26/10/2006

 

قراءة بعثية في الصوفية

(
الجزء الأول)

 بقلم : د. عبد الله شمس الحق

ليس من المستغرب أن يستهدف الغرب وأميركا .. زعماء وأتباع الطرق الصوفية والسلفية ومدارسها ومراكزها وكل ما يتعلق بها بعد 11/ أيلول ..! وتستخدم وصف (الإرهاب) بحقها !! وما العراق إلا مركزا مهما بين كل تلك الساحات الصوفية الممتدة في أرجاء مختلفة من أقطار الوطن العربي والإسلامي بل ومصدرا ونبعا من منابع تدفقها .. فلم يُمهله الغازي القديم - بريطانيا - وهو يصاحب الغازي الأميركي الجديد في أن يجعلوا هدفهم الأول والأساس ضرب كل مقومات ومكونات الصوفية العراقية لأنها تمثل مركز جميع الطرائق الصوفية التي انبثقت لتنتشر في عموم الوطن العربي والإسلامي .. وخير شاهد مراقد أئمتها الكبار المنتشرة على أرض العراق المبارك ومدارسها المتنوعة .. وأعلامها من الخلف المتواجدين في أغلب الأحياء والأزقة  العراقية حتى يومنا هذا...!   

خصوصا أن أعداء العراق والأمة وجدوا بعد (الحملة الإيمانية المباركة) في مطلع التسعينات التي قادها الرئيس(صدام حسين) - حفظه الله وفرج أسره – ساعدت على عودة تأصيل للطرق الصوفية بتجديد نموها بين قاعدة عريضة من المجتمع العراقي ، بل أن القائد الملهم (صدام حسين) وبقرار صريح من الحزب طالب كوادره المتقدمة في الحزب - أولا- للانخراط للدراسة في (المعاهد والكليات الإسلامية والعليا منها) كشرط من شروط دوام واستمرار هذه الكوادر في مهامها ومسؤولياتها الحزبية والرسمية .. فما برح مضي سنتين إلا وكانت المكتبات الجامعية تزخر بمئات الدراسات المتخصصة عن الشخصيات التاريخية الإسلامية والصوفية ..!! وكان الكاتب من بين المتابعين والمشرفين على أمثال عشرات من هذه الدراسات المذكورة .. هذا مما ولد شعور مخيف وغير مريح لدى المتربصين بأمتنا من عودة التزاوج بين القومية والإسلام في ساحة المواجهة العربية .. حيث كان أعداء الأمة قد نجحوا في الفصل بينهما على مدى عقود مضت بترويج وتصنيف الأحزاب الثورية العربية على إنها علمانية وإسلامية وهلم جرى من مصطلحات .. وهي في حقيقتها مصطلحات زائفة ووهمية ، لا تنطبق على المكونات الفكرية والحضارية للأحزاب الناتجة من داخل رحم الأمة العربية .. والتي لو أجرينا مسحا لعقائدها وأطروحاتها ومواقفها الفكرية والنضالية ، لوجدنا أنه ليس هناك من حزب يمكنه التخلي عن الإسلام ولا يعتبره كجزء مهم وأساسي من تراثه الفكري والنضالي في سوح المواجهة ..!!

 لذا سرعان ما أحاطت القوات الأميريكية حال دخولها العراق بتلك المناطق المعروفة بنزاعاتها الصوفية والدينية الملتزمة .. ثم بدأت  ترتيب الهجمات المتتالية على مدنها وقصاباتها وقراها دون غيرها من المناطق ..! تارة تحت عنوان إنها مأوى البعثيين القوميين وتارة أخرى تحت عنوان إنها مأوى السلفيين  - الصوفيين - ! وإن دل هذا على شئ يدل حتما على أن العدو نفسه يعرف أن كلا الموصوفان كأعداء له في الساحة العراقية وامتداداتها ، هما حالة واحدة ومن الصعب الفصل بينهما ..!

