26/10/2006

 

 حتى لا ننسى (2)

الألم الفلسطيني من حلم هرتزل إلى إرهاب أولمرت

"1897 ـ 2006"... مائة وتسعة أعوام على المؤتمر الصهيوني الأول

 بقلم : محمود كعوش

kawashmahmoud@yahoo.co.uk

في العام الماضي (2005) استذكر الفلسطينيون انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية قبل 109 أعوام والذي شكل المؤشر الأول لبدء الكارثة الكبرى التي حلت بالشعب الفلسطيني وأرضه وممتلكاته ومقدساته في أجواء غامرة من الفرح كانت تعم الأراضي الفلسطينية ابتهاجاً بدحر الاحتلال "الإسرائيلي" وتحرير قطاع غزة ، ووسط مشاعر من الأمل في أن يكون ذلك التحرير خطوة على طريق الاستقلال الناجز والولادة المنتظرة للدولة الفلسطينية المنشودة.

 أما هذا العام (2006) فيستذكرون المناسبة المشؤومة وسط شلالات متدفقة من دماء الشهداء الأبرار وغيوم مكثفة من الحزن والألم اللذين يعتصران قلوبهم جراء الحصار العسكري الصارم والظالم المفروض عليهم وعلى أراضيهم وممتلكاتهم وبالأخص في القطاع الثائر منذ ما يزيد على ثمانية أسابيع.

 فقد كان انعقاد المؤتمر المذكور محصلة لنشاط صهيوني طويل شاركت فيه تيارات يهودية مختلفة داخل الحركة الصهيونية طوال القرن التاسع عشر. وقد أعتبر المؤتمر في حينه إيذاناً بانتهاء مرحلة معينة وبداية مرحلة أخرى في تاريخ الصهيونية.

 وإلى جانب قيام المؤتمر بتحويل الصهيونية من حركة جنينيه إلى منظمة عالمية قوية وفعالة، فقد تم خلال انعقاده وضع الأساس "النَظري" للدولة العبرية، التي تمت ولادتها بعد 50 عاماً بطريقة قيصرية على أنقاض فلسطين وشعبها في ظل تآمر دولي وخنوع عربي.

 بين 29 ـ 31أغسطس/آب 1897، وهو تاريخ انعقاد المؤتمر، واليوم محطات كثيرة وخطيرة حاول الصهاينة خلالها تمزيق الوطن العربي وشعبه والدخول على معظم الخطوط العربية، وسط غطاء غربي عام وأميركي خاص.

 فخيوط الصهيونية التي نُسجت قبل 109 أعوام، تمددت لتطال معظم أرجاء العالم ممسكة بزمام الأمور الاقتصادية والإعلامية ومتزعمة للانقلابات العسكرية تمويلاً وتنفيذاً ومالكة لإمبراطورية مالية ضخمة غذت خزانتها مساعدات الجاليات اليهودية والتعويضات الألمانية والمساعدات الأميركية التي تجاوزت حتى الآن 120 مليار دولار.

 تيودور هرتزل أبُ الصهيونية العالمية

انعقد المؤتمر بين 29-31 آب عام 1897 في مدينة بازل بإشراف وتنظيم المفكر والكاتب اليهودي المجري تيودور هرتزل الذي يُعدُ أب الصهيونية العالمية تحت شعار "العودة إلى صهيون". وصهيون كما نعرف هو جبلٌ في مدينة القدس الفلسطينية.

 وحضر المؤتمر 204 مندوباً يهودياً، 117 منهم مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاءوا من روسيا وحدها. كما حضره مندوبون من الأميركيتين الشمالية والجنوبية والدول الاسكندنافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر. وكان مقرراً عقد المؤتمر في مدينة ميونيخ الألمانية، إلا أن الجالية اليهودية هناك عارضت ذلك لأسباب خاصة بها، الأمر الذي استوجب نقله إلى مدينة بازل السويسرية.

