12/03/1428

 

تجربة الإحتلال مهما طالت سنينها فهي ُتعلم وتدفع أبناء الشعب على المقاومة وليس العكس ..!

 بقلم : د.عبد الله شمس الحق

 

أن تفوق القوة المادية شئ وتفوق القوة الروحية شئ آخر ومختلف ، فالقوة الأولى هي منظورة وترتبط بالمادة وتستمد عناصر المكونة لها من عوامل مادية - تقنية وإقتصادية ومالية ...الخ والمادة يمكن لها أن تنهار عناصرها المكونة واحدة تلو الأخرى إن لم تنهار بشكل مفاجئ بشكل شمولي .. ويمكن للقوة المادية أن يُساء إستخدامها مهما كانت فائقة الدقة في التأثير لتنعكس سلبا على مستخدميها والقائمين على التحكم بها .. بل هي كذلك تبلغ عدم الإتقان والتأثر طرديا كلما زاد إضمحلال القوة الروحية في نفس الإنسان في مبررات إستخدامها ..! وها هي اليوم القوة الأميريكية وحليفاتها في العراق خير دليل في الأنهيار وتأرجحها في قدرة وإمكانية الصمود بإنهيار معنويات أفراد علوجها بسبب عدم إيمانهم المتزايد بالمبررات الموجبة لغزو العراق ووجودهم فيه ..

أما القوة الروحية هي غير منظورة وتستمد عناصرها المكونة لها من عوامل تتراوح بين العاطفة وحب المحلة والزقاق وأهل الحي والشعب والولاء للوطن والإنتماء للأمة والتراث والأنتساب للعقيدة الدينية وأحكامها وما شابه ذلك ... وهي لا تتأثر بالمادة إنما تؤثر عليها وتتأثر بها عكسيا في التنامي كلما فسد إستخدام المادة في إتجاه سلبي من قبل الطرف الآخر في المواجهة .. ولها القدرة في أن تتزايد وتتصاعد في التأثير في نفوس حامليها بإفراط حد إسترخاص النفس .. وليس هناك ما يثبت على مستوى جميع الدراسات والتجارب الإنسانية إنهيار كل عناصرها دفعة واحدة وغيابها في نفوس البشر ولكن قد يكون صحيحا خفوت بعض عناصرها لدى فرد ما وليس كلها وبنفس المستوى لجميع العناصر .. والقوة الروحية لا يمكن لنا قياس حدودها ومداها كبشر بظاهر السلوكيات وبشكل مطلق لإن الأخيرة هي كذلك من الصعوبة أن تتخذ كوسيلة حاسمة ودليل حاسم على تحديد النوايا الحقيقية في داخل كل فرد .. ولإنها هي من إختصاص العليم بذات الصدور الخالق وليس العبد المخلوق ..

أن القوة الروحية لا يمكن تدميرها تدميرا شاملا من قبل أعتى قوة في الأرض لأنها كامنة في النفوس ولإنها موجودة في داخل كل فرد وليست محصورة في مواقع محددة أو معينة كالقوة المادية .. التي تخزن في المصانع والمعامل والمعسكرات والمعدات وغيرها لتقصف أو تفجر إنما مستودعها الوحيد هو الصدور حيث حتى لا يمكن الكشف عنها بأرقى تقنيات الصور الشعاعية والأقمار الصناعية ..!!