وتفحصا عاما للتجارب الاحتلالية الغربية/الأوربية على مدى العقود الطويلة الماضية وبالدرجة الأساس (بريطانية وفرنسا وإسبانيا) سوف نكتشف كيف أن هذه التجارب شكلت فائدة كبيرة لتكون المادة الأساسية للتعبئة العقائدية العسكرية والسياسية لديها وثم الأمريكية من بعد .. وفي الحقيقة أن هذه التعبئة القائمة على أساس محاربة الإسلام تحت شعارات ومسميات (الإرهاب) تمتد في جذورها إلى مراحل ما قبل اكتشاف القارة الأميركية نفسها ...!! حينما ذكر مكتشفها المزعوم (كريستوف كولومبس) في رسالة له الى ملكة (إسبانيا- إيزابيلا) التي ساندته في الاكتشاف – ((إنني أعدك بأنني أستخدم كل ما سأكتشفه من ذهب لإعادة بناء الهيكل في القدس)) – وكأنه أراد من أساس رحلته في اكتشاف أمريكا عام ١٤٩٢ أن يشكل البادئ (لسيناريو)مرسوم مسبقا .. يقوم في مراحله على اغتصاب فلسطين- (القدس) من بين يد المسلمين وإعادة بناء (الهيكل) ثم محاربة الإسلام ..!! وها حلت سيطرة اليمين المتطرف (المسيحية الصهيونية) على السلطة في مرحلة متفق عليها سلفا لإتمام مسيرة المراحل التي سبقتها في تسخير القوة الأمريكية العملاقة في مرحلة إنفرادها في الزعامة العالمية ، بما ينسجم مع عقيدتها الدينية والسياسية المتطرفة والتي تلتقي في الجذور والأوجه مع العقيدة الصهيونية العنصرية المتطرفة !! ثم علينا أن لا نسهو أبدا ، أو نغفل ما صاحب تلك التعبئة العقائدية على مديات أزمانها من  تلاقي ثم تزاوج تاريخي مقابل بين (الأفكار الصفوية الحاقدة على العروبة والإسلام معا مع العقيدة الصهيونية واليهودية) .. فنتج عن كل ذلك كل محاولات التشويه لصورة الإسلام والقوى القومية الثورية في آن واحد .. لإنهما وجهان لعملة واحدة .. بدليل أنهم إستخدموا شعارات لهذا التزييف والتشويه ، وصنفوها بطريقتين على مستوى التهيؤ لغزو العراق :- (الاضطهاد والمظلومية الشيعية والكردية) فأحدهما طائفي ديني والآخر قومي عرقي ..!! ولإن لابد لهم أن يبدءوا من العراق لأسباب بات ليس من الضروري تكرارها في سردها للقارئ .. ولكن لا ضير من تذكير القارئ العزيز .. هذا – لكون العراق عاد كما هو العراق على مر التأريخ ليمثل الجامع الحضاري والفكري والقاعدة الأساسية للانطلاق نحو الصحوة القومية والإسلامية في ضمير وإحساس الأمة وأن يكون قلعة التحدي ورمزا لأكبر اللاءات في وجه أعتى القوى الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية .. فوجدت هذه القوى مجتمعة عليها أن - تستهدف بشكل متساوي ومتوازي عروبة وإسلامية العراق في آن واحد منذ الساعات الأولى لغزوها لهذا البلد الأشم .. ثم ليشكل محور انطلاقاتها لضرب الأمة العربية .. وهو يعني كذلك ببساطة ضرب الإسلام ، حيث هي الأمة التي قدر الله لها أن تكون جوهر الإسلام بوصفها الأمة الوسطى  ..! ويكفي نظرة واحدة للإنسان العاقل أن يفهم من هذه الآيات مدى الارتباط العضوي بين العروبة والإسلام :-

يقول اللّه تعالى في سورة يوسف (2) : {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}.

وفي سورة طه (113) : {وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً}.

وفي سورة الزمر (28):{قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون}.

وفي سورة النحل (103) : {وهذا لسان عربي مبين}.

وفي سورة الشعراء (193-195):{ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين}.

وفي سورة الرعد (37) : { وكذلك أنزلناه حكماً عربياً }.

وفي سورة فصلت(3): {كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون}.