 إفتتح هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول بخطابٍ مقتَضبٍ أكد فيه أن الهدف من المؤتمر هو "وضع الحجر الأساسي للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل"، وأعلن فيه " أن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلاد اليهود ". وحدد هرتزل في خطابه مضمون المؤتمر على أنه " الجمعية القومية اليهودية ". وأقر المؤتمر أهداف الصهيونية المعروفة منذ ذلك الوقت باسم " برنامج بازل " الذي حسم موقف الصهاينة من موقع دولتهم المزمع إنشاؤها.

 وبرغم اقتصار أبحاث المؤتمر على المناقشات والمداولات وعدم قطع التزام واضح من قبل هرتزل بقيام هذه الدولة " الوطن " في فلسطين بالتحديد، إلا أن المؤتمر مثل بدايةً حقيقيةً لمشروع الدولة الصهيونية، في ظل توفر العديد من الخيارات والأوطان بينها الأرجنتين وأوغندا. ومع ذلك فقد شكل المؤتمر الانطلاقة الأولى باتجاه فلسطين، خاصة وأن هرتزل كان قد فكر في مثل هذا قبل عامٍ من انعقاد المؤتمر كما ظهر جلياً في كتابه " الدولة اليهودية ".

 المهتمون بالشأنين اليهودي والصهيوني اعتبروا في حينه أن المؤتمر الصهيوني الأول شكل نقطة تحولٍ مهمةً في تاريخ الحركة الصهيونية، بعدما استطاع مؤسسوها جمع معظم صهاينة العالم تحت سقفٍ واحد ضمن إطار المنظمة الصهيونية العالمية التي تولت فيما بعد الإشراف على الأجهزة الصهيونية في العالم.

 وكانت إقامة المنظمة الصهيونية العالمية فاتحة عهدٍ جديدٍ من النشاط الصهيوني استهدف تحقيق مخططات الحركة، وفق ما ورد في " الموسوعة الفلسطينية ". وقد تفرع عن المؤتمر لجنة تنفيذية تكونت من 15 عضواً كانت بمثابة مجلس شورى وأخرى صُغرى تكونت من خمسة أعضاء كانت بمثابة حكومة. وتم تأسيس مكتبة مالية لجمع الاشتراكات الصهيونية السنوية من جميع اليهود في العالم، إلى جانب فتح المصرف اليهودي الاستعماري برأسمالٍ بلغ مليوني جنيه إسترليني.

 ووضع المؤتمر برنامجاً سارت عليه جميع المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك، كما وناقش تقارير مفصلةً حول أوضاع الجاليات اليهودية في العالم ومحاضر أخرى مفصلةً عن فلسطين والنشاط الاستيطاني فيها. ونصبَ المؤتمر تيودور هرتزل رئيساً له ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية.

 وعد بلفور المشؤوم..." وليد " التآمر الدولي والخنوع العربي

بعد ثمانية أعوامٍ من ذلك المؤتمر، وبنتيجة تزايد الضغوط اليهودية عليها، عرضت الحكومة البريطانية على المنظمة الصهيونية العالمية ستة آلاف ميل مربع من أراضي أوغندا لإقامة الوطن القومي اليهودي المنشود! لكن " منظمة الأرض اليهودية " التي شكلت أحد أذرع تلك المنظمة رفضت ذلك العرض وأصرت على أن يكون في فلسطين، وفق الرؤية التوراتية !!

 وبنتيجة الضغوطات المتزايدة على الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الغربي الذي تشكل منه " الحلفاء " إبان الحرب العالمية الأولى، أصدر وزير الخارجية البريطاني جيمس بلفور في عام 1917 وعده المشؤوم الذي قضى بإقامة الوطن اليهودي على أجزاء من فلسطين، ليكون نقطة حمايةٍ إستراتيجية للدفاع عن قناة السويس وطريق الهند وقاعدةً متقدمةً للإمبريالية في الوطن العربي بالطبع. وتبنى الرئيس الأميركي هاري ترومان ذلك الوعد.

