوضى الخلاقة" ليس ان تهدم الدولة فحسب، بل ان تهدم المجتمع أيضا، وتعيد تركيبه على هيئة كيانات طائفية او عرقية او جهوية متنازعة، فتتحقق للولايات المتحدة وصاية دائمة على المنطقة، وتسعد إسرائيل بكونها "الدولة-الأمة" الوحيدة التي تحظى بالقوة والتماسك. ولكن السحر عاد لينقلب على الساحر بطريقة لم تكن لتخطر ببال أمهات الشياطين. فالمقاومة التي اندلعت من رحم هذه الفوضى عادت لتهدد ليس وجود الاحتلالين الامريكي والاسرائيلي للعراق وفلسطين، بل لتجعل منهما سخرية للعالمين، ولتدفع بالولايات المتحدة، كقوة هيمنة دولية، الى الجحيم. ومثلما ان ورطة "الفوضى الخلاقة" كانت تتطلب وجودا عسكريا مباشرا لقوة الهيمنة والعدوان، فان المقاومة ما كانت لتكون "خلاقة" من دون تمريغ أنف ذلك الوجود بالوحل. ومثلما حاولت الولايات المتحدة قلب إعتداءات 11 سبتمبر 2001 "من مأزق الى فرصة"، فقد إنقلب الغزو بالنسبة لتيارات المقاومة من "مأزق الى فرصة" أيضا. المسألة بالنسبة لضربات المقاومة في العراق، لم تكن بالطبع مسألة قتل جنود امريكيين بل مسألة هزيمة لمشروع الهيمنة الامبريالية برمته. كما لم تكن المسألة بالنسبة لصواريخ المقاومة اللبنانية مسألة تعريض اسرائيل لخسائر بين المدنيين او تعرض بعض البنايات للهدم، وإنما مسألة هزيمة للعقيدة العسكرية الاسرائيلية، التي تقوم على قاعدة "خوض الحرب على أرض الآخرين" وعلى خدعة "التفوق الشامل" و"الجيش الذي لا يقهر" (لحماية شعب المستوطنين لكي لا يهرب ولا يُذعر، ولكي لا يبدو ان "أرض الميعاد" مجرد مستنقع موت). وحيث ان هذه العقيدة هي حجر الزاوية الرئيسي، ان لم يكن الوحيد، للوجود الصهيوني في فلسطين، فقد كان من شأن هزيمتها ان تعني هزيمةً للوجود الصهيوني كله. وهو الأمر الذي يمثل تهديدا مباشرا ليس للاحتلال الإسرائيلي لهذه القطعة او تلك من الأرض، وانما لمدى جدية المشروع الإسرائيلي كوطن قومي على أرض الآخرين. لقد كانت هذه هي الهزيمة الحقيقة. وهي أول هزيمة شاملة وكيانية تتعرض لها إسرائيل منذ ان تم إختراعها ونصبها في فلسطين عام 1948. وستظل هذه الهزيمة قائمة ما بقيت هناك مقاومة عراقية تهدد باستعادة السابقة، وما بقي حزب الله يحتفظ بأسلحته ويجرؤ على إستخدامها، وما بقيت هناك مقاومة مليشيات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها، بل وما بقيت هناك فوضى سلاح ومسلحين. ومثل كل مرض تتطلب تجربة دواء له عدة إختبارات، فقد ثبت من خلال حرب الـ 34 يوما ان المليشيات المسلحة، بل وحتى فوضى المجموعات المسلحة، المنظمة وغير المنظمة، هي الدواء الشافي لهذا المرض السرطاني الذي يدعى "إسرائيل"، وذلك إذا نجح الدواء في تحويل المقاومة الى عمل ذي طبيعة عسكرية، لا مجرد أعمال صبيانية تستهدف المدنيين (تخسر سلفا المرتفع المعنوي للحرب). وعلى أي حال، فحيال هذه الهزيمة كان على إسرائيل ان تواجه أسئلة مصيرية للمرة الأولى. ولم تكن التحقيقات التي تولتها لجنة فينوغراد، للبحث عن "تقنيات" الخطأ والتقصير، سوى محاولة لذر الرماد في العيون لحجب الأنظار عن القضية الأهم، وهي ان الوجود الإسرائيلي برمته صار موضع قصف وشكوك. لقد اكتشفت اسرائيل للمرة الأولى، بعد هذه الحرب السادسة مع العرب، انها إذا كانت تعيش على نشر الخراب والاضطرابات والفوضى في دول الجوار (على أساس ان كل ضعف لها هو مصدر قوة لإسرائيل)، فان هذا الخراب والاضطراب سيكون هو نفسه سببا لنشوء مقاومة لا تستطيع كل آلة الحرب الإسرائيلية ان تتصدى لها. وسيكون بوسع هذه المقاومة ان تضرب عصب نظرية الوجود الإسرائيلي، حتى وإن كانت لا تفعل سوى هدم جدار هنا، وصنع حفرة صغيرة هناك. أحد أوجه هذه الهزيمة، ان الولايات المتحدة تجد نفسها مجبرة على البقاء في العراق، حتى وان كانت قواتها (ومليشيات عملائها) تتعرض لما يبلغ معدله نحو 170 هجوما كل يوم (حسب أحدث إحصاءات البنتاغون)، وذلك لكي لا تكتمل صورة الهزيمة الإسرائيلية تجاه هذا النوع من أعمال المقاومة. والى حد بعيد، فان هزيمة الولايات المتحدة في العراق هي هزيمة مباشرة لإسرائيل، وضربة على عصب الوجود الصهيوني في المنطقة. ولذلك فان اسرائيل لا تريد للولايات المتحدة ان تخرج من العراق قبل ان تطمئن على "مستبقل" وجودها. لأن إنسحابا "مبكرا" سيعني ان على موشي وشمعون وداني ان ينسحبوا من فلسطين ويعودوا الى أوطانهم الأصلية هم أيضا. أي قوة في العالم تستطيع تحمل 170 هجوما كل يوم، وأكثر من 5000 هجوم في الشهر، وبكلفة تتجاوز ملياري دولار كل أسبوع؟ القوة الوحيدة التي تستطيع تحمل هذا المقدار من الضرب، إما ان تكون حمقاء حماقة مطلقة، أو ان تكون ولايات متحدة مجبرة على دفع الثمن بالنيابة عن صنيعتها إسرائيل. ولكن الولايات المتحدة تعض على جراحها، وتتكبد الخسائر، وتخترع لنفسها مبررات الأمل بـ"تقدم" مزعوم هنا و"إنجاز" إفتراضي هناك، لكي لا تهرب، ولكي لا تترك ربيبتها وحيدةً في مواجهة السؤال المصيري: إذا هُزمت الولايات المتحدة، فما قيمة تلك الخرافة التي تدعى "إسرائيل"؟ ولقد اكتشفت اسرائيل للمرة الأولى أيضا، انها كيان جغرافي هزيل حيال ضربات الصواريخ، وانها، حتى ولو احتلت المزيد من الأراضي العربية، فان مستوطناتها لن تكون بمنأى عن الضربات. ومع تقدم المعرفة بتكنولوجيا الصواريخ، وتوفرها ورخصها وسهولة صنعها فان "أرض اللبن والعسل" لن تكون في الواقع سوى أرض الخوف والانتحار البطئ. أبعد من ذلك، فان الكيان-الثكنة الذي أرسى وجوده على أساس القوة والتفوق، ثبت انه لم يعد قادرا على توفير الحماية لمستوطنيه. وكان هذا هو الفشل الأول الذي هز "قدسية" الجيش الإسرائيلي في أعين كل الذين ظلوا ينظرون الى وجود اسرائيل كمجرد ظل خلف حائط هذا الجيش. وعندما بدا ان تداعيات الانتصار (العراقي واللبناني معا) ترسم منعطفا فعليا في مجرى التاريخ في المنطقة، فقد كان من الطبيعي لاسرائيل ان تبحث عن سبل لتسويفه. وبينما بدأت الولايات المتحدة في البحث عن "مخرج مشرف"، فقد بدأت إسرائيل في البحث عن سبل لضمان "بقاء" مشرف. ولكي لا تعطي الإنطباع بانها تبحث عن السلام تحت وطأة الهزيمة، فانها أظهرت كل ما أمكنها من مؤشرات على انها لا تستعجل استئناف المفاوضات، وانها لا ترغب بعقد مؤتمر دولي "في الظروف الراهنة" (كما قال إيهود أولمرت قبل أقل من أسبوعين). و"الظروف الراهنة" لم تتغير، ولكن ها هي وكيلة اسرائيل لدى الولايات المتحدة كوندليزا رايس تتجول في المنطقة للتوصل الى اتفاق حول سبل عقد المؤتمر الدولي، وها هي اسرائيل تعرب عن عزمها على التفاوض مع ثلث السلطة الفلسطينية (التي يقودها الرئيس محمود عباس) على "القضايا الأساسية" قبل بدء التفاوض حول "حل الدولتين". المأزق الحقيقي الذي سيواجه إسرائيل هو ان سلطة الثلث الفلسطيني (المفضلة) لن يكون بوسعها ان تقدم الكثير من التنازلات في "القضايا الأساسية" (القدس الشرقية، مستوطنات الضفة الغربية، قضية اللاجئين، الربط بين الضفة والقطاع)، أولا، لانها ستفقد كل ما بقي لها من شرعية. وثانيا، لأن حلولا لا تتجاوب مع متطلبات الحد الأدنى لن تكون مقبولة من 99 في المائة من الفلسطينيين. وثالثا، لان تيار المقاومة الفلسطينية سيقوى بدلا من أن يموت. اليوم، تضرب المقاومة العراقية كل ركن من أركان الاحتلال الامريكي، لتضرب من خلاله مبررات الوجود الاسرائيلي نفسه. واليوم يقول السيد حسن نصر الله ان صواريخ المقاومة اللبنانية يمكن ان تصل الى أي نقطة في الكيان الصهيوني. وغدا ستقول المقاومة الفلسطينية ان حربها يمكن ان تطال كل موقع عسكري، وكل منشأة استراتيجية، وكل هدف مشروع من الناحية الأخلاقية، في هذا الكيان الهزيل والمهزوم. لقد خسرت اسرائيل الحرب السادسة، ولكنها بعد عام، تحاول ان تعود لكسبها ببيع خرافات السلام (على المستعدين لشرائها) ليس حبا بالسلام، بل لأنها ترى أفق هزيمتها يقترب. وما لم يكن الهدف من استئناف المفاوضات هو جعل الانتصار الأول هو الانتصار الأخير بالنسبة لنا، فمن المشروع والمبرر طرح السؤال: لماذا الآن؟ لماذا لا ينتظر الفلسطينيون هزيمة الولايات المتحدة في العراق، لكي يروا كم موشي وشمعون وداني سيبقى في فلسطين؟ بل لماذا التفاوض أصلا إذا كانت توجد صواريخ؟ هم أرادوا "فوضى خلاقة"، وخلاّقة فلتكن. بل وكلما زادت المليشيات والجماعات المسلحة، التي تختلف فيما بينها وتتفق على العدو، كلما كان ذلك أفضل. فهكذا، لا يعود هناك من يتفاوض ولا من يقدم التنازلات ولا هم يحزنون. فقط فوضى، الى ان يرحل المعتدون، يائسين ومستنزفين. ولعل هذه هي حكمة التاريخ. ففي الفوضى يكمن العلاج الشافي لكل سرطان احتلال "منظم" و"مرتّب" و"مدروس". وماذا سنخسر أكثر مما خسرناه؟ في الحقيقة، لا شيء تقريبا. ولكنهم سيخسرون الكثير. والفوضى كانت في البدء فوضاهم، ولكن المستنقع مستنقعنا وهم يسبحون (بدمائنا ودمائهم) فيه. وها هم لا يقدرون على البقاء ولا يقدرون على الرحيل. فهل توفرت لنا فرصة "خلاقة" لحرب استنزاف أفضل من هذه من قبل؟ وإذا لم تتوفر، فلماذا يجب ان تضيع؟
alialsarraf@hotmail.com |