|
بسم الله الرحمن الرحيم 27/04/1429 عروبة العراق على مائدة اللئام رايس تتحدث عن عروبة العراق والقومية العربية.. كيف؟!.. ولماذا؟
ماذا قال بوش لشيراك عندما حذره من التقليل من شأن القومية العربية؟ بقلم: السيد زهره * موقع النهى* هذه من عجائب السياسة فعلاً.. فجأة، وجدنا وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس تتحدث عن عروبة العراق وعن القومية العربية.. فجأة، وجدنا رايس تتحدث وتقول لنا أن العراق جزء لا يتجزأ من العالم العربي وعضو مؤسس في جامعة الدول العربية!!.. تحدثت رايس عن الخطر الجسيم الذي يتهدد عروبة العراق وقوميته العربية وعلاقاته بمحيطه العربي بسبب النفوذ الإيراني والتدخل الإيراني في شءون العراق.!!! وجهت انتقادات حادة إلى الدول العربية واتهمتها بالتقاعس عن الدفاع عن عروبة العراق!! وقالت أنها سوف تمارس ضغوطاً على الدول العربية كي تعيد السفراء وتفتح سفارات في العراق، وكي تقوم بدورها في مواجهة النفوذ الإيراني وتعزز عروبة العراق!!. الذي يسمع هذا الكلام الذي قالته رايس، ويقوله أيضا مسؤولون أمريكيون آخرون، يتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت بقدرة قادر أكثر حرصاً على عروبة العراق من كل الدول العربية، ويتصور أن المسؤولين الأمريكيين أصبحوا مدافعين شرسين عن القومية العربية. ما هذه الحكاية الغريبة بالضبط؟ القضية على أي حال تستحق النقاش. *** الحرب على العروبة لماذا يعتبر هذا الكلام الذي تقوله رايس ويقوله المسؤولون الأمريكيون اليوم عن عروبة العراق وعن القومية العربية كلاما غريبا جدا؟ لأنه ببساطة شديدة يتناقض مع كل الخطاب الأمريكي ومع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ومع كل ما فعله الاحتلال بالعراق. حين قامت أمريكا بغزو واحتلال العراق، لم يكن خافيا على أحد أن أحد الأهداف الكبرى للغزو والاحتلال محاولة القضاء على عروبة العراق، وفي إطار حرب على العروبة بشكل عام، هذا الهدف كان واضحا تماما في أذهان المخططين للغزو والاحتلال. بعبارة أدق، كان هذا الهدف يندرج في إطار تصور استراتيجي وسياسي واضح ومحدد، باختصار نشير هنا إلى ثلاثة أبعاد في التفكير الاستراتيجي الأمريكي قبل الغزو وبعده، كلها كانت تقود إلى اعتبار أن محاولة القضاء على عروبة العراق ومحاربة العروبة في المنطقة عموما هدف استراتيجي أمريكي: أولا: اعتبار أن القومية العربية هي أيديولوجية متطرفة وعنصرية، وأنها احد الروافد الكبرى التي تغذي العداء لأمريكا و"اسرائيل" والغرب عموما، وتغذي النزعات والمواقف المتطرفة. إذا رجعنا إلى التحليلات الاستراتيجية الأمريكية قبل الغزو وبعده فسوف نجد سيلا من التحليلات التي تؤكد هذا الجانب باعتباره أحد الأهداف الأمريكية الكبرى، وأحد أكبر العوامل التي تبرر من وجهة نظرهم الغزو والاحتلال أصلا. ثانيا: اعتبار أن السنة في العراق هم حاضنة الفكر العروبي بما يمثله من خطر على هذا النحو الذي يراه الأمريكان، وهم الذين يكرسون هوية العراق العربية وانتماءه إلى الوطن العربي وهو المطلوب القضاء عليه. ومن ثم، كان واضحا تماما في ذهن المخططين الأمريكيين منذ ما قبل الغزو وبعده أن أحد الأهداف الكبرى التي يجب أن يسعوا إلى تحقيقها العمل على إقصاء السنة نهائيا من السلطة في العراق، والحرص على ألا يكون لهم دور أو نفوذ في "النظام الجديد". ثالثا: وبالإضافة إلى هذا، فأن ما أسمي بأ"مشروع