30/03/1428
|
سقط الغزاة وبغداد لم تسقط
بقلم : علي الصراف قبل أربع سنوات قيل إن عاصمة الرشيد "سقطت" تحت سنابك الغزاة. ولكن بعد أربع سنوات ثبت أن الغزاة هم الذين سقطوا وبغداد لم تسقط، ولا سقط شهداء بسالتها. فبغداد تقاوم، كما لم تقاوم مدينة من قبل. وشهداؤها يعتلون المشانق ويمتطون صهوة الموت كما لو انهم ذاهبون في نزهة. يسبحون بحمد ربهم. وعلى عتبة الموت يقفون خاشعين، بقلوب من حديد، يطلبون جنات النعيم، ويسألون لنا الرحمة. حتى صارت شهادتهم عيدا على أعتاب كل عيد، يفرحون له، ونفرح لهم به، ونسأل الله ان نلقاهم مؤمنين، ومثلهم خاشعين. وبغداد تقاوم. أطفالها ورجالها ونساؤها وشيوخها يجوعون ويتشردون ويعتقلون ويعذبون ويغتصبون، ولكنهم يقاومون. بلحمهم الحي، قبل المتفجرات والبنادق. بالوقوف امام الموت أبطالا، ليس كمثلهم أبطال. يجاهدون بالصبر، ويجاهدون بالسعي وراء لقمة العيش، ويجاهدون بالتضامن ونكران الذات، كما يجاهدون بالصاروخ والقذيفة والقنبلة. كنا نعرف وكانوا يعرفون، ان في كل عراقي شريف يوجد شهيد مثل صدام حسين. وكل واحد منهم، باستعداده للموت من اجل شرف العراق ووحدته وسيادته، يستحق ان يحل محله. وأن يتشبه ببسالته، فيبقيه، ويبقى معه، حيا الى الأبد. وكان هذا هو العراق. وها هو اليوم يثبت انه عراق مجاهدين وأحرار. ماجدات ونشامى كانوا هم أنفسهم أسلحة الدمار الشامل. ولئن لم يعثر مفتشو الدعارة الدولية عن أسلحة دمار شامل فلأنهم كانوا يفتشون في المكان الخطأ، ولم يروا ان في قلوب العراقيين وعقولهم وضمائرهم ما يجعل كل واحد منهم صاروخا وقذيفة وقنبلة. وها هم اليوم يرون. وسيرون من الجحيم ما لم يره أحد من قبل. ولئن صار الجنون والاضطرابات العقلية يصيب (حسب الاحصاءات المعلنة) نحو ثلث قواتهم، فانهم سيهربون مجانين ومشوهين ومعاقين تماما ليكونوا جيوشا من الهستيريا المطلقة، وليدفعوا هناك، في أوطانهم، بقية الثمن من أعمال القتل والانتحار والموت البطيء. وبغداد تقاوم. وتجر وراءها أخوات كثيرات من مدن جهاد وصلابة وحرية. كل واحدة منها مثل الجحيم على الغزاة وعملائهم، كلما ألقيت فيها حطبا، قالت: هل من مزيد؟ اما الغزاة وعملاؤهم وانجاسهم (الذين اكتشفوا انهم "شيعة" أولا، أو "سنة" أولا، أو "أكراد" أولا، وليسوا عراقيين أولا) فانهم يتساقطون. والى الجحيم يذهبون. كالذباب يتساقطون، جنبا الى جنب صفويين وصهاينة وصليبيين، يلاحقهم العار، ويلوذون بالفرار، بما وهب الاحتلال وما نهب. تبت يدا ابي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. في جيدهم حبال مشانق. ويتوسلون دبابات الاحتلال أن تبقى لتحميهم وتحمي خستهم ونجاستهم وعارهم. ولكن بغداد الرشيد تقاوم. حتى أصبح كل حي وشارع وزقاق فيها جحيما تحت أقدام الغزاة، ومكمنا لاصطياد البغاة، وفضح العملاء الطائفيين، من أبناء العلقميين، وأتباع المجوس، وكل الذين هم عار على الدنيا، عارهم على الدين. فبغداد لم تسقط. وهل سقطت، من قبل، مدينة تقاوم؟
× × ×