القوة المادية إن تسبغ مجموعة مالكيها بمستوى واحد من طابع القوة الظاهرة في الصمود أو طابع الإنهيار عند الهزيمة .. لكن القوة الروحية لا تفعل نفس هذا الأداء الظاهر في المجموعة الواحدة ولا تسبغ حامليها بسبغة من مستوى واحد و معلوم وبائن مهما بلغ النصر بها أو الهزيمة .. بل ربما يدفعها حتى الهزيمة الى حالات أقوى في الصمود من خلال الإنتقال الى حالة نادرة وعكسية في التضحية إستجابة لضرورات الأيمان بالنصر .. ثم رغم -القوة الروحية- تبقى مختلفة ومتباينة في الدرجة أو المستوى بين أفراد الناس فمديات عطاءها في التضحية وقوتها الفردية المؤثرة تختلف من إنسان الى آخر .. لكنها تؤثر على بعضهم البعض الآخر بفعل تأثير العطاء القوي على العطاء الضعيف بين حامليها ..!! فإن كان إستخدام القوة المادية تتفاوت في  بين فرد وفرد رغم تساوي مقدار القوة المستخدمة بين أيديهم .. ألا أن قدرة الإنسان في القوة الروحية تتباين بين شخص وآخر على أساس الإيمان الروحي الديني والعقائدي ومدى تحفيزات العوامل الروحية الأخرى كالحب والعاطفة الفاعلة في ذات الفرد في إرتباطه بالمحيط الإجتماعي والوطن .. وثم كيفية عملها على تحفيز الأنسان الفرد نحو تحديد مديات العطاء الذي يمكن أن يقدم عليها من أجل ما يحب ويؤمن وينتمي .. فهي- أي اقوة الروحية- لا يمكن لها أن تتساوى أو تثبت في المقدار والوجود بين الأفراد كما هي في القوة المادية .. لكنها ممكن أن تتسامى في لحظات الى درجات أعلى .. فعلى سبيل الإجابة والتوضيح – نقول أن ليس كل الناس قادرين على إستخدام أية قوة مادية في ذات المستوى .. فمثلا –  بندقية من نوع معين لا يمكن أن يستخدمها مجموعة أشخاص بنفس المستوى المؤثر والتصويب رغم إنه سلاح- قوة مادية- من نوع واحد وذات المميزات والمواصفات بيد أفراد المجموعة المكلفة في التصويب نحو الهدف .. لكن القوة الروحية يمكن لها أن تدفع في التأثير بين شخص وآخر على مستويات مختلفة من سلوكيات التضحية وبضمنها هي التي تتحكم بفاعلية إستخدام القوة المادية ونجاح أو فشل إستخداماتها .. فالقوة الروحية- الإيمانية الدينية- الموجودة في نفس إنسان قد تدفعه على الإستشهاد في أية لحظة وهو متمنيها أو غير متمنيها .. وقد تكون في أنسان آخر القوة الإيمانية الروحية الدينية ضعيفة وقد لا تدفعه الى ذات المستوى من تمني الشهادة .. أوربما لعوامل نفسية ترتبط بخوفه من الموت أولعوامل أخرى مثل عدم وجود مميزات الشجاعة الكافية في تكوينه البدني والنفسي ترتقي الى مستوى حمله للعقيدة الدينية أوالأنصياع التام لأحكامه .. لكن هذا لا يمنع من أن يتخذ النموذج الأخير سبيلا من نوع آخر في التضحية أو البذل والعطاء ولكن لا يرتقي الى مستوى النموذج الأول حد الشهادة وفق عنصر الدين المكون للقوة الروحية الجهادية في داخل نفسه ..!! وقد يكون النموذج الثاني يرتقي الى مستوى محفز آخر من عناصر تكوين القوة الروحية في شخصه وهو محفز أقل من مستوى محفز العامل الديني أو عنصر الدين .. الدافع بفرد ما الى حد الإسترخاص للنفس في سبيل الله والوطن والشرف والمال ..!   

