09/07/2006

 

رسالة خاصة إلى (القاضي رؤوف) ..

 فليشهد الجميع أنها للتاريخ من أجل إحقاق حق !!

 بقلم : د. عبد الله شمس الحق

 

 اعلم أيها القاضي ... إننا جئناك بعد طول بال وتفكر .. لا لنلتمس منك شيئا .. فالعيب في الإلتماس هنا مع منْ هو مثلك يعتريه عيبان : إن كنت أصيلا يا (قاضي رؤوف) .. وسبق لك وإدعيت إنك (عراقي أصيل) فعيب أن يُلتمس العدل من قاض من قضاة العراق وهو مهد الحضارة والقانون .. الذي ألهم الإنسان على وجه البسيطة مالم يعلم به من معاني القانون .. ليكون له مسلكا في تطور نظم البشرية على مدى الزمان .. أما إن كنت في الإنتماء لأرض السواد مُلتزقا – مغشوشا- وليس أصيلا .. فيكون من العيب – أن يلتمس الأصلاء في الإنتماء لهذا الوطن والشعب من الذين يتبارون دغشا الإنتساب لوادي الرافدين بالإلتزاق .. فيكون عندها حالنا حال مجنون ذو صحة في جسم يطلب السباق هرولة من عرجان ..!! ولكن .. لإننا نأخذ بالمحاسن قبل سوء الظن وهذا من تعاليم القرآن ..ولأننا من تلامذة هذا الرمز الشامخ الذي ( ُتقاضيه) قضاءا وقدرا .. وهو الذي علمنا الصبر والحكمة والبسطة في العلم واللسان والأخذ بحسن الظن قبل السوء بالظن والقول السئ باللسان .. فأتيناك من باب حيث إنك عراقي في الجد والجدود منذ قديم الزمان .. لذا جئناك ناصحين .. والنصح لايرفضه العاقل والعليم .. وهو حقيق خصائل حقيق الإنسان..!! ربما قد تصلح به حالك .. وتستقي من نصحنا عبرة لتواجه به آفة الغدر في هذا الزمان!! أو ربما إنك تصحو من سهو ونسيان .. فيكون مفيدا لك هذا النصح ، كما حال من سهى في صلاة في لحظة شيطان ، ثم إستذكر سهوه فإستعاذ ربه وسجد سجدة السهو ليستغفر الرحمن يا (إبن عبد الرحمن) ..!!

و(عذرا..!) إننا سوف لا نكتفي بنصحك أيها (القاضي رؤوف) بنصح يسير في خطابنا معك ، أوالسهل والصغير، ولا نقتصر به معك في إيجاز . إذ رأينا في إسعافك حاجة تدلنا معك على قرار .. فإما أن تثبت على حسن في السيرة والتاريخ والضمير الحي والوفي أزاء مليكنا وقائد وطننا .. لإن الكلام الناصح مع اللبيب الحافظ والعالم والفقيه والفيلسوف الحقيق إذا ألقي عليه ، أخذه وإستودعه في نفسه وحصن به نفسه وبلغ به نهاية الأمل في الحق المنشود ، كما تُحصن القلاع بالعساكر والمؤون لتكون قلاع حصينة ...!!

وإما أن يُلاحقك الثأر وأنت تسلبنا مليكنا .. وكن يقينا أن هذا يحصل مهما طال بنا أخذ الثأر من زمان...!!

إعلم أيها (القاضي) .. أن من أول خصائص العلماء والفقهاء بما فيهم أهل القضاء .. أن تليق بهم ما يحملون من أسماء .. فأنت (رؤوف عبد الرحمن) !! فكن مثل ماحملت من إسم .. فليس الذهب إسما إنما جوهرا تناسبه الأثمان ..!!

فها نحن نأتيك شيئا فشيئا ، لنطرح لك نُصحنا بكل ثقة وإيمان ... فأستلهم قولنا وأختبر نفسك..!! فإن كان في نفسك حلوا .. فتبين إنك أصيل ومؤمن لكنك سهوت لتفسح في نفسك لغرو الشيطان حكما .. وتناسيت حكم الإيمان ..! وإن كان كلامنا في نفسك مُرا .. فأعلم بالحق اليقين إنه لا يليق بك أن تتولى قضاء ولا يليق بك أي عنوان ..!