ولا يعني هذا إلا أن الله أراد بالخلق القيم عند العرب والنبي العربي إلا رحمة لعباده لإنه هو علام الغيوب والرحمن الرحيم .. ولإن الله يعلم كم هذه الأمة إنسانية في قوميتها ونوازعها البشرية ..! وإلا لماذا يكون الإسلام هو الدين الأوحد بين كل الأديان السماوية في ضرورة التبليغ بلغة منتخبة وحددة ومن دون كل الأديان السماوية السابقة...!! (أفلا يعقلون ..أفلا يتفكرون) أولئك الحمقى السياسيون المعادون لهذه الأمة عن جهل مع سبق الإصرار ؟! ..

نعتقد أن بوسع كل مسلم أن أراد الولوج في العروبة من هذا الباب الواسع الذي فتحه كتاب الله والرسول عليه الصلاة والسلام على مصراعيه ما كان تمنى لنفسه أن يُعادي العرب أبدا وما فاده بعد ذلك الندم إن مات كبدا ..!

فقد روى الحافظ ابن عساكر الدمشقي قال : "جاء قيس بن مطاطية (وهو يهودي) إلى حلقة فيها (سلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي) ، فقال : هؤلاء (الأوس والخزرج) قد قاموا بنصرة هذا- (يعني النبي صلى اللّه عليه وسلم)- فما بال هذا وهذا ؟ (مشيراً إلى غير العرب من الجالسين) . فقام إليه (معاذ بن جبل) - رض- ، فأخذ بتلابيبه وأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم  ليخبرهُ بما جرى . فقام النبي صلى اللّه عليه وسلم غاضبا يجر رداءه حتى أتى إلى المسجد ، ثم نودي الى صلاة جامعة ، فإجتمع الناس فخطب فيهم قائلاً : " يا أيها الناس إن الرب واحد، وإن الدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان ، فمن تكلم بالعربية فهو عربي ".

بذلك أرشد النبي- ص-  بهذه الكلمة إلى حقيقة ارتباط الوعي الإسلامي بفقه ومعرفة اللغة العربية وإحترام هذه الأمة صاحبة هذه اللغة العظيمة .. التي لسانها يكفي للإنتماء بديلا عن كل نسب .. ويشير إلى حقيقة أخرى .. وهي أن العربية - وهي لغة القرآن - يجب أن تحرر الإنسان المسلم من الإقليمية والعنصرية الضيقة ، لإنها أداة إلهية في التخاطب مع عباده والتفاهم المفروض بين جميع المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم . وأن كانت العربية هي أداة التعبير كما هي شأن غيرها من اللغات كما يظن البعض ..إلا أنه من المستحيل إزالة صبغة التقديس عنها وهي مكتوبة بحكم وقدر إلهي .. من هنا إذن علينا أن نتصور ما يستوجب على الأعاجم أيا كانوا من خلال إيمانهم الجاد في الدين الإسلامي وطاعة في الله  في علاقاتهم مع صاحب هذه الأداة  وهم العرب .. لا أن يُعادوهم  و- اللغة العربية – لغتهم وهي لغة القرآن المجيد ...!!

 اللغة الثرية ذات القابلية العجيبة للتطور ، وعاءها الحقيقي هم الناطقين بالضاد العرب.. والتي وصفها البروفسور(هنري باستيد) - أستاذ الحضارة المغربية - بمدرسة اللغات الشرقية (باريس) وقبل عقود بأنها - " أكثر لغات الوجود روحانية "- (جريدة لوموند الفرنسية 6/8/1966) ...! فإن عز الله الإسلام بالعرب كذلك عز الله العرب بالإسلام ..! بل علينا أن ندرك جليا - أن اللغة العربية على مدى قرون غدت أداة ناقلة للإسلام وفكره ومبادئه بنكهة عربية خالصة على وجه البسيطة في إنتشارها المجاني  بإعتناق هذا الدين العظيم من قبل الشعوب والأمم الأخرى ..لم تكن لأية لغة في العالم أن تضاهيها في القوة والطواعية في هذا الإنتشار حتى لو تم إنفاق كل أموال الدنيا لتسهيل نشرها ..!! وها هي حكومات (فرنسا) و(بريطانيا) على سبيل المثال .. ومنذ زمن بعيد في التأريخ أنفقتا وتنفقا الأموال الطائلة والمخصصة لنشر لغتيهما ولم تبلغا ما بلغتها اللغة العربية في الإنتشار بفضل الإسلام من دون إجبار ومن دون أي تخصيص مالي سمعنا عنه يوما قد ذكرمن قبل أي من أنظمة وحكومات العرب ..!