أن هذه الديباجة التي تقدمنا بها هي ليست من أجل ترفة فكرية أو مقالية بقدر ماهي محاولة للإجابة على ما كثر مما يُردد من ظنون في دواخل عدد كبير من أبناء شعبنا وأمتنا المجيدة في مختلف المنابر والجلسات ، إذ كثيرا ما صاروا يتسائلون مشككين حول مدى وطنية العراقيين من خلال حكمهم على الكم الظاهر من العراقيين غير المقاوم فعليا للأحتلال وأذنابه في ساحة المواجهة على مدى السنوات الأربعة الماضية ..!!؟

بدءا علينا أن نفهم ونتصور إرادة وقدرات الشعب العراقي على قتال ومواجهة المحتل وتبعيته لابد أن تتباين .. من خلال تصور درجات الأيمان لدى كل فرد من أفراد هذا الشعب .. وإستنادا لما يقول سبحانه تعالى في كتابه العزيز - ((لايكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما إكتسبت ...)) البقرة286 .. فالكسبة الأولى هي :- منزلة الإيمان في صدره وقدرته في تقديم  العطاء الذي له أجره على أساس مدى الإحتكام بقواعد هذا الإيمان الموجبة مقرونا بمدى العطاء والتضحية التي يقدم عليها العبد الفرد .. والكسبة الثانية هي :- تلك التي يكتسبها الإنسان ما لنفسه ليحق عليه على ضوءها ما سيكتسب من سوء نحو الشر ..! وثم أن هذا لاينطبق على العراقيين فقط إنما ينطبق بشكل عام على كل البشر ..! إذن الموضوع هنا ليس قاصرا بالعراقيين فقط ليتباينوا فيما بينهم بمستوى التضحيات وإرادة القتال ..!

ومن هنا وليس بدافع التبرير وإيجاد الأعذار للمتقاعسين عن المقاومة الفعلية ...! ليس من المعقول التصور أن كل من لا يقاتل في السلاح هو متهاون مع المحتل !!؟ وببساطة يمكن إدراك ذلك حينما نتسآل السؤال التالي-

هل يشعر العراقي بعراقيته بشكل أكثر وأقوى أم إنه يشعر أكثر أميركية وإنها الأقوى في نفسه ..؟!  

لا نعتقد يختلف إثنان في أن العراقي مهما بلغ من إنعدام الإيمان بمعناه الروحي الديني يشعر بإن عراقيته أقل من الإفتراض في الشطر الثاني .. رغم إفتراضنا أن شعوره بالعراقية لا يرتقي الى درجة الصفاء المطلوب لترتقي به الى درجة الوطنية الخالصة في التعبير السلوكي الآني ..!!

لأجل التوضيح أكثر يمكننا التساؤل بنمط آخر في أن - الألماني لا يمكن أن يشعر بإنه أوربي قبل أن يشعر بإنه ألماني وينتسب الى قومه ووطنه مهما بلغت الوحدة الأوربية به من ذوبان في العوامل الجغرافية والأقتصادية وغيرها ..!!؟ فهو سيبقى (ألماني) قبل كل شئ ..! وكذلك هو العراقي كأي مواطن وإنسان في أية دولة في العالم لا يمكن أن يشعر إلا هذا الشعور بالإنتماء القومي والوطني العراقي مهما تلخبط بأفكاره وتصرفاته ليبدو غير كذلك في السلوك الظاهر .. بل أن المواطن العربي أو المسلم بشكل خاص والشرقي بشكل عام يمكن أن يكون شعوره بالإنتماء أقوى من أي فرد غربي وأوربي رغم كل المآخذ المتصورة عنه في زمننا الحالي .. لإنه نشأ في بيئة ليست مادية صرفة .. وثم القومية والإنتماء القومي هو شعور غير إرادي وحي و((القومية حب قبل كل شئ)) وكما يؤكده القائد المؤسس المرحوم أحمد ميشيل عفلق ..