 وتطور الحال في ظل تآمرٍ دوليٍ وخنوع عربي إلى أن جاء المؤتمر الصهيوني الثاني والعشرون الذي انعقد في بازل السويسرية أيضاً عام 1946 وتبنى بدوره مشروع " بلفور 1942 " الذي قضى هو الآخر بإنشاء دولةٍ يهودية في فلسطين كبرنامجٍ للحركة الصهيونية.

 ترك المشروع الصهيوني بصماته السوداء على الأرض الفلسطينية وعلى الوضع السكاني فيها. فبعد خمسين عاماً من مؤتمر بازل الأول، تمكنت الحركة الصهيونية من إقامة الكيان الصهيوني على 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية، وطردت بالإرهاب والتنكيل والتعذيب 850 ألف فلسطيني من أراضيهم، وأتت في عام 1967 على ما تبقى من فلسطين بعد طرد وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين الجدد.

 أما بالنسبة للهجرة اليهودية إلى فلسطين، فقد اتخذت طابعاً منظماً بعد مؤتمر بازل الأول حيث ارتفع عدد اليهود من 30 ألفاً عام 1897 إلى 650 ألفاً عام 1948، وهو تاريخ نكبة فلسطين وولادة الدولة العبرية.

وقد تواصلت سياسة التهجير "الإسرائيلي" ومصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات وعمليات الهدم والحفر والتسييج وتغيير المعالم في فلسطين بالشكل الذي تناسب وتلاءم مع المطامع الصهيونية المعلنة والمبطنة، كما وتواصلت سياسة الهجرة اليهودية ليصل عدد اليهود الذين يقيمون في فلسطين إلى ما يزيد عن خمسة ملايين من أصل يهود العالم الذين لا يتجاوزون 13 مليوناً.

منذ اغتصاب فلسطين وحتى اللحظة الراهنة، و"الإسرائيليون" يمارسون السياسة في إطار الأيديولوجية الصهيونية ويتعايشون مع الخوف المستمر، وسط اللجوء إلى الغرب وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية لتأمين الأسلحة الفتاكة والمفاعلات النووية والتكنولوجيا المتطورة إلى جانب الحصول على الدعم السياسي والمعنوي لهم.

 ومنذ لحظة الاغتصاب الأولى وحتى هذه اللحظة والألم الفلسطيني في تصاعدٍ وتزايدٍ مستمرين نتيجة تلك الممارسات اللاإنسانية واللاأخلاقية، والانحياز الغربي الأميركي الأعمى للدولة العبرية وسكانها اليهود.

 وإذا ما أردنا التفتيش في ملفات مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة بشكلٍ عام، لتأكدنا بالقطع أن الولايات المتحدة الأميركية بالذات لم تسجل إدانةً واحدةً للممارسات الإرهابية والبربرية التي ارتكبها "الإسرائيليون" ولا زالوا بحق العرب عامةً والفلسطينيين خاصة منذ بدء حلم تيودور هرتزل في عام 1897 وصولاً إلى إرهاب آيهود أولمرت الجاري.

 الأيديولوجية الصهيونية لا تزال تتحكم بعقلية قادة "إسرائيل"

والثابت حتى الآن أن الأيديولوجية الصهيونية حافظت على تحكمها بعقليات وسياسات قادة "إسرائيل" ، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم الأيديولوجية اليمينية أو اليسارية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حرص اسحق رابين كل الحرص عند عرضه " إعلان المبادئ " الذي أبرمه مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على الكنيست "الإسرائيلي" على أن "يؤكد !!" انتصار الصهيونية.

 أما بنيامين نتنياهو، فقد حرص هو الآخر على أن يؤكد في كتاباته " أن للصهيونية دوراً هاماً يجب عليها القيام به من أجل توطين ثمانية ملايين يهودي حفاظاً عليهم من عداء السامية المستشري في العالم، على حد زعمه ! ".

 وبالرغم من جميع الأفكار التي طرحها زعيم حزب العمل الأسبق شيمعون بيريز في كتابه " الشرق الأوسط الجديد " للفصل بين جيلين "إسرائيليين"، سابقٍ قامت سياسته على الأحلام والتطلعات الأيديولوجية وحاليٍ تستند سياسته إلى حقائق العصر، إلا أنه لم يستطع أن يَعْدُلَ عن مواقف الصهيونية أو يحيد عنها فيما يختص بدعوى أرض "إسرائيل التوراتية" التي تشمل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية !!" ، مثله مثل أي زعيمَ "إسرائيلي" عمالي أو ليكودي آخر.