من هنا نحن نؤمن وكما قال الرسول- ص- ليست العربية لأحد منكم بأب او بأم , ولكن العربية لزام ووجوب روحي يُمارس في عبادات كل مسلم ... والدليل - إننا لا نحس إلا بالفخر حينما نتحدث عن (بصلاح الدين الأيوبي) وهو (كردي) .. لإنه يعبر ببطولاته عن حالة واحدة بصفتين متلازمتين العروبة والإسلام معا , كذلك نفخر(بيوسف العظمة) وهو (تركي) و (محمد الفاتح) وهو (ألباني) .. وهكذا غيرهم من الأبطال والرواد والقادة وعلماء المسلمين ...لإن جميعهم ذات الأصول الدينية الإسلامية  المنتمية الى منبع واحد في الإنتماء العقائدي الروحي وهو يمثل قمة الإنتماء العربي في الحضارة و الثقافة والتأريخ واللغة ..  فأن (بلال الحبشي) هو منا ونحن منه في إنتماءه لإسلام العروبة .. وليس من المعقول أن نكون مخالفين للواقع الإلهي ليكون منا ونكون منه وهو حبشي ..! وإلا ما قيمة إعتزازنا (ببلال الحبشي)- حاشاهُ ورضوان الله عليه – لوكان غير مسلما وحبشي ..!

من هنا يتبين ليدرك أي قارئ أن الإسلام والعروبة أو العروبة والإسلام خطان متوازيان في تاريخ كل فرد وكل جماعة أو حزب ينتمي للرحم هذه الأمة ويعبر عنها بالخطب أو الأفكار والعقائد السياسية ..!! فإن كان هذا الفرد أو الجماعة أو الحزب في ضعف من الإرتباط والإنتماء الروحي والجسدي بالأمة .. فسرعان ما يُصاب بالإنهيار والسقوط .. وهذا ما يؤكده تأريخ كل التجارب الحزبية والسياسية العربية في أوطان العرب ..!

على هذا الأساس كان (البعث) قد أثبت أصالته في الإنتماء السوي بالأمة وتراثها الروحي المتمثل بالإسلام وهو تجاوز العقد السادس من عمره .. وهذا هو من بين الأسباب المهمة التي دفعت نحو تعاظم خشية الإعداء منه .. وخاصة بعد تجربته العملاقة على أرض (بلاد الرافدين) منذ ثورة العام ١٩٦٨...! لإنه لم يكن حزبا قوميا (علمانيا) كما يتصوره ويصوره البعض الحاقد بقصد ونوايا سيئة مسبقة .. إنما هو حزب إنساني ثوري منذ أولى تعريفاته الأدبية بعد أن بدأ كحركة قومية وثورية منذ العام ١٩٤٣ إذ عرف مفهوم البعث – (( أنه حركة أحياء للأمة وإنبعاثها عبر تراثها وتاريخها المجيد)) وما مفهوم التراث إلا كل ذلك التراكم الحضاري للأمة على مدى وجودها وحيث يمثل  الإسلام قمته .. من هنا كان قد أشار (القائد المؤسس) - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته - في كتابات عديدة إن كانت العروبة تمثل جسد الأمة فالإسلام يمثل روح هذه الأمة الخالدة – وإن كانت (علمانية) البعث كما هو المأخوذ عليها وفق الترويج الزائف لهذا المصطلح أوكما يسعى البعض البعضوض الساذج والحاقد ليفسره وفق ثقافة ببغاوية وبنشوة الأغبياء غيرالمطلعين على الفكر بشكل سئ ليعتليه أي غبار .. فنقول له - إنما هي - العلمانية - وكما أشار مؤكدا الرئيس القائد (صدام حسين) – فرج الله أسره- في كلمة له في منتصف السبعينات ((نحن علمانيون لكننا لسنا مع الكفر ضد الإيمان بل نحن مع الإيمان ضد الكفر)) - ومنْ يستطيع أن يجرؤ ليشوه تفسير هذا القائد المؤمن (للعلمانية) بطريقة تختلف عن جوهر وروح التسامح والغيرة المطلوبة على الدين في الإسلام وخطى النبي الكريم - ص - وقادة المسلمين الاوائل في إستلهامه وتفسيره المنفرد الواضح هذا (للعلمانية) وبما ينسجم مع تأريخ الأمة ومكوناتها الإجتماعية والحضارية وغيرها ..!؟ حيث لم يكن للسلف الصالح من بعد النبي الكريم - ص - إلا رافعين لراية الإسلام ومدافعين عنه ويجاهدون تحت راية (الله أكبر) ولكن مع الأخذ والإيمان وكما يبغيه الإسلام نفسه في أنه (لا إكراه في الدين) وأحترام الأديان السماوية الأخرى داخل تكوين الأمة . وكما كان هذا سائدا حتى في أوج مراحل الإسلام  وتحت رعاية أفضل خلفائها وزعامة ولاتها العظام ..!!  