فالعراقي في تقديرنا المتواضع أصعب من سواه في أن يشعر بإنه تعولم أكثر من خصوصيته العراقية ..! والعراقي الذي لا يقاتل المحتل اليوم لا يعني أن ولاءه للعراق في داخله قد إنتهى أوتم طيه الى الأبد ..! والعراقي الذي قد يتعامل مع المحتل وأجهزة الحكومة المنصبة من قبل المحتل .. لايمكن الحكم المطلق عليه أنه قد تنازل من وطنيته وولاءه للوطن وحبه للأمة إنما يمكن القول – أن جشعه وطمعه أو إنتهازيته أو ظروفه ومنهج تفكيره دفعته بهذا الأتجاه نتيجة ضعف بنيان عناصر تكوين القوة الروحية في داخل تكوينه الشخصي وتأثيرها العاجل في سلوكياته ..! و يعني هذا بالنتيجة وكما جئنا في بداية المقال : أنه يتصرف على مدى الإيمان أو من عدمه الموجود في نفسه ولكن ليس من أسا عدمية كل عناصر القوة الروحية إذ لايمكن القول أن أنتهاء أو عدمية الإيمان الديني الروحي في نفسه يعني إنتهاءا في الحب للمحلة والحي والجماعة التي نشأ وتربى فيها وأنتهاءا في ولاءه للوطن والقوم  .. أي إنه يتصرف على ضوء ما يكتسبه وليس على أساس ما يكسبه من أجر ومنزلة كما هو عند المؤمن وتفكيره الدائم والآني العاجل بنوعية عطاءه ، الذي قد يبلغ الإيمان في نفسه مستوى درجة التحريم والتعاطي مع كل ما ما يتعلق بمختلقات أوما يجده أو يخترعه الغازي في الوطن المحتل ..!! آخذا بجدية المؤمن المتكامل بسنة النبي الكريم (ص) على أساس ماجاء في الحديث الصحيح – ((من أعان كافر على مسلم بشطر كلمة كان كافرا جاحدا)) .. أو بما قاله أحد كبار شيوخ الإسلام في رده على أحد المتسآلين له بالقول – يا شيخنا أن لي عيال كثير فإني أعمل على إطعام خيل المغول كي أعيل عيالي من الجوع .. فما قولك فينا ؟! فأجابه الشيخ الجليل – ((أنت منهم ...)) ...! أي حالهُ حال العدو على أمته ..! ولكن لو تعمقنا على المستوى التفكير السياسي بهذا الرجل في المثال التأريخي هذا .. فإننا نجد أن ولاءه للأمة لم ينعدم في داخله رغم إنه كان يعمل على خدمة العدو من أجل اللقمة بدليل تساؤله ..!! لكنه كان قد أضر بولاءه للدين وإنصياعه لأحكام الكتاب والسنة النبوية الشريفة من خلال سلوكه غير المقبول مفضلا حاجة عياله وحبه إليهم على حاجة الدين ..!! ونحن نعلم إننا كبشر غير قادرون على معرفة النوايا في قلوب الناس .. وإلا ما كان لله أن يقول جل جلاله – ((أن الله عليم بذات الصدور))آل عمران119 ... وللمرء ما نوى ...!

وما هو المفيد لنا في كل ذلك الوارد أعلاه على مستوى التفكير الإستراتيجي في مقاومة المحتل وأذنابه وكسر الظنون في نفوس المشككين في النوايا الكامنة في نفوس العراقيين غير المقاومين ...؟!

المفيد هو أنه علينا أن لا نهمل الإدراك بكيفية التعامل مع أمثال هذه الشريحة من المجتمع .. طالما نجد أن هناك ولاء غير قابل للإنعدام الكلي في نفوس أفراد هذه الشريحة ، وإنه لابد وأن يشعروا بدرجات متباينة بعراقيتهم أكثر من كل شئ أخر وعلينا إستثمار هذا الشعور مهما كان ضعيفا وغير بائنا بل يجب تغذيته ليبدو نموه المطلوب من خلال تفعيل شعوره وإحساسه بمأسي وخطورة المحتل كلما سنحت الفرصة لذلك .. فعلينا أذن التريث في الحكم على أمثال هؤلاء بالشكل المطلق – طبعا - إلا بإستثناء أولئك (الطائفيين والصفويين) الذين لا يحملون الولاء في عروقهم للوطن والشعب العراقي من أساسه وهم باتوا مكشوفين رغم كل زمن التقية ووسائلها التي إتبعوها ردحا طويلا من الزمن ..! وهم لا يمكن أن يشكلوا نسبة كبيرة بين الشعب العراقي مهما دلت الظواهر السياسية الحالية في داخل الوطن على ذلك ، إنما هم يبقون نسبة قليلة جدا .. وربما آقل من مستوى (جدا) ومما نتصور قياسا الى مستوى تعداد شعب العراق وأصالة شعب العراق ..! بل يمكن القول أن وجود مثل هولاء الأقزام الطائفيين في(السلطة) ساعد بشكل كبير على منح الشكل العام لإنسياق السلوك الجمعي للمجتمع بمساعدة عوامل الأعلام والدعاية المقصودة للمحتل وأعوانه في أن يظهروا بهذه الصورة المضخمة لنسبتهم في داخل المجتمع العراقي ، وكي تبدو للأنسان العادي وكأنه فعلا أمام حالة من تشرذم طائفي في العراق لم يكن يحس أو يشعر به من قبل ..

