22/02/1428

 الهلال الأمريكي الخصيب وأجندة "حلف بغداد الجديد"

 

 بقلم :علي الصراف

يكاد يتفق معظم المشككين بجدوى "استراتيجية بوش" لتحقيق الأمن في العراق إن الرئيس الأمريكي لا يفعل (سواء من خلال تعزيز قواته في العراق أو الدعوة الى عقد مؤتمر إقليمي في بغداد) سوى انه يتعلق بقشة. ولكن المتأمل بدقة في التحركات الإقليمية، وطبخة الترتيبات التي تعدها الولايات المتحدة بالتزامن مع انعقاد مؤتمر أعضاء "حلف بغداد الجديد"، سوف يستطيع أن يلاحظ إن الغريق لم يغرق بعد، وانه يستعد، بالاستعانة بعملائه التقليديين والجدد، لشن "هجوم مضاد" سيكون كبيرا الى درجة، بحيث انه يمكن أن يشكل منعطفا تاريخيا بالنسبة لمستقبل المنطقة، ولسوف يتقرر على ضوئه ليس مصير الاحتلال الأمريكي للعراق، وإنما أيضا مصير عملية السلام مع إسرائيل، فضلا عن، الكثير من القضايا التفصيلية الأخرى من قبيل الأزمة في لبنان، العلاقات الأمريكية مع سوريا (بما فيها القضية المتعلقة بالمحكمة الدولية للمتهمين باغتيال رفيق الحريري)، وبطبيعة الحال، الملف النووي الإيراني.

مؤتمر أطراف "حلف بغداد الجديد" (الذي تبدأ جولته الأولى يوم 10-3-2007، على أن يعقد رسمياً بمشاركة وزراء خارجية الحلف في إبريل-نيسان المقبل) تزامن مع عدة وقائع:

1- جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في المنطقة التي ينتظر أن تستأنف خلال 10 أيام، وكان الهدف منها "تبادل الأفكار" و"استطلاع الإمكانيات"، وتوفير مستلزمات الطبخة المستقبلية للعراق والمنطقة.

2- زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى السعودية، حيث "اكتشف" الطرفان (بالرغم من كل طنطنات الحرب والتهديدات) إمكانية أن يقعا بغرام بعضهما البعض، تارة تحت ستار "ردم الهوة الطائفية بين السنة والشيعة" (حسب التأويل السعودي)، وأخرى تحت ستار "تفويت الفرصة على مؤامرات الأعداء" (حسب التأويل الإيراني). وهنا كان من الملفت تماما إن الرئيس الإيراني حرص على عدم تحديد من هم أولئك "الأعداء"، ولكن ليس لأنهم غير واضحين، بل لأنهم غير أولئك "الأعداء" الذين يتوقعهم المرء منه.

3- التفكك المرتقب للتحالف الطائفي الحاكم في العراق، وتشكيل تحالف طائفي جديد يضم أحزابا "سنية" و"شيعية" من المنخرطين في "العملية السياسية" في بغداد، بقيادة موظف الـ"سي.آي.أيه" المعروف أياد علاوي، والذي يرجح له أن يشكل بديلا لحكومة نوري المالكي.

4- "تعزيز التعزيز" للقوات الأمريكية في العراق، حيث كشف البنتاغون الأسبوع الماضي انه

يعتزم إرسال 7 آلاف جندي "إضافي" فوق الـ21 ألف جندي "إضافي" الذين طلبهم الرئيس بوش في إطار استراتيجيته الجديدة. (وكان غوردن انجيلاند نائب وزير الدفاع الأمريكي أكد، لدى إدلائه بشهادته أمام لجنة الميزانية في مجلس النواب الاثنين الماضي، ان البنتاغون يقدر ان حجم "قوات الدعم" لـ"القوات الإضافية" التي سيتم نشرها في العراق بـ 4 آلاف أو ربما 7 آلاف جندي).

5- انطلاق أصوات معروفة بعلاقاتها الوثيقة بواشنطن تقترح مشاريع لـ"رأب الصدع" في

العراق و"توسيع العملية السياسية" و"احتواء المعارضين". وهنا كانت محاضرة الأمير تركي الفيصل  (ألقاها الأربعاء في ختام أعمال المؤتمر السنوي الثاني عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية) هي الأبرز حيث اقترح إقامة "هلال خصيب" قائم على التحالف بين إيران والسعودية وبين السنة والشيعة (تحت مظلة العم سام طبعا) بدلا من "الهلال الشيعي" حيث تكون الهيمنة الإيرانية في المنطقة الممتدة من غرب أفغانستان الى شرق بيروت.

ولكن ما تريد الولايات المتحدة من مؤتمر بغداد؟

المسؤولون الذين سيجتمعون في بغداد سيجدون أمامهم أجندة واضحة ومباشرة. أولها، أن يحددوا لأنفسهم الوقوف مع مَنْ وضد مَنْ.

الرئيس بوش كان واضحا عندما قال الثلاثاء الماضي "إن المؤتمر الذي سيعقد في بغداد سيشكل اختبارا لجدية سورية وإيران في ان تكونا قوى بناءة في العراق. كما انه سيكون اختبارا للمجتمع الدولي للتعبير عن دعمه لهذه الديموقراطية الشابة ولدعم دولة ستكون في سلام مع جيرانها". وقال بوش إن "الدبلوماسية ستلعب دورا مهما في تأمين مستقبل العراق. مع ذلك فان الدبلوماسية ستفشل من دون إستراتيجية عسكرية قوية".

المطلوب إذن:

أ - أن تكون إيران وسوريا "قوى بناءة" في العراق، وهذا يعني أن تكون مُعينا للولايات المتحدة لا طرفاً ينتظر التقاط الثمرة التي تسقط في حجره إذا اضطر الأمريكيون الى الانسحاب.

ب – "دعم الديمقراطية الشابة"، وبعبارة أخرى: دعم تحالف العملاء الذين تعينهم الولايات

المتحدة في بغداد.

ج - السلام مع الجيران.

ولكن من هم "الجيران" الأهم بالنسبة للولايات المتحدة؟

هذا سؤال صعب... ولكن أول حرف من الجواب عليه: إسرائيل.

وبطبيعة الحال، فان إسرائيل لن ترسل وزير خارجيتها الى بغداد (على سبيل "التقيّة") إلا أنها ستكون الحاضر-الغائب الأهم. (ممثلة ليس بوزيرة الخارجية كوندليزا رايس فحسب، بل بـ"وزير الخارجية" العراقي هوشيار زيباري نفسه أيضا، فضلا عن وزراء خارجية آخرين من "محبي السلام").

وهكذا، فان الأجندة التي سيتعين على أطراف حلف بغداد الجديد أن يوقعوا عليها تتطلب من الجميع:

1- السعي لنحر المقاومة العراقية ضد الاحتلال، والتضييق على هامشها الاجتماعي، بمحاصرته وتجويعه، فوق الحصار الذي تضربه الطائرات والدبابات الأمريكية.

2- استدراج مجموعات "سنية" للانضواء تحت راية "الديمقراطية الشابة" (وهي "شابة" بمعنى انها صالحة أكثر للاغتصاب).

3- عزل التيارات الإسلامية من المقاومة العراقية تمهيدا لضربها، باعتبارها مجموعات "إرهابية" "وهابية" ومتطرفة، وذلك في مقابل تقليم أظافر "جيش المهدي" باعتباره مجموعات متطرفة أيضا، فيحل الوئام والسلام، وتطير أسراب الحمام، فوق رؤوس الراغبين بـ"زواج المتعة" مع مصالح العم سام.

 

 

4- إعادة بناء حكومة التحالفات الطائفية في بغداد، والتخلص من حكومة نوري المالكي، في

إشارة الى إمكانية فتح "صفحة جديدة" في العلاقات مع المعارضين للاحتلال. وذلك أملا بطمأنة السنة على انهم لن يكونوا خاضعين لحكومة عملاء مزدوجين لإيران وواشنطن، وإنما حكومة عملاء لواشنطن فقط.