بادئ ذي بدء .. حضرتكم أفرطتم فرطا بحق مليكنا وصحبه .. وقضاءنا وحمورابينا وبابلنا ووادينا وجبالنا وسهولنا ومعارفنا وعلومنا وديننا وأقيمانا ومسستم كل جمال القيم في عراقنا .. فأهرستم حتى أبصلتم .. وأعدستم .. وإستبذجتم .. وأفرجتم ودججتم .. وتعصبتم وهزوتم .. وتقدستم وتعصمتم وعصمتم من هو على يمينكم وشمالكم .. وكأن (المدعي العام) آية من القرآن .. وخلطتم خلطا كافرا متزندقا بين قوانين حضارة بلادكم العظيمة وقانون (بريمركم) .. فشققتم أنفسكم نصفان (حاكم وخصم) .. وأنت تتباهى أن لك وفق (قانون بريمر) في التحقيق سلطان .. فظلمتم أربعة شهود بحق مليكنا .. وقولتوهم بالزور زورا .. وكأنكم في العلم والغيب شريك مع الخالق الديان ..!! حتى كان شأنكم شأن (العابرالمغفل) المجازف لنهر في وادي سحيق .. خائفا من خلفه قبح منظر العلجان .. فأطلق قدميه فوق جذعين ممتدين .. الأول ثابت وموثوق من عمل وجهد متقن من إنسان .. والثاني غير ثابت ومهزوز ..عصف به الريح ليسقط تصادفا ليجاور الجذع الأول من نصب محكم لإبرع إنسان .. فأنتشى (العابر) ليتوزع قدميه بين الجذعين .. دون أن يستوثق بالعقل أي من الجذعين له في العبور المجازف له أمان .. فمال الجذع الأول .. فأنشق (العابر) نصفان ..! وهذا هو الإنسان ، حينما يستهوي التعجل .. والعجلة من الشيطان ..! كما هو حال (العابرالمغفل) الذي نسي أن العلوج رغم قبحها لا تضر الإنسان .. ولو إستعمل عقله لأدرك إنها كالحمير حينما تروض لحمل الأثقال خدمة للإنسان .. فأيها ( القاضي) أن العاقل والمدرك يفهم – ليس كل ذو قبح تجب الخوف والهروب والفزع منه... ولا يدع للخوف أن يفقد فيه البصيرة .. أو كيف يوازن بين عقله ليختار الصحيح الأمين من بين الأمور .. كذلك أيها (القاضي بن عبد الرحمن) عليك أن لا تنسى أن لكل شئ في الدنيا وجهان ..!! وجه حق ووجه باطل .. وجه مفيد ووجه مضر.. وجه أصيل ووجه مغشوش .. وجه جميل ووجه قبيح .. و.. و .. و .. وحتى السكين الذي يفيد الطبخ في بيتك .. ما أسهله لقتل أي إنسان ..! فها أنتم سعيتم لإظهار ما في أنفسكم من وجه سوء .. العند والتفرد في رأيكم .. وكأنكم في القانون عبقري السلطان ..!! ولم تدركوا أن القاضي العليم العادل لا ينسى كيف تبارك الله أحسن الخالقين .. ليمنح الأنام - فما وأذنين .. ليسمع ضعف ما يتكلم .. وكي لا يغفل موردا يأتيه من جنبين .. فيكشف له درب الأمان أو قد يكشف له العدل بإنصاف وإيمان ..!!

أيها (القاضي) لا تدعي إنك حازم في القضاء حتى تغتر بنفسك بالحزم .. فهذا هراء.. فالحازم الجد .. أن هو في رأي العلماء - لا يدع فسحة للمشاورة ... وإن كنت متفردا فهذا ليس بقضاء لإن  التفرد لا يصح إلا لعلام الغيوب والعليم بذات الصدور .. فأعلم أن المتفرد تستنكره الخاصة وتحتقره العامة ..!

ويحك ..! أ نسيت يا أيها (القاضي) – إنه كان من عادة القضاة أيام  زمان كما خلفه لنا أجدادنا العظام أن إستوزروا للقضاء بأمر من ملوكهم  شبكوا على رؤوسهم  بأصابع الكفين .. لما في الأمر من صعوبة وثقل في الميزان ... لقد أولى الله في دين (محمد) – ص- القاضي المسؤولية الكبرى .. فقد روي عن (ابن عباس رض) عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أنه  قال : (( من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين ! فقيل: يارسول الله ، وما الذبح ؟ قال : نار جهنم )) ...!! فنحن نرى تحذيراً شديداً في هذا الحديث الشريف لمن يتولى منصب القضاء ، فيجب أن يعلم في نفسه من كفاءة وقدرة علمية وعزيمة وإرادة قوية .. لإحقاق الحق ، وإلاّ ، فالنار موعده ..!! هذا ونحن ندرك أن الرجل المؤمن الشجاع صاحب البأس الشديد لا يعجزه الحمل الثقيل.. وأما الرجل الضعيف وإن  كان غير مطيقا له لإسباب تعود لطاقته .. لكنه رجل لابد وأن يشعر بوزر رجولته .. فلا  يُخجل نفسه .. و لا يستقل بثقل وهي ليس من باب حرفته !! وأعلم أن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة أمر صعب .. وبالغ الشدة.. والانحطاط منه مهينٌ ويسير.. كالحجر الثقيل .. رفعه من الأرض إلى القمة .. عسرٌ عسير.. ومكافحة وإرهاق ، ودحرجته من فوق القمة نحو السفح ليحط في أدنى محطاط أمر هين وليس بالعسير ..!

(عذرا...!) ... لاتستحلي يا (قاضي رؤوف) إننا نخاطبك .. وهذه لك و(لمحكمة المهزلة) دلالة من دلالات الشرعية .. بل ثق وأيقن أن شرعيتك متى ما أصبحت شجاعا شهما وأعلنت إنك مستقيل .. فسوف يشهد لك كل تاريخ العراق والأحرار في الأمم إنك حقا ( قمة القضاة ) فوق جبل الشرعية ..! عليه نحن نخاطبك ولكن لا ننسى في أي زمن أنت ترتضي فيه مقاضاة  مليكنا العزيز .. إذ ويكفيك القول لو كنت ناصحا غافلا - فالقاضي الوطني الأصيل هو الذي لا يُشرك في قضاءه  في زمن يتولى على بلاده الأجنبي وأهل الرذائل والدني .. حيث لا حرمة وسيادة لقانون بلادك ولا أخلاق ولا آداب !! ومن المعروف إن كان للملوك الشجعان فضلٌ في قيام مملكتها .. فإن لقضاة العدل  فضلاً في تخليد حكمة أعظم .. تليق بتاريخ أوطانهم حينما يسقط بين أيدي الغادرين ملوكها الشجعان ..!