بالحقد المجرد جاءوا، وبالأكاذيب، وبأسلحة من كل نوع، من اجل أن يقهروا بلدا لم يعجبهم ان يروه قويا وغنيا وحرا. حاصروه. جوعوه. قتلوا الملايين من أطفاله. سرقوا أمواله. وانهكوه على امتداد 12 عاما متواصلة، لكي تكون غزوتهم نزهة. ولكي يبدو احتلالهم متنفسا بعد خنق طويل على أساس "النفط مقابل الغذاء". وبعد اربع سنوات، لا النفط بقي ولا الغذاء جاء. وظل الملايين، فوق حرمانهم، ملاحقين بالاعتقالات والتعذيب والقتل على الهوية. تهدم مساجدهم، وعلى أعمدة النور يعلقون. وصاروا، في بلدهم وخارجه، مشردين، بينما ينهب عملاؤهم "وطنهم" كما لم ينهب أي لصوص في التاريخ. "ارتكبنا أخطاء"، يقولون. "حل الجيش، كان خطأ"، يقولون. ولكنهم، حتى بعد الاعتراف بالخطأ، يواصلون محاكمة قادة هذا الجيش، وبالاعدام يحكمون. "منح السلطة لاحزاب موالية لإيران، كان خطأ"، يقولون. ولكنهم لم يلاحظوا ان "المنح" ليس تلك الـ"ديمقراطية" التي يزعمون. "اجتثاث البعث، كان خطأ"، يقولون. ولكنهم لم يقولوا لماذا فشلوا بكل ما يملكون من قوة الاحتلال ووحشية عملائه. فاذا كان البعث بتلك القوة والنفوذ، فانهم لم يقولوا من أين جاءت "ديمقراطيتهم" بكل ذلك الحشد من الإمعات والأفاقين الذين فشلوا في اجتثاث نفوذ "الدكتاتورية"؟ "اعادة الاعمار لم تحقق اهدافها، وكان ذلك خطأ"، يقولون. ولكنهم لم يقولوا كيف تمكن "اعادة الاعمار" فوق ثقافة نهب، وفوق احتلال قام بالأساس على احقاد مجردة وكراهيات خالصة وأكاذيب؟ ولم يقولوا كيف يمكن لـ"إسمنت" النصب والاحتيال، ان يكون أساسا لأي إعمار؟ ولم يقولوا كيف يمكن للصوص ان يقيموا مركزا للشرطة؟ "اعدام صدام، في فجر عيد، كان خطأ"، يقولون. ولكنهم في فجر ذلك العيد سلموه لجلاوزة مليشيات طائفية، وكأنهم لا يعرفون المواعيد، وكأن رئيسهم لم ينفذ وعده بتنفيذ الاعدام قبل نهاية العام، وكأن مهزلة محاكمته لم تكن من صنعهم. وظلت حكومة فيشي، في جمهورية فيشي، المقيمة في مربع فيشي، عاجزة عن الخروج من منطقتها الخضراء. وعاجزة عن توفير الأمن لنفسها، وعاجزة عن القيام بأي عمل من أعمال الحكومة، وعاجزة حتى عن تنظيم مؤتمر للحد من عجزها، على الرغم من كثرة "المانحين". فاذا كنت لا تستطيع ان تحل جيشيا او تجتث بعثا او تقيم حكومة، فأي غزو هذا الذي تكون قد جئت به؟ وكيف جاز ان تطيل أمده لسنوات أربع؟ أحرب عالمية هي ضد شيء لم يوجد، وتهمة لم تثبت، وهدف خطأ؟ ألم يكن الغزو نفسه، كله على بعضه، هو الخطأ؟ ولكن حتى اذا بدا الغزو خطأ، وحتى إذا بدا الانسحاب هو الإصلاح الوحيد الممكن للخطأ، فانهم يقولون اليوم ان الانسحاب هو الآخر "خطأ"، لانه سيترك من لا نستطيع حمايتهم من دون حماية. وسنترك البلد، الغارق في حرب أهلية من صنع الاحتلال، غارقا في حرب أهلية من صنع نفسه. فأي لعنة تلك التي ترتكب أخطاء جسيمة، ويكون حتى إصلاحها نفسه، خطأ أيضا؟ وفي الواقع، فانها لعنة الحقد الذي جاءوا به ليقتلون ويعذبون ويغتصبون. لعنة السحر الذي انقلب على الساحر. ولعلها "لعنة أكد" تلك التي سيصبح بها دمار العراق دمارهم، وأذى العراقيين، رعايا الله الأوائل، أذاهم، وممزقها ممزقهم. فبغداد تقاوم. وستظل تقاوم. ولسوف تقبل واشنطن بالهزيمة، وتسقط . وبغداد لن تسقط. لا لشيء، إلا لأنها قلب ينبض بالمروءة والشرف، وإلا لأنها ضمير حي، وإلا لأنهم، في المقابل، وحوش ومجرمون وأنذال بلا قلب ولا شرف ولا ضمير.
