جورج بوش...ومكافأة التطرف!!
الرئيس الأميركي يمنح المتطرف الصهيوني نتان شرانسكي "ميدالية الحرية"
بقلم :
محمود كعوش*
عندما
ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش خطاب "الاتحاد" في الثاني من شهر شباط 2005، كان
واضحاً أن ما ورد فيه بشأن السياسة الخارجية الخاصة بنشر "الديمقراطية" ومحاربة
"الإرهاب" والأنظمة "الديكتاتورية" في العالم قد انتُقي بعناية فائقة ظهرت فيها
بصمات "المحافظين الجدد" بوضوح تام.
ومن
خلال قراءتنا لكتاب "قضية نحو الديمقراطية" للوزير
"الإسرائيلي" في حكومة آرئيل شارون الائتلافية السابقة نتان شرانسكي الذي نشره في
نهاية عام 2004، استدللنا على أن ما ورد في خطاب بوش في حينه عكس رؤيا مطابقة
لمفاهيم شرانسكي الأيديولوجية التي عبر عنها في هذا الكتاب. لكننا تعمدنا يومها
التروي وعدم الإشارة إلى ذلك، بانتظار أن "يشهد شاهد من أهله" كما يقول المثل
العربي الشائع.
بعد مضي
أقل من شهرين على إلقاء ذلك الخطاب، خرج شرانسكي عن صمته ليؤكد في مقابلة أجرتها
معه مجلة "ديرشبيغل" الألمانية ونُشرت في 11 آذار من ذلك العام صدق تكهناتنا. ففي
تلك المقابلة كشف شرانسكي النقاب عن أن السياسات الخارجية التي اعتنقتها إدارة
الرئيس جورج بوش فيما يتعلق بنشر "الديمقراطية" ودورها في الحرب على "الإرهاب" هي
تطبيق "أمين ودقيق" لمفاهيم أيديولوجية صاغها
هو بنفسه لتشكل نهجاً للرئيس وصقور إدارته من تيار المحافظين الجدد.
وغني عن
التعريف أن الصهيوني واليميني المتطرف نتان شرانسكي هو منشق "سوفييتي" سابق كان قد
قضى مدة في سجون ومعتقلات ألـ "كي.جي.بي" بسبب مجاهرته بالعداء للنظام الشيوعي
وموالاته لنقيضه الرأسمالي وراعيته الولايات المتحدة قبل أن يفرج عنه عام 1986
ويهاجر إلى "إسرائيل" ويشغل فيها العديد من المواقع الحزبية والسياسية التي كان
آخرها منصب وزير شؤون القدس ويهود الشتات في الحكومة الائتلافية السابقة.
وعرف
عنه دفاعه الدائم عن رئيس الوزراء "الإسرائيلي الغارق في غيبوبته" الإرهابي آرئيل
شارون الذي كان ينفي عنه جميع الصفات الإجرامية واللاإنسانية ويعتبره "ديمقراطياً"
و "رجل سلام"، برغم معارضته الشديدة وانتقاده الحاد لخطة "الفصل" مع الفلسطينيين
التي كانت وليدة بنات أفكار شارون دون غيره. ولعله كان أكثر وزراء الحكومة
الائتلافية تطرفاً وأحد أبرز المتطرفين اليمينيين في "إسرائيل".
ولطالما
تفاخر في مناسبات عديدة بأنه أبلغ الرئيس الأميركي جورج بوش "أن
أطروحة الدكتوراه لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس تنفي وجود المحرقة
اليهودية"، لغاية خبيثة في نفسه الشريرة طبعاً ولتأليب الرئيس الأميركي على
عباس والفلسطينيين!!
في
حديثه لـ "ديرشبيغل" في ذلك الوقت، نفى شرانسكي أن يكون الرئيس بوش قد دفع له ثمن
"أفكاره التي صاغها ونقلها عنه" في خطاب الاتحاد الذي بدأ به ولايته الرئاسية
الثانية. وحول لقائه الأول به، روى أنه "كان في جولة أميركية للترويج لكتابه "قضية
نحو الديمقراطية"، عندما تلقى اتصالاً مفاجئاً من شخصية كبيرة في البيت الأبيض
أبلغته أن الرئيس يود مقابلته وأنه معجب بالكتاب الذي نشره، خاصة ما تعلق منه
بموضوع قوة الديمقراطية، وأنه أوصى وزير خارجيته آنذاك كولن باول بقراءته
والاستفادة منه".
كان
ذلك في شهر تشرين الثاني من 2004، عقب فوز جورج بوش في الانتخابات الرئاسية التي
جرت في الثاني من ذلك الشهر، وقد استغرق اللقاء ساعة كاملة، راح الرئيس خلالها يبين
له "كيف أن الديمقراطية ليست اختراعاً أميركياً وإنما منحة من الرب للناس"!! وقال
أن الرئيس أخبره بأن "ما تضمنه كتابه إنما جاء ليرسخ تلك الفكرة"!! ونقل عن الرئيس
قوله أنه زوده بأسس نظرية لسياسته العامة وبالأخص الخارجية!!