فيا (قاضي رؤوف) كيف لك أن ترضى أن تقضي في زمن الدونية والردية  .. ألا ترى الحق مدبراً بكل مكانٍ ، فالخوف والرعب ومغريات الشيطان إنتزع الصدق من صدور الناس ، فأصبح ما كان عزيزاً ذليلا .. { و تجتنب الأسود ورود ماء إذا الكلاب ولغن فيه .. ولحم الضأن تأكله الكلاب } فما كان من خير صار مفقودا .. والشر في كل مكان موجود ... الخير أصبح ذابلاً والشر أصبح ناضراً... والفهم صار شهادات مزورة ودكاترة ومسخرة .. والعقول النابغة صارت نكرة ... والحق تكسر .. والباطل تجبر .. وأهل الخيانة والغدر صاروا( حكام) وأهل الوفى والتضحية صاروا إرهاب ، مفارشهم التراب !! والحكم أصبح بلا سلطة رغم تنوع الحكام .. وأصبح المظلوم يتلحف بالجوع والحرمان من الأمان .. والظالم ينام بين العلوج يتوسد حرير سلطان ..! وكأن حب الوطن صار عدوان .. وغادرهُ يحوز الرضا وصاحب حق مع الخوان .. والشريف وإبن الشريف يقول ( سيدي) لإبن زانية وزان .. الأشرار يطمعون ما في بطن الأرض من كنوز ويحتسبون أن السماء سخرت لهم الصعود .. الأخيار يروون بدمائهم الأرض حبا والجنة خلودا .. أيها (القاضي رؤوف) ألا يفيد تجارب شيبك وعقلك لترى وتعقل .. كيف الدناءة صارت في قصور مكرمةٌ .. وأصبح الكرم في خراب ولحومهم مثرمة ..!  

كيف لك يا (قاضي) أن تبحث عدالة في زمن يذبح الخيرات ويعلف السيئات... والباطل فيه صار من ملذات الدنيا  .. أنسيت يا (قاضي) أحاديث وتوصيات أشرف الخلق فيمن يؤتي القضاء ؟! أن لا يتقلب في عدله في زمن الشرور .. فصاحب الذمة والضمير وفي الحق مؤمن وذو علم بصير .. عليه أن  يحتال لنفسه وللأخيار في مثل هذا الزمن النجاة من أجل الحق .. فعجبا كل العجب ... حينما ننظر إليك وأنت أشيب ..!  تحتال من أجل المحتال .. فأية لذة هذه حقيرة تستهوي نفسك وتنسى الخوف من ربك ..! فهل الشم والذوق والنظر والسمع واللمس هي التي تحدد من هو الإنسان ..؟! كلا يا (سيادة القاضي) هذه كلها كذلك يختص بها سائر الحيوان .. فلا تدع الطفيف المغري منها أن تشغلك فتذهب عنك - الحكمة والعفة والعقل والعدل والإيمان ..! فدونها لست أنت بإنسان ! ولاتخشى ربك الخالق الديان..!

وها إليك بعض مانراهُ فيك .. وأنت ذكرت إنك نشأت في بيت على حب الله والإيمان -:

نحن ألفنا القاضي ما يبرح أن يجلس في مجلسه .. إلا وقال بسم الله الرحمن الرحيم.. ولا يقولها في غير غقها .. وهو يقضي من أجل الباطل ويضفي عليها مثلما تضفي بعدها (بإسم الشعب) .. فأي شعب .. هل الشعب الذي سلبوا في قائدهم حرمة الوطن والإستقرار والأمان وساد الوطن الموت والدمار..! نعم أيها (القاضي) عليك بالحق أن تُكثر ذكر الجليل .. فثقافة القاضي كلنا يعرف (بما يدرس في كليات الشريعة ومعاهد عليا للقضاء) .. ألم تقرأ مافي شريعتنا من محاسن وقيم تعلو علوا وتنورالسماء ..؟! وكيف سبقت كل الدنيا بكل ما تعفر به مغاشش (الدعاية الغربية والأميريكية ووسائلها الدنيئة في الإعلام) حول مسائل(حقوق الإنسان) .. فأين أنت أيها (القاضي) كلما تحدث شاهد دفاع أو من رفاق مليكنا الأسير .. أصبته بجهالة – (لا نريد خطبا دينية وكأننا في مسجد في يوم جمعة) ..! خسئ  قولك هذا أيها (القاضي) .. ألم تسمع نصح الإمام (علي) – كرم الله وجهه – ماذا ينصح قاضيا في عهده ويقول : (هل تعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، قال : فهل أشرفت على مراد الله عزّوجلّ في أمثال القرآن ؟ قال : لا ، قال : إذاً هَلكتْ ، وأهلكت) ...!!