 الصهيونية والتصادم مع حقائق العصر !!

وبالرغم من مُضي 109عام على المؤتمر الصهيوني الأول، لا يزال قادة "إسرائيل" على اختلاف أيديولوجياتهم ، عاجزين عن النهوض بالصهيونية وتطويرها بما يتلاءم ويتفق مع حقائق العصر بالمعنى الحقيقي المفهوم والواضح.

 وحتى اسحق رابين، الذي اعتبره العالم "رجل سلام وتغنى بعض القادة الفلسطينيين بشراكته"، لم يُقر حين خطا خطواته الأولى على طريق السلام بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة في الضفة والقطاع والقدس الشريف ، وظل متمسكاً ببقاء المستوطنات اليهودية فيها ووضعها تحت حماية القوات "الإسرائيلية" والسلطة السياسية في تل أبيب. وإذا كان هذا هو الحال مع رابين، فإن الحال مع قادة "إسرائيل" الآخرين ألعن وأشد ضراوة وتطرفاً.

 وعندما اتخذ آرئيل شارون قرار الانسحاب من قطاع غزة ، فقد اضطر لذلك تحت ضغط المقاومة وخسارة "إسرائيل" العسكرية والبشرية والاقتصادية لا حباً بالسلام أو انصياعاً للقانون الدولي. ويمكن أن يُستدل على صحة ذلك مما هو جار فيه منذ 28 حزيران الماضي بأمر وإشراف مباشرين من خلفه أيهود أولمرت .

 وإن كان الظلم والألم الفادحان اللذان أوقعتهما الصهيونية العالمية بالفلسطينيين ثقيلين على ضمائر بعض المفكرين والسياسيين والعسكريين اليهود ، وفق ما أظهرته بعض كتاباتهم وتحليلاتهم ، وأخص بالذكر هنا ألبرت أنشتاين ومكسيم رودونسون والبروفيسور تالمون وناحوم غولدمان وعيزرا وايزمان ، إلا أن "إسرائيل" ما تزال متمسكة بوضعية دولة الأبارتهايد التي تتحكم بالشعب الفلسطيني خلافاً لإرادته ورغبته ، الأمر الذي يوحي بقرب نهاية الصهيونية ، وفق ما ارتأته صحيفة " هآرتس " العبرية قبل عامين من الآن .

ففي 9 يوليو/تموز 2004 حيث حلت الذكرى المئوية لموت أب الصهيونية العالمية تيودور هرتزل، قالت الصحيفة ما حرفيته: " مع مرور مئة عام على موت هرتزل، يتعين القول بدون خشية أو تردد أن صهيونية الألفين لن تبقى على قيد الحياة في حال بقي التفسير لدولة اليهود هو دولة الأبارتهايد التي تتحكم بالفلسطينيين خلافاً لإرادتهم ورغباتهم.

 ويجب أن نذكر أن معاناة الفلسطينيين الذين يعيشون تحت احتلال إسرائيل قاسية مثل معاناة يهود أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر عندما بحث هرتزل عن حل لضائقتهم. إن مستقبل دولة اليهود مرتبط بمستقبل الشعب الفلسطيني الذي يعيش إلى جانبها وفي داخلها. والحل المنطقي والأخلاقي لهذا لا يمكن العثور عليه في الحلم وإنما في إصلاح الواقع ".

 ترى هل ثمة ما يوحي بأن ممارسات القادة "الإسرائيليين" سياسيين وعسكريين أصبحت تدلل على أنهم باتوا يرجحون كفة "إصلاح الواقع" على كفة "حلم الماضي" بحيث يمكن المراهنة على تغير ولو طفيف في العقلية الإرهابية لهؤلاء ؟ أشك في ذلك !!

 

إلى صفحة مُشاركات الزوار3