وفي توضيح لفحوى نظريته، قال شرانسكي أن "الأمن والحرب على الإرهاب يمكن تحقيقهما
من خلال دمقرطة العالم فقط"، كاشفاً عن أنه أبلغ الرئيس بوش أنه "منشق حقيقي" لأنه
لا يلقي بالاً لنتائج استطلاعات الرأي، وإنما يظل "صادقاً في معتقداته ويحارب من
أجلها، ومعتبراً "أن المنشقين يشعرون بالوحدة ولكن التاريخ يكون في صفهم في
النهاية!".
ووجهت
المجلة الألمانية لشرانسكي في حينه السؤال التالي: دعنا نفترض أن الأهداف الحقيقية
للرئيس بوش هي الدمقرطة وليست تأمين احتياطات النفط والقواعد العسكرية، فهل
الديمقراطية الغربية مناسبة للعالم الإسلامي؟ فرد قائلاً: "ليس لدي شك في أن العرب
يريدون أن يكونوا أحراراً، وإذا عدنا للحقبة التي كنا نعاني فيها تحت نير الشيوعية
في "الاتحاد السوفييتي"، كان أصدقاؤنا في الغرب يقولون لنا إن الديمقراطية شيء عظيم
ولكنها لا تصلح لكم، لأنها ضد عقلية وثقافة الشعب الروسي. إن التغيير أتى فقط في
عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان من خلال تأسيس العلاقة بين الأمن والإنسان".
وعما
يميز الرئيس بوش عن سابقيه من رؤساء الولايات المتحدة قال: "لقد تحدثت مع العديد من
الرؤساء الأميركيين بمن فيهم الرئيس بيل كلينتون الذي يعتبر أفضل من يستمع في
العالم، ولكنني لم أخرج منهم بشيء. وبعد أحداث 11 أيلول 2001، استوعب الرئيس بوش
أنه يواجه تحدياً عالمياً، وليس فقط الحرب على تنظيم القاعدة. غير أن المسار الذي
اتبعته إدارته لم يكن واضحاً في البداية إلى أن اجتاح الجيش الإسرائيلي الضفة
الغربية بعد ذلك بثلاثة أعوام فطالب الرئيس بوش علانية بانسحاب "إسرائيلي فوري"،
لكنه ولأول مرة قال"إن الفلسطينيين في حاجة لقائد ديمقراطي!!".
وحول ما
إذا كانت القوة العسكرية هي الوسيلة الوحيدة لنشر الديمقراطية في العالم، فإن
شرانسكي لا يميل إلى المطالبة بإرسال الجيوش إلى كل مكان، بل يفضل "أن تؤسس
العلاقات بين الدول على احترام حقوق الإنسان، شريطة أن يكون التدخل العسكري مطلوباً
إذا لم تستجب لذلك".
وفي
تبريره لاستعانة الإدارة الأميركية ببعض الحلفاء الديكتاتوريين لتنفيذ سياساتها
الخارجية، استشهد بقول الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون "
قد يكونون أوغاداً، لكنهم أوغادنا نحن!". وعزا
استمرار واشنطن في تأييدها لدولة باكستان الإسلامية لحاجتها إليها في حربها ضد
تنظيم القاعدة، معتبراً أنها "السياسة الواقعية، باعتبار
أن التعامل مع النظام الديكتاتوري أفضل من الانتظار حتى ترسيخ الديمقراطية فيه".
ولتأكيد
نظريته القائلة "إذا أردت أن تحارب عدواً لك في وقت حرج وكان حليفك ديكتاتوراً، فلا
يجب أن تقول لننتظر حتى يتحرك ذلك الحليف إلى الديمقراطية"، استشهد بتحالف الولايات
المتحدة مع جوزيف ستالين للإطاحة بأدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية.
وفيما
يختص بالوسيلة الناجعة لحل مشاكل العالم، قال إنه "يجب ربط العلاقات الاقتصادية مع
قضية حقوق الإنسان، على أن يبدأ الضغط من خلال التركيز على حقوق المرأة والحريات
الأخرى".
أما
بالنسبة لإيران، فقد اعتبرها "التهديد الأخطر، لأن الملالي هناك لا يخفون رغبتهم في
تدمير إسرائيل في اللحظة التي يمتلكون فيها القنبلة النووية.. ويجب عمل كل ما من
شأنه منع ذلك.. شريطة ألا يكون التدخل العسكري هو الخيار الوحيد لأنه سينتج عن هذا
الحل فشل ذريع آخر يتحمل نتائجه ذلك الجزء من العالم... الحرب المدمرة!!".