عليه لوعدنا مرة أخرى نجد - أن تجارب المخططين الأستراتيجيين والعسكريين الغربيون شخصت ومنذ زمن بعيد هذا التلاصق المنفرد بين القومية والدين والدين والقومية وهي تواجه الأمة العربية وتعمل على إختراقها وتشتيتها وتفرقتها بكل الوسائل ومنها الإحتلال لأوطان العرب بالقوة المسلحة ..!! ومن هنا ركزت جهودها لضرب الحركات الثورية وعلى رأسها (البعث) الباعث في تجديد وإحياء القيم والمبادئ االعروبية والإسلامية على حد سواء ومن بينها (الصوفية) ..لا لإنها تمثل جزءا مهما من تراث الأمة الروحي وحسب إنما لإنها جزء فعال وحيوي من تراث الشعب العراقي حيث المنبع الحقيقي في طرائقها الروحية .. وهي - أي الصوفية - كانت دوما المحرك والأساس المتقدم في تبلور ونضوج مفهوم الصراع القومي وشعبيته ضد سيطرة دولهم (الإستعمارية) ، ومنع نجاح إستمرار وجودها في تلك الدول التي كانت قد إحتلتها ..!! بل وكان لها الدور في إيقاع الرعب في نفوس جيوش بلدانهم .. ومازالوا يذكرونها بمرارة في كتبهم ووثائقهم وسجلاتهم التاريخية !! وعلينا أن ندرك بذلك أن الطرائق الصوفية والسلفية الأسلامية ، وما لعبتها من دور في تاريخ تنشئة الأمة العربية والإسلامية والحفاظ عليها ، لم تكن منعزلة عن القومية أو مجردة منها كما يظن البعض المنغلق والمتعصب في الدين .. لإن مثل هذا العزل يجعل من الآخرين أن يدفعوا بالدين الإسلامي ليظهر بمظهر الدين المتعصب اللاغي لهويات الشعوب والأمم .. مع إدراكنا الكامل هذا غير صحيح في قوله تعالى – ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) الحجرات13 .. لذا كانت الطرائق الصوفية تسببت بعقدة نفسية تاريخية مزدوجة في نفوس الغربيين وحياة أنظمتهم السياسية ... لسببين مهمين هما - فهي كما كانت تتوجه لنشر الديانة الإسلامية كانت تحمل معها العوامل العربية القومية بلغة القرآن بروحية إنسانية بالغة السمو ومن دون أي تعصب ...