5- تمهيد الظروف لاستئناف مفاوضات السلام ليس بين إسرائيل والفلسطينيين فحسب، وإنما بين إسرائيل وسوريا أيضا، وذلك بموجب "المبادرة" التي وضعها الأمير (آنذاك) عبد الله بن عبد العزيز في القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002.

6- تسوية الأزمة الحكومية في لبنان، بترضية "حزب الله" على نفوذه فيها، بل وحتى على بقاء سلاحه، إنما الى حين إنجاز التسوية وتحقيق السلام، فلا يعود وجود هذا السلاح مبررا.

7- وعلى مقدار تجاوب دمشق تكون الأحكام في شأن المحاكمة المتعلقة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. فإذا أظهرت دمشق ميلاً واضحا للمساعدة في ذبح

المقاومة العراقية ودحر محيطها الاجتماعي، وربما إعادة تشريد المهاجرين العراقيين، فان حكما ببراءة دمشق من "دم ابن يعقوب" سيكون مضموناً الى حد كبير. وعلى مقدار هذا التجاوب تكون الأريحيات في المفاوضات المتعلقة باستعادة الجولان.

8- تسوية الملف النووي الإيراني بتوفير ضمانات أمنية تكفل عدم تحويل أعمال تخصيب اليورانيوم الى أسلحة، بل وفتح الباب (حسب مقترحات الأمير تركي الفيصل) للاستثمارات المشتركة في مشاريع الطاقة، ومنها "الاستخدام السلمي" للطاقة النووية.

والحال، فبرغم أن الدبابات الأمريكية كانت ما تزال تتقاطر لقصف الأحياء في بغداد (وهذه ليس فيها مدنيين بل "إرهابيين" فقط)، وبرغم أن حكومة المالكي تبدو حسب أجندة حلف بغداد، كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، إلا إنها سارعت، مع ذلك، بإقرار القانون المتعلق باستثمارات النفط وتقاسم الثروة، وهو المشروع الذي يوفر للشركات الأمريكية حقوق استغلال وبيع النفط العراقي (من دون سيادة) لـ 30 عاما مقبلة.

وهل جاء الأمريكيون الى العراق من اجل شيء آخر غير الديمقراطية ("الشابة" إياها) و...النفط؟

ولكن ذلك لا يعني إن الولايات المتحدة ستكون هي الرابح الوحيد. الوقوف على حافة الخسارة التامة هي التي أقنعت الولايات المتحدة باقتسام الغنيمة في العراق مع كل من يرغب بمد يد العون. وبخاصة سوريا وإيران.

ولئن كان الرئيس بوش بدا في يناير-كانون الثاني الماضي وكأنه ضرب بمقترحات تقرير بيكر-هاملتون عرض الحائط عندما اقترح استراتيجيته الجديدة، فالحقيقة هي انه خدعنا وخدع الجميع.

فبالعودة الى "فتح أبواب الحوار مع سوريا وإيران" يبدو أن كل ما كان الرئيس بوش يريده هو أن يتم تزويد هذا الحوار بأسنان. وان يعززه بأسنان إضافية. وأن يسمح لصحافييه بإطلاق مزاعم عن "حرب محتملة" ضد إيران، وان يدفع في اتجاه زيادة العقوبات ضدها على سبيل

التخويف، بينما "الماء الجاري من تحت التبن" يقول إن أبواب بغداد، وليس "أبواب الحوار" وحدها، صارت مفتوحة للراغبين بـ"المشاركة" في قطف الثمار.

كم فاسدة هذه الثمار؟

الأمر متروك، بطبيعة الحال، لتقييم "المستفيدين" منها. إنما، يصح القول أيضا: إذا كانت سوريا (ومعها إيران) قد نجت من الغزو، فبفضل المقاومة في العراق التي أحبطت انتشار عدوى "ديمقراطية الدبابات". وسيكون من الرائع للغاية (لأسباب روائية على الأقل) أن نرى متى ستقول دمشق: أُكلنا يوم أُكل الثور الأسود.