وفي الحقيقة أن وجود مثل هذا الأحساس أو الشعور لدى أي إنسان يجعله أن يظلم ظلما شديدا تأريخ العراق وعظمة شعبه ومجده ، حينما لا ينظر نظرة شمولية لتأريخ العراق الطويل ويتعمق به بنظرة علمية وتحليلية .. وما عانى العراق لأجيال عديدة مضت من أكثر من أربعين غزوا على مدى تأريخه القديم والحديث .. وثم يستقرأ - ((كيف بعد كل غزوة كان يخرج منتصرا وأكثر تطورا مما سبقه ..)) - وكما أشار الى ذلك (شهيد الحج الأكبر القائد) في وجه دمى المحتل في إحدى جلسات (محكمة المهزلة) ... وأن كل غزوة من هذه الغزوات - إن لم تكن (فارسية محضة) كان لابد أن يرافقها (الفرس) بإشكال مختلفة متغلغلين الى داخل العراق بمشاركة الغازي ومعاونته ..! وصفحات التأريخ مليئة بالشواهد على ذلك ..!

فما قام به الصفويون – مثلا – في القرن السادس عشر في العراق وشعبه ربما لايقل درجة مما يفعلوه اليوم من مذابح ومجازر وجرائم وحشية عما يجري اليوم .! من حرق المساجد والكتابة السئية والمسبة لأصحاب الرسول (ص) على جدرانها ، والقتل البشع ونبش قبور الأولياء المحسوبين على(أهل السنة والجماعة) ...! ولكن ربما تختلف الجرائم بمجملها بشئ واحد هو عدم وجود النقل الصوري والمرئي لتلك الجرائم ... من هنا نشعر بأن جرائمهم اليوم هي أكثر بشاعة لعدم وجود ما يمكن مقارنته بين الزمنين في ذهن المواطن في الوقت الحاضر بالصورة والمشاهد الحية .. إلا عدا تلك السطور المكتوبة في صفحات التأريخ ، التي لا تنفع في المقارنة إلا لقارئيها ومطلعيها والمختصين فيها .. إذا ليس كل الشعب أو الناس يقرأون كتب التأريخ مثلما اليوم يطلعون على شاشات التلفاز وأجهزة الأعلام المختلفة ..!!

 وما يمكن أيضا أن يفيدنا من هذا التصور ونحن نقاوم المحتل اليوم ، حول عدم إمكانية (إنعدام الولاء للوطن) في نفس المواطن العراقي مهما إنعدم عطاءه القتالي من خلال كل ما تقدم .. هو أن نبقى متفائلين في قدرات الشريحة من الشعب العراقي غير المقاوم على مستويات أخرى في نظرتنا لأستراتيجية المقاومة في بعده الروحي الشمولي ..!! لإن هذه الشريحة في كل الأحوال رغم عجزها الظاهر ضد المحتل وربما متعاون معه .. لايمكن لها أن ُتهمل في عراقية المقاومة ونظرتها الأستراتيجية ، طالما أن الولاء للعراق والمجتمع موجود في داخل نفوس المحسوبين على هذه النسب ولا يمكن أن يبلغ مستوى الإنعدام التام بين كل العناصر المكونة للقوة الروحية ...!!