× × ×
كيف تسقط مدينة تقاوم؟ وكيف لا تنقلب الأحقاد ضد ساحرها؟ وكيف لا تلتف الحبائل؟ وكيف لا يقع في البئر من كان يوغل في حفرها؟ وكيف ينجو من عقاب الله من دمر أرض الله الأولى وأحاط بالفقر والحرمان شعبه الأول؟ وستنزل "لعنة أكد"، على عملاء الاحتلال أولا، قبل ان تغرب شمس امبراطورية الصليبيين وتجرف معها، في سيل عظيم، مملكة الصهاينة، وتعيدهم، من حيث جاءوا: مزبلة الخرافات وعفن الأساطير. وتكون بغداد، وأخواتها المجاهدات، على الغزاة وعملائهم، مثل الجحيم، كلما ألقي فيها حطب، قالت: هل من مزيد؟ وستردد بغداد الرشيد فيهم "لعنة أكد" نشيدا، لعلهم يسمعون: "يا من تعديت على حرمة هذه الأرض وهدمت بيوتها والمعابد، ستُطمَر بساتينك وتموت مواشيك، ولا يجد النائم في أرضك دثارا ولا الهارب من لهيب الشمس ظلا. ستتبدل أحجار بيتك لعنات عليك، فتذبح الأم في شعبك أبناءها والزوجة زوجها والوالد ذريته. عشر بقرات يرضعن طفلك الناجي من جرم أبيه ولا يشبع، وأنهار تسقي زرعك فلا يرتوي، وتصبح معابدك مأوى للثعالب، ويغطي القصب والأحراش مجاري ملاحتك، وتعج مراسيك بالأفاعي والديدان وعقارب الجبال، فمن نجا من هذا العذاب يهيم على وجهه كالبهائم". وسيرسل الله (انليل، حسب اسمه الأول) جحافل المجاهدين (الكوتيين، حسب الرواية الأكدية) لينتقموا من جنود الملك "نرام سين" (2291-2255 ق.م) الذين هدموا جدران المعبد بالفؤوس وانتهكوا حرماته. فتدور على الباغي الدوائر. وتعود الحبال لتلتف حول صانعها وتكون مجزرة. وتكون قصيدة: "قوم لا يخضعون، وبلاد لا يحصى أهلها بلاد الكوتيين، بلاد لا يُكبح جماحها هؤلاء جاء بهم "أنليل" من الجبال فغطوا الأرض بأعداد ضخمة كالجراد فلم يفلت من يدهم أحد، ولم يهرب من يدهم أحد فلا رسول على الطريق، ولا ملاح في قاربه في النهر ومداخل المدينة أصبحت أبوابها تحت التراب وأطلقت البلاد صرخة حزن من داخل أسوارها". فانتقام الله لا قبله ولا بعده على الغزاة وعملائه وانجاسه الطائفيين. وستظل بغداد وأخواتها تقاوم، وتطالب بالمزيد، حتى يطلُ من فجر العيد.. عيد.
|