فأي قضاء هذا .. صار مقررا للعدل والإنصاف في زمن الصعاليك .. ليأخذ من الدني للشريف ، و يسترحم الدني كي ينال بقبح من الشريف ... فبربك هل هذا هو علمك في القضاء وإيمانك بقيم السماء .. أن تساوي بين الأخيار والأشرار ... وتطبطب على أكتاف الدني الخؤون لينال من الشجاع والوفي .. فكيف لقاضي يحمل عنوان يتساوى فيه مع منزلة الفقهاء والعلماء أن يدع للصعاليك أن تنال من الملوك حينما تتولى الصعاليك قضاءا وقدرا مقاليد الأمور .. كيف لك أن ترتضي لنفسك أن يستبدل العدل وجهه وفق (عدل) الصعاليك..!!

فلا تكن كما هو ذاك القاضي المنافق الذي حكم على أمر في عهد المؤمنين والشرفاء بعدل ، ولما حضر في عهد الصعاليك حكم في ذات الأمر (بعدل) الصعاليك الجبناء..!

فأنظر يا (قاضي رؤوف) الى ما قاله العلماء -: إذا اجتمع المكروالمكرة في الظلمة على البريء الصحيح ، قد يهلكوه أو يأسروه وإن كانوا بالفطرة ضعفاء وهو قوي .. ولكن هل يصح القول – أن الماكرين والجبناء شجعان وأبطال ؟! بالطبع لا ... فكذلك العدل يبقى عدلا فلا يتبدل مع الكثرة وتبدل الأحوال .. وحيث قال الإمام (علي) – كرم الله وجهه – كما عن (الإمام جعفر الصادق) منقول : لو حكمت في أمر وقضيت كما يحبه الله وفق كتابه وسنة نبيه .. ثم توالت السنون وتغيرت المعيشة وتغير الناس .. وعرض لي الأمر .. فو الله ما قضيت إلا كما قضيت أول مرة .. لإن العدل هو العدل لا يتغير ، كما لا يتغير كتاب الله وسنة نبيه ..!

وعجبا لك أيها (القاضي رؤوف) .. إنك تساير (عدل العلوج والخونة) في أتعس ما حلَ في بلادنا من ظروف ..!

يا (قاضي) حتى الوحل إن صادف البهيمة في طريقها تجتازها بقفزة حتى لو كانت تلك البهيمة ذو لية كالخروف !! وألم تسمع نبينا وسيد الأنام يحذرنا من التشبه بالنصارى واليهود – ( لا تتشبهوا باليهود والنصارى)  وأنت اليوم تقضي بإسمهم وقوانينهم وأهواءهم يا (عبد الرؤوف) ..!

فإعلم أن حفظ السر في الإيمان هو رأس الإلتزام بأدب القرآن وسنة الرسول –ص- ((... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) الحشر7. فإذا كان الإلتزام بأدب القرآن وسنة نبيه عليك ثقيل فتذكرقول الله – ((لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }البقرة286 – وأهون عليك أن لا تتحمل ماهو ليس بوسعك بالإعتذار عن مثل هذا القضاء .. وتحترز من ضياعك .. وقل الحكم لله الواحد القهار.. اللهم إشهد إنني عاجز عجزا قويا .. سأصبو أن لا أتكلم حتى يَملَ من يحيط بي من الخونة والمحتلين التعساء .. كما ملوا (أدب وخلق وإحترام النفس عند القاضي رزكار) فطالبوه بالتنحي .. بل قل أن الرجل رجل فأستقال .. وخرج بتاريخه بما يشرف تاريخ أمته وقيمها ودينها .. رجلا معززا ومنصورا !!

 أما فو الله أنت لا تبدو هكذا .. و(عذراً...!) لك بين هلالين .. لما نرى فيك  وسنخبرك بعد ما فيك من عيوب .. كي لنفسك تكتشف وترى –:

 ضعف في همتك وصغر في جسدك وعجزا  في قوتك .. وسلاطة في لسانك قد تجاوز حدك ..!! حتى إنك أضعف من أن تتحمل  ما ينتظرك من تأديب والتنكيل بك... يوما يأتي ولابد إنه قريب.. وسيأتي لتكون عبرةٌ وموعظةٌ لكل من زاغت وهوت نفسه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت ، أزاء مليكنا وصحبه وشعبنا ووطننا وديننا .. وحمورابينا وبابلنا وآشورنا وكلداننا ..!  إذا إنك مغتر فيما توليت .. وما وسعوا لك من مجالس ..!! فما برحت منذ أن توليت وبعد إن إستوزرك العلوج ( سيدا للقضاء) .. فبدأت تطيل إشارات بأصبعك هنا وهناك والملك يجلس أمامك .. من دون إحترام لذاتك ولشأنك وأنت (عراقي) فصرت عبدا لأسيادك من الفرس والروم ..!! والله لن يرتاح لنا نفسا إلا ونطوف (بلشتك) الصغيرة  في كل زوايا وأطراف البلاد ..! لأن حتى البهيمة قد خصها الله بالفطرة في طبائعها .. تتعرف بما تكتسب به أين الضار من النافع ..!! فكيف يعقل مثلك عليم وقاضي وصاحب عقل ويدعي إنه من بيت تعلم فيه الدين يورد لنفسه مورداً فيه هلكته .. وكيف تسمح يا (قاضي رؤوف) أن نبلغ بك هذه المنزلة ونقول - تتفوق عليك في الوصف (بهيمة) ، التي بفطرتها تتوقى كل ما تصادفها من مكروه – شحذا لحفظ ذاتها وسلامة لنفسها- فتنفر أوتبتعد عنه..! والله كان قد فضلك على البهيمة بالعقل والبصر..! وأنت تعلم أن أقل الناس عذراً هو منْ يتغاضى عن الأفعال الطيبة والحميدة ويرتكب خلافها وهو منْ أبصرها وعرفها .. وميزها .. وعرف فضل بعضها على بعض .. بعلم وبصيرة وأيمان .. !!