يؤكد (الدكتور الأستاذ سعد ناجي جواد الساعاتي ( في إحدى محاضراته باللغة الأنكليزية  1994/ 1995جامعة بغداد / كلية العلوم السياسية/ دراسات عليا) واصفا ً دور الصوفيين في نشر الدين الأسلامي في مجتمعات دول (جنوب شرق آسيا وأجزاء من أوربا الشرقية وماليزيا وأندونسيا) التي تعد اليوم أكبر المجتمعات الأسلامية في العالم الأسلامي .. وخلال فترات زهو الأمبراطورية العثمانية.. بالقول- إذ كانت الأساطيل التجارية التي بلغت سواحل هذه الدول .. يقودها رجال الطرق الصوفية وكانت الصوفية هي حالة طبيعية في حياة المسلم حيث لا يفارقه الدين وهو يؤدي واجباته وشؤون حياته اليومية .. لذا تأثر بهم أبناء شعوب دول هذه الجزر النائية من خلال مشاهداتهم المستمرة لتلك الحلقات الذكرية والدراسية التي كان يداوم على عقدها الصوفيين مع العاملين في السفن التجارية التي كانوا يستقلوها .. بعد ساعات من العمل الشاق في نهاية كل يوم .. وكانوا هؤلاء العاملين يعدون من أتباع الطرق الصوفية ويعملون في المواظبة عليها أينما حلو وأرتحلوا !! ولكن الى جانب أن الهدف كان تحفيز أبناء هذه الشعوب الى دخول الإسلام طواعية وبرغبة روحية حقيقية ومن دون إكراه .. كانوا يتأثرون بالمعاني القومية التي تحملها لغة العرب في القرآن وبشكل مؤثر وساحر للعقول والقلوب في آن واحد ... وهذا يؤكد أن الفضل يعود للصوفيين الأسلاميين ، الذين مثلوا قمة الأخلاق الأسلامية لنشر الأسلام وإتساع رقعته الجغرافية لتنتج إمبراطورية إسلامية يُصعب الإجتناب أوعدم وصفها كذلك بالعربية بسبب ضروراتها العربية في ممارسة وتطبيق الدين وبدءا بدعوة الناس الى الصلاة بلغة العرب ( الله أكبر ......) ... لذا هي بلغت سهلة رحبة أقاصي الأرض ومنها تلك الجزر النائية في أقاصي آسيا وهم يشتغلون بالتجارة ومن دون سيف أو حرب ولكن بمعاني ولغة عربية !!

من الأمور التي تجدر المرور من خلالها في هذا الصدد .. هو تسمية (الصوفية) والتي هي نابعة من التمسك بخطى أصحاب الرسول - ص- وبدرجة كبيرة بالسيرة الحياة الفكرية والسلوكية ومن أبرز زعماءها كذلك هو (الإمام علي بن أبي طالب)- كرم الله وجهه- .. لكن الخفوت الإسلامي في الممارسات الدينية مع نجاح التغلغل (الصفوي) ومظاهر الحياة الغربية داخل حياة المسلمين والعرب .. جعلت من (الصوفية)  تبدو غريبة للخافتين في دينهم .. ثم لتكون سهلة من بعد ذلك تدريجيا للملاحقة تحت ذرائع سبق ونوهنا عنها .. فالصوفية أو التصوف ليست دين أو مذهب ولا تمثل بديلا عنهما ، إنما هي منهج وطريق يسلكه العبد كرياضة روحية للوصول إلى الله عزوجل بتعزيز مواصلة ذكر الله للإمتثال بصاحب الخلق العظيم وأصحابه الكرام ..!! ومهما إختلفت المصادر في أصل التسمية ومهما عبث العابثون والشعوبيون لتشويه تسمية الصوفية فهي من المحال أن تخرج من إطار هذه التسمية - نسبة إلى الصوف ، الذى هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء ، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله ، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة فى الدنيا ...!! فإن كانت التسمية أشتقت من لبس ظاهري لكن الصوفية في جوهرها - مجاهدة النفس ومقاومة شهواتها ، فهي تؤمن بالعمل ولا الكسل ، و ما الذي يمنع الإنسان أن يذكر الله وهو يعمل ويحاسب النفس إن أخطأت ولا يكون جشعا في الدنيا  و يزهد .. وهو الخالق الذي المشترط على خلقه - (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) الذاريات 56 ..! فالذي يحل بالبدن من خمول وكسل وعلل جراء ترك رياضة البدن ... كذلك تصاب الروح بها حينما يتخلى العبد عن رياضة الروح ..!!