 وعلى ضوء مبدأ أن – هذه النسبة كشريحة إجتماعية عراقية (غير المقاومة) مصيرها هو على أقل ما يمكن لنا تصوره في أسوء تقدير أنها - ميالة في ولاءها العراقي مع ولاءات جميع من يقاتل المحتل وأذنابه من العراقيين وإن لم تتوازى معها في رد الفعل ضده ..!! ومن المؤكد أنه كلما زاد معاناة هذه النسب من وجود المحتل وأتباعه كلما إقتربت هذه النسب من عملية إحتضان المقاومة وربما حتى الإنجرار إليها وخدمتها .. وما تصاعد وتيرة المقاومة كما ونوعا يوما بعد يوم إلا دليلا على صحة ما ذهبنا إليه ، وهي أن مثل هذه النسب بدأ تزايد أنضمامها لبقية المجتمع الذي يشكل حاضنة المقاومة المجاهدة ..! والدليل الملموس على هذا التطور هو ما يمكن ملاحظته من خلال مواقع المقاومة والزيادة الطارئة في عدد ناقلي الأخبار والصور والمشاهد الحية والأخبار من داخل معسكرات ومعاقل المحتل ومناطق تواجد عناصر الحكومة العميلة وحتى من داخل السجون وكذلك في تزايد قوة الأختراقات لحصون المحتل وأعوانه .. ولولا أمثال هؤلاء لما عرفنا ما يدور على الأقل بشكل تفصيلي ما يدور في مجرات ودواليب المحتل وأعوانه ..!!

إذن إن دل هذا على شئ آخر فإنما يدل على أن المقاومة تزداد نجاحا في إختراق صفوف العدو أكثر مما حلم به العدو وسخر من جهود وأموال في إختراق صفوف المقاومة .. لإن تجربة الإحتلال مهما طالت سنينها فهي ُتعلم وتدفع أبناء الشعب على المقاومة وليس العكس .. ولأن المواطن في الوطن أشبه بالطالب في المدرسة التي تعلم الطلاب على المعرفة رغم تباين مستوياتهم الذكائية ورغباتهم في الدراسة .. فمهما بلغ الطالب من كسل وغباء وتمرد على الدراسة في المدرسة لكنه لابد أن يحصل على قدر من العلم والمعرفة تفوق أي آخر وهو خارج المدرسة ومهما قلت نسبة ما حصله من المعرفة في المدرسة التي لم يكن يرغب بها أو الإنتساب إليها من أساسه ... بل وكثيرا ما أمثال الطلبة الفاشلون في صغرهم في المدرسة هم أكثر الناس تألما وحسرة وشوق في العودة للمدرسة عند الكبر!!

عندها أي عند الساعات الحاسمة لتحرير الوطن وتطهيره من المحتل وعملاءه .. سنجد أن عموم شعب العراق هو ضد المحتل ظاهرا وليس باطنا .. بسبب ولاء الوطن الكامن والمستور في نفوس العراقيين وشعورهم المحتم بإن عراقيتهم هي أكثر من أي شعور غريب آخر يعمل على إستعبادهم وتشتيهم وتمزيق وحدة عراقيتهم ..!! ولأن الولاء للوطن وحب الحي وأهل المحلة والمدينة في داخل الأنسان كل منها هي من العناصر المكونة للقوة الروحية غير المنظورة في داخل الإنسان ولكل منها لها إيمانها ومحفزها الخاص ، ولابد لها أن تشتغل في داخله لتدفعه عاجلا أم آجلا ، لأنه لا يمكن لها أن تنهار بسهولة وإن تسترت وخفت في حين أو لحين ..!!   

                              

إلى صفحة مُشاركات الزوار3