أيها (القاضي رؤوف) :

إن كان للملوك الحكماء والشجعان (كقائدنا ومليكنا الأسير) فضلٌ في قيام ممالكها .. كذلك لها الفضل فيما قام فيها من قضاء وقضاة عدل .. من هنا يستوجب لك يا قاضي (رؤوف) الإنحناء لمليكنا العظيم .. لا أن تقاضيه كالخبلاء في أمر مضحك يثير منظرك فيه ، سخرية الجهلاء في زمن الخونة والعملاء ..! فإن إنحنيت لمليكنا.. يليق بك أن ُتخلد في سفر مآثر العظماء ..! وتستحق حقيقا بينهم منزلة الكرماء .. حيث الإنحناءة ليست مذلة و لا خوف .. بل إحترام وتقدير ووفاء بالعهد لمليك شجاع ضحى بولده وأهله وعمره من إجل الشعب والوطن .. و أدار دفة مملكتكم لعقود على خيل مسروجة على سيرة العظماء ..  فعليك اليوم أن تنال ذات عظمة مليكك في صحف التأريخ .. إذ القاضي الحكيم إن سقط مليكه في قدر بين أيدي الرديئة .. تصرف ليس كقاضي إنما كمليك ينوب مليكه بشدة العظماء ..!!

أيها (القاضي بن عبد الرحمن) ....

عُد وراجع التأريخ والنفس .. فأي قاضي سبقك في أن يجترئ على إدخال نفسه في باب مسآلة مليكه .. كان يوما ولي نعمته في التولي والقضاء .. وعُد لحكمة العالم اليوم لماذا – لا يُحاكم قضاة الوطن ملوكهم ..! ويدفعون بهم ما في خارج بلدانهم من قضاء !!

 أوا حقا لا تدري لماذا ؟!

- لإنه لا يصح لموالي أن يقاضي مولاه ..! ولولا أمر السلطان ما تولى قاضيا لقضاء ..! فتابع وأبصر كيف (إلهكم بوش) قد عين قبل حين أعلى ما يحلو له من أعوان في تولي أعلى ما في بلاده من قضاء وأعفى من سبقه ..! وأما إذا دار في خلدك ما يجري في بلاد الروم من محاكمة للسلطان في أمور شخصية.. فأعلم أنها لا تعتلي ما توليت من قضية ومسؤولية .. تخص كل مجد وموجودات وكرامة وتاريخ وحاضر كل العراق .. قضية إرتضيت لنفسك أن تقاضي فيها مليكنا المؤمن الشريف الشجاع الجسور تحت ضلال محتل وخونة وعملاء ..!! وهذا يكفي أن تفهم أن الخطب الذي أنت فيه .. ذو جلل كبير .. وأعلم أن أئمتنا وقادتنا وأعلامنا سبقوا كل من يدعون بحضارة القانون في عالم اليوم المجنون .. فخذ مثلا هذا هو (الإمام علي) - كرم الله وجهه- رضى بقضاء قاض ٍ بينه وبين (يهودي) في أيام خلافته حول (درع يعود له كان فقده في حرب) ثم قضى القاضي لصالح (اليهودي) ورضي ( الإمام) بحكم القضاء ..! ولكن لنفترض - هل يعقل أن ذات القاضي كان يرتضي أن يقاضي – عليا –  على أمر يخص أمر المسلمين والبلاد .. تم تدبيره بمكر وحيلة من قبل الروم واليهود والفرس والخونة والعملاء وغزو البلاد...!! ليجعلوه ضيعة مما لهم من ضِياع ..!

 فأعقل أيها (القاضي رؤوف) .. إنك والله في ضِياع ...

فإرشد يا (قاضي الإحتلال) بنصحنا - أن لزينة الألوان والأشكال المغرية لطعام فاجرٌ خوانٌ غدار- لذة تسبقها حلاوة .. ولكن آخره مرٌ وسمٌ مميتٌ ...!

فلا تكون كالنحلة التي يغريها سلطة الظمأ في شربة لذيذة من مياه تتساقط من شلال عظيم .. فتستلذ شربه .. فتحبسها تلك اللذة إلا وتنال منه .. فإذا إقتربت نال من جنحها الشفيف ذريرات وقطيرات الماء المنهمر في الشلال .. فتسقط وتهلك .. وعندها تلاشت أن تكون بعد أن كانت نحلة .. قد يراها ويستلطفها الناس بين الأزاهير هنا وهناك ..!