كانت الدبابات الأمريكية في الطريق الى دمشق عندما اعترضتها متفجرات وصواريخ المقاومة (الإرهابية بالتأكيد). وسيكون من المفيد للمرء أن يرى ما إذا كانت أية دبابات ستأتي من الطرف الآخر للطريق!

وهكذا سيتاح لسخرية القدر أن تقول: لقد حمى العراقيون دمشق من السقوط ضحية لدبابات الغزاة مرتين (الأولى عام عندما صدوا الدبابات الإسرائيلية بالآلاف من الشهداء على الجبهة الشرقية من الجولان عام 1973)، وتلقوا "أحسن الجزاء" من إخوانهم مرتين! والمرء، من اجل العروبة، يمكن أن يلدغ من هذا الجحر مرتين.

وعلى أي حال، فكل أطراف الحلف الجديد سيجدون لأنفسهم فائدة من نحر المقاومة ضد الاحتلال. وهم، على أي حال، سيبيعون ما ليس لهم به شأن، ليحصلوا على ما ليس لهم فيه حق. ولكن بما انهم "دول جوار"، وبما إن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، فوق مكانتها كقوة هيمنة دولية، معلقةٌ كلها على مصير الاحتلال في العراق، فان تقاسم الحصص سيكون مقبولا في واشنطن.

وإذا لم يرفع السوريون والإيرانيون أسعارهم، فان كل شيء سيكون على ما يرام... على الأقل الى حين يتضح ماذا سيكون رد فعل المقاومة العراقية وماذا ستكون خياراتها الاستراتيجية.

مشروع "حلف بغداد الجديد"، بالقليل أو الكثير من تشابه التسميات إنما تم استلهامه من جانب الأمير تركي الفيصل ليكون بمثابة عودة الى مشروع "الهلال الخصيب"، إنما ليس تحت ظلال زيزفون الاستقلال القديم، و إنما تحت ظلال البوارج الحربية وحاملات الطائرات الأمريكية.

والأمير تركي، لمن لا يعرفه، لا ينطق عن الهوى، إن هو ألا وحيٌ يوحى.

ولكي لا يبدو الأمر وكأنه مجرد التحاق مجاني بالمشروع الأمريكي، فان الولايات المتحدة ستحدد جدولا زمنيا لسحب قواتها في العراق (قد يظل مشروطا بتحسن الأوضاع الأمنية)، بحيث يبدو الأمر وكأن أطراف الحلف حققوا مكسبا سياسيا لأنفسهم و.... للشعب العراقي "الحبيب" (الذي سبق لهم أن سمحوا بتدميره عدة مرات).

وهنا، سيتضح من هم أولئك "الأعداء" الذين رفض الرئيس الإيراني الإفصاح عنهم لدى زيارته للسعودية. فهو ظل يعيد ويكرر إن إيران والسعودية تحرصان معا على التغلب على "مؤامرات الأعداء"، ومنها مؤامرات بث الفرقة بين الشيعة والسنة. وكان الانطباع البديهي، بالنسبة لمناهض معروف لـ"الشيطان الأكبر"، هو إن أولئك الأعداء هم الولايات المتحدة وقوات الاحتلال في العراق، إلا إن المفارقة هي إن حديثه عن "الأعداء" انطلق من السعودية التي

لا تعتبر الأمريكيين "أعداء"، في حين إن عملاءه في حكومة بغداد لا يعتبرون هم

أيضا الأمريكيين أعداء بل حلفاء وأصدقاء. فمن هم الأعداء؟

الأعداء كما سيتضح من تجليات الأجندة التي سيتوافق عليها وزراء خارجية حلف بغداد هم: المقاومة العراقية ضد الاحتلال.

أما إذا أردت أن تعرف من هم الأصدقاء؟ فهذا سؤال صعب، ولكن أول حرف من الإجابة عليه:.....

إلى صفحة مشاركات الزوار3