ربما
كان نتان شرانسكي صادقاً في أن الرئيس الأميركي جورج بوش لم يدفع له ثمن "أفكاره
التي صاغها ونقلها عنه" حسبما قال للصحيفة الألمانية قبل أكثر من عامين، إلا أن
لحظة دفع ثمن تلك الأفكار قد أزفت وبأسرع مما كان شرانسكي نفسه يتخيل. فها هو بوش
يختار أخيراً ملهمه وملهم صقور تيار المحافظين الجدد نتان شرانسكي ليمنحه "ميدالية
الحرية" لهذا العام تقديراً لما أسماه "جهوده من أجل الحرية الدينية والسلام"، وهو
الأمر الذي كان متوقعاً منذ زمن بعيد، لا سيما وأن بوش حرص في مناسبات عديدة على
الإشادة بالرجل الذي واظب على القراءة له وتعمق في دراسة أفكاره ونصح الآخرين بأن
يحذوا حذوه، مع أنه قارئ غير جيد حسب ما أكد المقربون منه.
فكما هو
معروف فإن البيت الأبيض يقوم كل عام، في إطار تقليد دأب عليه منذ عام 1963، بمنح
هذه الميدالية لعشرة من الأميركيين وغير الأميركيين الذين يرى أنهم "أدوا أو ساهموا
في أداء أعمال كبيرة ومميزة من أجل أمن ومصلحة الولايات المتحدة والأمن والسلام
العالميين، أو قاموا بجهود ثقافية عامة مميزة". وعُرف من
بين هؤلاء لهذا العام حتى الآن الكاتب الصهيوني الأميركي في صحيفة "نيويورك تايمز"
وليام سافير ووزير المواصلات الأميركي السابق نورمان مانيستا، إلى جانب نتان
شرانسكي.
صحيح أن
الأفكار التي دعا شرانسكي من خلالها للتركيز على "دمقرطة منطقة الشرق الأوسط
والقضاء على ما وصفه بالأنظمة الديكتاتورية قبل التحدث عن عملية السلام" قد لاقت
قبولاً ملحوظاً من قبل الرئيس جورج بوش، بحيث جعلته يعتمد عليها في طرح مشاريعه
الخاصة بالمنطقة والتي كان آخرها "مشروع الشرق الأوسط الكبير".
وصحيح
أن تلك الأفكار التي لم تخرج بعد عن سياقها النظري كانت من الأسباب التي جعلت بوش
يختاره إلى جانب تسعة آخرين لنيل "ميدالية الحرية" الأميركية لهذا العام. لكن
الصحيح أيضاً أن "نجاح" شرانسكي في إشغال العرب بتلك الأفكار ونأيهم بعيداً عن
"إسرائيل" لتمكينها من معالجة ما تسميه "الخطر الديموغرافي" عن طريق استجلاب اليهود
إليها والحد من الهجرة المعاكسة منها و"الإجهاز على حق العودة للاجئين
الفلسطينيين"، كانت الأسباب الأهم والأبرز التي وقفت وراء ذلك الاختيار.
فمن فرط
حبه ل"إسرائيل"، حرص الرئيس الأميركي جورج بوش على عدم تفويت مناسبة عامة أو خاصة
أو ادخار جهد دون التعبير عن دعمه ومساندته لها والدفاع عن سياساتها، حتى لو استدعى
ذلك تغيير القوانين الانتقائية أو تأويلها وتفسيرها بالكيفية التي تريد والتي تخدم
مصالحها، ولا غضاضة عنده إذا اقتضى الأمر تضمينها معايير خاصة مثل معايير نتان
شرانسكي الثلاثة "الشيطنة، الازدواجية وإلغاء
الشرعية" الخاصة بدعاوى "معاداة
السامية".
وباعتبار أن شرانسكي صهيوني ويميني متطرف مخلص ل"إسرائيل" ومن يدعمها ويساعدها
ويدافع عنها، فإنه يتمتع بحظوة خاصة لدى جورج بوش تجعله من وجهة نظر خاصة وضيقة
"مؤهلاً لنيل ميدالية الحرية"!! فحب بوش لشرانسكي الذي استدعى منحه الميدالية هو من
حبه ل"إسرائيل"، تماماً مثلما كان حبه للإرهابي آرئيل شارون عندما استدعى منحه لقب
"رجل سلام". وكل شيء عند بوش يهون من أجل "إسرائيل"!! فهل ثمة من لا زال يراهن عليه
وعلى "نزاهته" في بلادنا التي ذاقت الأمرين منه ومن سياساته الغريبة العجيبة؟
أليس بوش رجل "إسرائيل"
في البيت الأبيض ومن حقه، لا بل من واجبه أن يكافئ كل المتطرفين فيها!!
*كاتب
عربي مقيم في الدانمرك
kawashmahmoud@yahoo.co.uk
kawashmahmoud@hotmail.com