وتذكر إن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ حداً .. يستوجب كلا منا أن يقف عليه . ومن تجاوزحدود الأشياء لابد أن أن يلحقه التقصير عن بلوغها...! فمن كان سعيه لأخرته فيحتسب دنياه إمتحان يجتازها ليبلغ ما يسعى إليه .. ومن كان سعيه من أجل دنياه ولا يحتسب للآخرة من لقاء - عبث .. وتولى .. وظلم .. وكذب .. وتصدى للحق .. وكفر وتزندق .. كمن يسعى لحفل موسيقى صاخبة .. فيهوى الرقص فيه من دون حرج ويهز كل ما في جسمه من مفاصل وأجزاء..! فإن كان هو فرحا بمهارة ما يؤتي من هز وحركات .. لكنه ينسى أن هناك الكثيرون لا يجدونه إلا كمعتوه عابث وكل مايؤتيه لا يليق بأصول خليق عاقل إسمه إنسان !!

 

وأوصى الحكماء والفقهاء ومن بين أجدادنا العقلاء – أن على الإنسان العاقل أن يرتقي بثلاثة أشياء في دنياه  ويبذل جهده فيها : منها أمر علمه ومنها فهمه لما بينه وبين الناس من حق يطالبوه به على أساس علمه .. ومنها الذكر الجميل في السمعة والشرف الذي يكتسبه كما يكتسب الشجر طولا من بعد أن كان بذرة .. ليوقن حق علمه وفهمه في رؤوس الناس ليصغوا إليه من دون شك وريبة ..!! فلا تضييع أيها (القاضي بن عبد الرحمن) فيما إرتقيت من مكانة بعد هذا الشيب .. في علوم وواجبات القضاء .. والمحل الصحيح لإقامته والخصم الحقيق لنيل عقابه..! ولا ُتسئ الإستطالة في اللسان .. وتذكر إنك اليوم لا تقاضي ملكا لنفسه ، إنما تقاضي ملكا خدوما قضى زمنا ليكبر معه كل أبناء الشعب ..!

 أيها (القاضي) أن الملك الذي هو أمامك هو ليس ملكا بالتاج كملوك الروم والعجم .. إنما هو ملك تاجه من منازل آبائك وأجدادك من الجبابرة والعظماء الذين تدعي الإنتساب إليهم – إن كنت حقا من وادي الرافدين - الذين أسسوا نظم القانون والسياسة والري والهندسة والفلك والمدرسة والقضاء والإعمار وفنونا وأعاجيب وفلسفة ..! حتى ولدت دولهم كدولة ملك .. حيث يتيه من يرى في هذا الوادي العريق تحديد الإنتساب بين (الملك والشعب) .. فيتسآل - أيهما ينتسب للآخر هل الملك للشعب أم الشعب للملك ..؟! فإن أدرك وتعقل ليفوز بحسن الرأي والنظرة .. عليه أن يدرك أن إنتساب الإثنين قدرا مكتوبا على أهل هذا الوادي وهم رواد الحضارة .. فلا ينفصل أي منهما عن الآخر .. كما ينتمي التوأم في نموهما لذات الأم في الرحم ..!! أو قل كما هو الفارس من الفرس والرصاصة من البندقية ..!! فلا تستعجل أيها (القاضي) قدرك نحوالسوء وبالسوء .. وأفهم أن لطينة ملوك وشعب الرافدين الأصلاء من خواص أرادها الله كذلك في بوابته على الأرض(٭) .. عجيبة وغريبة.. لكنها نقية  شديدة عند البلاء والنخوة في المراس .. وأعلم أن مليكنا (الأسير) الذي تمثلت أنت يا (حضرة القاضي رؤوف) أمامه قدرا وقضاء ..! هو من أحفاد أولئك الملوك الذين شيدوا هذه البلاد على مر الألوف من الأعوام .. وبنوا القلاع والحصون واستجاشوا العدة وإستزادوا السلاح .. ونظموا أقوى قطاعات وصنوف العسكر بين كل ما في العالم من جيوش .. وأعادوا زهو البلاد كلما غزاها الصفر والحمر والفرس المجوس .. وهو الذي كان يربت على أكتاف السواعد المتينة القوية التي تكسر كل ما يمتد نحو الوطن من خبائث الذراع ... !! وعليك أن تقرأ وتتمعن ورود وصفه في ملحمة ( الملك تبع اليماني) قبل أكثر من أربعة ألالاف عام .. وذكره في كتاب ( الجفر الجامع) المنسوب (لعلينا الإمام) .. وصحيفة(محمود الزنكي) في (أنطاكيا) ونبؤات (الأسفار في التوراة والأنجيل) والكهنة والحاخامات والقديسين .. و(نوستر داموس) قبل أكثر من ست مائة عام ..!  

نحن أيها (القاضي) بعد هذا القول .. لا نراك إلا صاحب طالع سئ .. كوكبك سيئ وخبيث الطالع .. وإلا لماذا لا تسأل نفسك .. من أورثك من دون غيرك هذه المنزلة المشينة بعد هذا الشيب ؟!

 فأحذر أن تستعمل النفس دون العقل في إحقاق الحق - (فالنفس أمارة بالسوء) - فكيف لها وهي الآن تحت نشوة العلوج وأباطيل الفرس أن لا تزداد سوءا على سوء..!!