على أية حال ، ولنبقى في جوهر موضوعنا .. فالمتابع لحركات التحرر في الأقطار العربية والأسلامية ولتاريخ وسيرة أبطالها (الصوفيين) .. سوف يعرف أبعاد الأستراتيجية السياسية الدينية (المسيحية واليهودية والصفوية المتطرفة) المخططة لمواجهة جبهة النهضة العربية والأسلامية الساعية لتحقيق الصحوة العربية الإسلامية .. بل هنا لابد كذلك من التنويه في التذكير للقول – أن هذه الأمة التي علمت الروم والفرس الأديان الثلاثة الرئيسية - اليهودية التي أعادوها إلينا حركة صهيونية عنصرية لتحتل أرضنا المقدسة ... والمسيحية أعادوها إلينا صليبية ليحطموا بها قيمنا ومبادئنا وينهبوا خيراتنا .. وها هم في غمار لإعادة الإسلام إلينا صفوية ليشتتوا بها أمتنا ووطننا ..! ومن هنا لما في الصوفية من جوهر مرتبط بروح الأمة في حماية جسدها من كل عارض .. أصبحت كابوسا مزعجا يؤرق ويزعج أحلام الأعداء في السيطرة على بلاد العرب والمسلمين ومنذ عقود مضت !! والتي بفعل تمتعها بقوة التلاحم بين الروح والجسد في كل ممارساتها الروحية والنضالية والجهادية على مدى التأريخ ضد الأعداء .. طالما أجبروا على مغادرة ديار المسلمين والعرب تكرارا .. ناكسي الرؤوس أمام صلابة (جهاد) الصوفيين وبعد خسائر لا تعد وتحصى ..!

كذلك علينا أن ندرك ما لعبتها الطرائق الصوفية من دور جلي وواضح في نشر الإسلام لتكون في محيط أوربا وبلاد الصليب !! وليس غريبا ً أن يذكر كثيرا من المؤرخين الأوربيين - أنه لولا الدولة الصفوية التي شاغلت بسكين الطائفية والحقد الفارسي  خاصرة الإمبراطورية الإسلامية العثمانية  .. لكانت أوربا كلها اليوم مسلمة - !! ونحن نعلم أن إزدهار الإمبراطورية العثمانية ما كان ليكون لولا ذاك التمسك بالكتاب والسنة وهي جوهر الصوفية ... والذي إنتهى وتلاشى حتى مرضت الإمبراطورية لتنهار وتنتهي بالتفريط بهذا التمسك ..!

 وهنا في هذه الحلقة سنحاول على قدر كبير من الاقتضاب والإيجاز .. أن نسرد بعض تلك النماذج من الأعلام والنماذج الصوفية التي مازالت تعد من النجوم الساطعة في كتب التاريخ العربي والإسلامي ومدارسها الزاخرة بالوطنية والوفاء القومي تحت الراية الإسلامية ! ببطولاتها ومآثرها التاريخية المشرفة .. التي تفتخر بها الأمة على مدى أجيالها القادمة .. ثمّ ليتبين للقارئ من منظور هذا الموضوع – أن معظم الأبطال والنماذج التي نتحدث عنها .. لا يمكن شرخ بطولاتها بين قومية ودينية - إسلامية- بل على العكس أن أي قارئ مدرك ومطلع إطلاعا مدرسيا وحسب .. سيجد أنه لم يكن مطلقا قد شعر يوما بوجود فصل بين هذه البطولات إلا وكان يحس بها في عقله وضميره  حالة واحدة لا تقبل الشرخ أو الانقسام أو التصنيف ..!

عذرا يا عزيزي القارئ لا نريد أن تصاب بملل ، سنوافيك بحلقة قادمة بإذنه تعالى .....

 

إلى صفحة مشاركات الزوار2