فأحذر..! نحن نخشى يا (قاضي) عليك من مغبة ماتقدم عليه .. قد تنعل نفسك ووالديك !! لإنك على مليكنا .. طغيت وبغيت وعتوت وتعاليت وسوءا قضيت ..!

فأحسن الرجوع بما يستهوي أن يجول به بلسانك تحت خيمة يحيط بها العلوج .. وتسنن لنفسك سنن الخير قد يفيد من يأتي عقبيك ، ويعقبك الذكرالجميل لنفسك وشعبك ووطنك فخره..! وهكذا هو الحق والإستقامة .. يكون ذلك فوزا لك ولمن يخلفك من نسلك في السلامة والحفظ والأمانة...!

عليه يا (قاضي رؤوف) أن تتذكر- أن من عادة الخواص من الناس .. أن يحتقروا إستطالة لسان منْ يتولى قسرا أمرا في شأن ملك عظيم كقضاء وقدر!! حيث لايتاونون أن يملئوا خزائن الكتب لذكره بسخرية .. ووصف لاذع في البشاعه .. واليوم من اليسير أن تملئ تلك الخزائن بالصوت والصورة .. فيُسب ويُطارد بالسخرية حتى بعد موته .. فيحتقره التأريخ وما تؤتي الدنيا من أجيال .. أما عوام الناس فمن عاداتهم - أن يسخروا من أمثال هؤلاء البشر على مدى وطول الزمان حتى يعدون ويحوكون في شأنه أمثالا ونكت شعبية وقصص وحكايات مخزية .. حتى يأبى كل حفيد من نسل أمثال هذا الناس من بعدهم أن يعلنوا أنهم من أصلاب منْ تدور حولهم السخريات ..! لإن من عادات عامة الناس لا يعفون من السخرية  كل من ينتسب الى بيت السخرية ..!!

 وأعلم أن الناس عموما يرون فيك ما لا تراه وتجهل :-

قسمات وتشنجات عضلات وجهك أشبه بشأن منْ يكون في (دارالطهارة) .. يستعصب ويستضغط على عضلات وجهه وفكيه ويقطب حاجبيه ويستبرم بشفتيه حينما تستعصي الخبائث الخروج من بطنه ..!

فإن كنت مستأنسا بذلك فأستأنس قبحا يا(سيادة القاضي ) في محلكم ..! طالما يروق لكم القبح والتقبيح في مثل هذا المكان ..!

أما وبعد .. كلما جاء ذكر(الإحتلال والأميريكان) يشتعل الحمق فيك غضبا .... وكأن من يذكر الإحتلال يسب ويلعن والديك ..! وما يحصل لك من بعد .. هو إنك تظهر تشنجا ثم تمظهرا .. وكأنك تتندر على نفسك كالأهبل المخبول ..! حيث الأهبل المخبول لأمر ما ، تراه على حين غرة يشتاط ويصيح .. وينتفض لينفض الغبارعن ثوبه ليتمظهر.. ويجهل أن الغبار داخل في كل زروف بدنه .. والغبرة تلوث كل شعيرات ومسامات جلدة لحمه ..!!

أما تعففك والتطهر من الإحتلال يا (قاضي رؤوف) مصيبة كبرى .. فشأنك شأن القاضي الذي يحكى عنه كان حسيسا في النظافة  وكان له – سيارة- أيامها(حمار)... فدخل عليه (جاره) فوجده يغسل في (خصي حماره) .. فقال له -: ماذا تفعل أيها القاضي (الجليل) ..؟! فأجابه :- إني أطهره من النجاسة كي أبقى ُطهرا !!

 

أما وأخرى .. فكأنك ترى في البحث عن الخصومة وإحلال الخصم أمامك متعة !! حالك حال القاضي الذي نصبوه (الفرس) حينما غزو وسيطروا يوما على(بغداد) قاضيا وهو غير مؤهل .. فلم يصدق إنه تولى قضاءا ولم يحضره أحد ..! فجاءه رجل منافق من معارفه ليباركه بعد حين .. فقال (القاضي) له ألا عندك ما تشتكي منه .. أجابه الرجل :- نعم .. فقال (القاضي) :- ماهو !! أخبره الرجل إنه كلما نام جاءه فلان وهو جاره ليقتله ..!! فأخبره القاضي المنصوب المنصب على الفور:- هيا إذهب على الفور وإجلبه أمامي كي أنزل فيه أقسى عقاب ..!

اللسان يا (سيدي القاضي) ليس من خشب .. اللسان حسن وأدب .. ومن يلزم السكوت في محله فله فيه سلامةً .. ومن لا يتجنب الكلام الفارغ .. عاقبته الندامة...!!

حكي أن خمسة قضاة ضمهم مجلس ملك .. فقال لهم :- ليتكلم كلٌ منكم بكلام يكون أصلاً للأدب وعدلا في القضاء ... فقال أولهم : أفضل خلة تليق بالقضاء هوعند سلطان يكون منا وينتسب إلينا ومن أهل بيوت المدينة .. يصلح للسياسة .. محلولا من عقدة اللسان .. فقيها في القول .. شديدا إتجاه الباطل .. سنيدا لأهل الحق .. يستذلُ في سبيله حتى أهل بيته .. ويستقل الخاصة والعامة من شعبه في سبيل الوطن..!!

 فأجابه الملك وما هذه إلا سمات ملك ..! فأين خلة القضاء ..؟!

 فأجابه القاضي :- أن خلة القضاء من سمات الملوك ..! فالملك هو المولى والقاضي هو من يعينه الوالي ..! فإن ساء الملك ساء إختيار القضاة وإن حسن الملك حسن إختيار الملك لهم ..! فهكذا تتبعه وتتبعهم خلة القضاء ..! كما تتبع السمكة رأسها ..!  

وقال الثاني :- إن من انفع الأشياء للقاضي أن يعرف قدر منزلته في القضاء من تفقههُ بالحق في دينه .. ثم علمه .. ثم يعاني ويتألم .. ليفضي في كل قضاء بحكمة ويكون أجرهُ الجنة .. ثم أضاف .. لذا قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم - (القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة رجل قضى بغير الحق فعلم ذاك , فذاك في النار, وقاضٍ لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في ا لنار وقاضٍ قضى بالحق فذلك في الجنة ...

وقال الثالث:- إني أرى أن أفضل الأشياء للقاضي ألا يتكلم أكثر مما ينصت حتى لا تأخذه العزة بالتسلط وينتفع بكلمة قد تفيد العدل والإنصاف في قراره وعجبت لقاضي يمتدح عدله وينسى أن الكلمة هي التي تمتلك الإنسان بعد أن تفلت من اللسان وليس العكس .. وأفضل ما يستظل به القاضي هو (أذنيه) ينصت بهما ليفهم لغة الخصوم فيفهم لغة العامة حينما ينصت إليهم ، وإن كان يجيد لغة الخاصة ..

 

 أما الرابع فقال :- أنا لا أخشى إلا القاضي المغتر .. كلما إشتد في إغتراره لغوا إزداد نحو الحق عميا .. فيكون كالرجل الذي تقذى عينه فيعمل على حكها حتى يتسبب في ذهابها .. فالبصير لايرشد إلا للصحيح .. والأعمى يُضل الطريق ..!

وقال الخامس :- أربعةٌ لا ينبغي أن تكون في القاضاة .. الغضب فإنه أشد الأشياء للحق تيها .. الكذب فإنه أشد الأشياء للحق مكرا .. التعنيف في المحاورة فإنه أشد الأشياء للحق سفها ..!! فليس كل قاضي يستحي وصادق وحليم .. فإن كان كذلك فهو على ضلال .. ومن كان على عكس ذلك .. فهو قاضي نزيه ومستقيم ..!

فأعلم أيها (القاضي بن عبد الرحمن) أن للقضاة سورة ، كما للملوك سورة في كتاب الله العزيز – ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) البقرة247 .. أما سورة القضاة – ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}النساء58 ....

وأعلم أن القضاة المؤمنين النافعين هم سند للملوك العظماء ... فإن وجب على الملوك حسن الاختيار للقضاة .. فالواجب على القضاة  تقويم الملوك عند العجز ، وإرشاد الرعية بإظهار الحجة البينة اللازمة .. ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج والخروج عن طاعة الملوك عند حدوث الفتن الشداد ..!

فإرشد أيها (القاضي رؤوف) ليغرينك العلج والخؤون .. إنهما بلغا المجد في حيلتهما و بالخيل والجنود ..!! وتذكر أن من يدخل غابة الأسد لا يأمن وثبته ..! وهذا مليكنا أسد عظيم .. لا تفزعهُ صرخات وقفزات القرود .. فلا تكن بإسم القضاء وكاذبا باسم الشعب مبادرا إليه بسوء ..! فعلو القاضي ليس بتلك المنصة الخشبية التي يجلس عليها كما هي تلك منصتك.. إنما علوهم بالحكمة والعفة والعقل والعدل ..

فالقاضي كالطبيب الذي يجب عليه في صناعته حفظ الناس بالدواء من العلل .. لا يزيدهم شدة وخلل .. فكذلك القاضي في حرفته يحفظ حقوق الناس بالعدل .. لايزيدهم سوءا بحكم باطل وكذب ودجل ..! فعامة الناس ينظرون الى أفعال وأحكام القضاة .. فإن صلحوا .. صلح الناس خشية من عدل القضاة .. وإن فسدوا .. فسد الناس من فساد القضاة ..!

فقد بلغنا ما يلزمنا لك منه البلاغ .. وبرأنا أنفسنا من حجة تلاحقنا .. إنما نبأناك بما فيه صلاحٌ لك ولأهلك ونسلك من بعدك .. وتذكر أن دوام حسن سمعتك بدوام الحسن لمليكك ..  فلا داعي أن نوصيك بإن لا تدع حرفاً مما جئنا به .. إلا وقرأته وتفكرت فيه وتدبرته ..! ونحن واثقون إنك تكره أن تموت ولا يموت من بعدك من لا يبقى على أرض الوطن من لا يقول (لعنة الله على قاضي الاحتلال وآباءه وأحفاده) قضى في زمن أسياده العلوج وتطاول في زمن الكلاب على الأسود .. !!

 

(٭) أن كلمة بابل هي مشتقة من كلمة بابئيل .. وهي تعني بوابة الله على الأرض في اللغات السومرية القديمة .. وليس كما هو الخطأ الشائع أن كلمة بابل مستمدة من بلبل الله ألسنة أهل الأرض..!

 

إلى صفحة مشاركات الزوار2