الشرق الأوسط الجديد" الذي طرحته الإدارة الأمريكية وترافق مع الاحتلال كان المقصود منه في جوهره كما هو معروف محاربة العروبة وأي اتجاه للتوحد أو حتى التكامل العربي على أسس قومية عربية. إذن كانت الحرب على العروبة في العراق وفي كل الدول العربية هدفاً أمريكياً واضحاً منذ ما قبل الغزو. *** الحرب في التطبيق منذ اليوم الأول لاحتلال العراق، لم تضيع الولايات المتحدة لحظة واحدة وشرعت فوراً في تنفيذ هذا الذي خططت له بمحاولة القضاء على عروبة العراق ومحاولة فصم عرى الروابط والصلات بينه وبين وطنه العربي الكبير. كيف فعلوا ذلك؟ الكل يعلم بالتفاصيل، نشير هنا فقط إلى الخطوط العامة فقط لما فعلوه. في البداية كان تدمير الدولة العراقية ومؤسساتها، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، تدميراً مقصوداً في نفس الوقت للهوية العربية الموحدة للعراقيين، ولمقومات الدولة الواحدة، بتدمير مؤسسات الدولة التوحيدية أراد الاحتلال أن يفسح المجال أمام كل دعاة التقسيم والتمزيق، وأمام صعود كل الهويات الطائفية والعنصرية التي هي بالضرورة على حساب الهوية العربية للعراق، ثم وضع الاحتلال الأسس والأطر السياسية لمحاولة التدمير الفعلي لعروبة العراق بشكل مباشر وصريح. كان الاحتلال هو الذي أدخل أسلوب ومفهوم "المحاصصة الطائفية"، وتحت مقولة الحصص النسبية لكل طائفة، تم تهميش دور السنة تماما، وصعد إلى كل المؤسسات الجديدة في ظل الاحتلال الطائفيون الذين معروف عنهم العداء المطلق لعروبة العراق ولروابطه بالوطن العربي. والاحتلال كان وراء صياغة ما أسمي بـ "الدستور العراقي الجديد"، والذي تنكر صراحة وعلناً لعروبة العراق وروابطه العربية، وأرسى أسس التقسيم على أسس طائفية لا مكان فيها للتوحيد الوطني. ولا يقل خطورة عن كل هذا في مسيرة الحرب المعلنة على عروبة العراق أن الاحتلال تواطأ عملياً مع إيران في محاولات القضاء على عروبة العراق، والمسألة هنا ليست بحاجة إلى تفاصيل، كل النفوذ الإيراني في العراق ومحاولات السيطرة على مقدراته، التي تشكو منها أمريكا.. كل هذا ومنذ اليوم الأول للاحتلال، تم تحت سمع وبصر سلطات الاحتلال، وبمعرفتها التامة بكل التفاصيل، وبرضاها. كانت سلطات الاحتلال تتعامل مع القوى الموالية لإيران في العراق على اعتبار أنهم "حلفاء طبيعيون" في "عراق الاحتلال الجديد". كان الاحتلال يعتبرها عوناً أساسياً في القضاء المطلوب على عروبة العراق ووحدة ترابه الوطني في إطار عربي. عندما كانت إيران تمول وتسلح الميليشيات التابعة لها، كانت سلطات الاحتلال على علم تام بذلك، وغضت الطرف نهائياً عنه. وعندما قامت هذه الميليشيات بعد ذلك بشن حملات التطهير العرقي والطائفي وارتكبت ما ارتكبت من مذابح، كان كل هذا بعلم الاحتلال وبرضاه. وحين كرست كل هذه القوى الطائفية والعنصرية التي أصبحت لها الكلمة العليا في العراق خطابها الطائفي المعادي لعروبة العراق وروابطه بوطنه العربي، كان هذا مصدر ارتياح بل سعادة من سلطات الاحتلال وأركان الإدارة الأمريكية، فقد كان هذا هو المطلوب. بهذا المعنى نقول أن أمريكا تواطأت عملياً مع إيران في كل محاولات القضاء على عروبة العراق، وفي كل محاولات محاصرة وتصفية الخطاب العروبي والقوى التي تتبناه. وبالتوازي مع كل هذا، بدأ مخططو الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة يتحدثون عن استراتيجية جديدة قوامها "إعادة رسم خريطة المنطقة" سياسياً وجغرافياً على أسس طائفية وعرقية جديدة. كان جوهر هذه الاستراتيجية، ولا يزال في الحقيقة، هو إيقاظ المشاعر الطائفية وتفجير الصراعات الطائفية تمهيدا لرسم خريطة جديدة للمنطقة. الهدف الاستراتيجي هنا كما هو مفهوم القضاء نهائياً على أي إمكانية للتكامل أو حتى التقارب بين الدول العربية على أسس من المصلحة القومية العربية، ليس هذا فحسب، بل القضاء على الدول العربية القائمة ذاتها، وإنشاء دويلات على أسس طائفية انعزالية في ظلها تموت العروبة نهائياً. الأمر إذن كما نرى، أن الحرب على عروبة العراق ومحاولة القضاء عليها، والحرب على القومية العربية في المنطقة عموما، كان هدفاً استراتيجياً أمريكياً وواضحاً، وفي سبيل تحقيقه لم يترددوا في فعل كل ما يستطيعون بما في ذلك التواطؤ الفعلي مع إيران على ساحة العراق. نريد أن نقول أنهم حاربوا عروبة العراق وحاربوا القومية العربية عن وعي كامل، المقام لا يتسع هنا إلى إيراد تحليلات استراتيجية أمريكية تفصيلية طرحت هذا الذي ذكرناه بوضوح وتفصيل. نشير مثلا إلى الواقعة التالية: بعد احتلال العراق بأشهر قليلة، التقى الرئيس الأمريكي بوش مع الرئيس الفرنسي السابق شيراك، شيراك حدث بوش مطولاً عن القومية العربية عموماً في العراق وفي المنطقة، كان ملخص رأيه أنه حذر بوش من الاستهانة بالمشاعر القومية العربية في العراق والتقليل من شأنها وما يمكن أن تفجره من رفض ومقاومة للاحتلال، وحكى شيراك لبوش تجربته مع هذه المشاعر القومية العربية وما يمكن أن تفعله في الجزائر قبل أربعين عاماً حين كان ضابطاً كي يدلل على وجهة نظره. فماذا كان رأي بوش؟ بوش قال لشيراك "إنني لا استطيع أن أوافقك الرأي يا جاك.. إن العراقيين يحبوننا، لقد حررناهم من ديكتاتور دموي، والقلة القليلة التي تحاربنا اليوم هم إما بقايا من النظام السابق وإما إرهابيون من الخارج الذين يكرهون الحياة نفسها".!! كان بوش يريد أن يقول لشيراك كما هو واضح أن القومية العربية في العراق لم يعد لها معنى ولا دور ولا قيمة. *** ما الذي استجد إذن؟ إذا كان هو موقف إدارة بوش من عروبة العراق، وموقفها من القومية العربية وما فعلته من حرب معلنة مفتوحة عليها، فما الذي استجد إذن؟ ما الذي استجد كي تتحدث رايس اليوم عن عروبة العراق وعن القومية العربية؟ ما الذي استجد كي تدعو إدارة بوش الحكومات العربية كي تهب دفاعاً عن عروبة العراق وترسل السفراء وتتصدى للنفوذ الإيراني؟ نحسب أن الإجابة واضحة يعلمها الكل. القضية هنا باختصار أمران: الأول: أن الولايات المتحدة اكتشفت بعد سنوات الاحتلال هذه، أنها بغبائها الاستراتيجي سلمت مقادير العراق وإلى حد كبير إلى إيران والتابعين لها. اكتشفوا أنهم دفعوا ثمناً فادحاً لتصفية نفوذ السنة، ولمحاربة الاتجاه العروبي لحساب الطائفيين، ولمحاولات فصل العراق نهائياً عن محيطه العربي. اكتشف الأمريكان أنه بسببهم، انتهى الأمر إلى أن أصبح العراق عملياً وبمعنى من المعاني رهينة بيد إيران تستخدمها في صراعها مع الولايات المتحدة، واكتشفوا بالطبع أن طموح إيران لا يقف عند حد العراق، بل هم يعتبرون العراق مجرد محطة واحدة في اتجاه السعي للهيمنة على مقدرات المنطقة وإزاحة الوجود والنفوذ الأمريكي. والثاني: أن الولايات المتحدة بناء على كل ذلك أعادت رسم استراتيجيتها، على الأقل في بعض جوانبها، بحسب هذه التعديلات في الاستراتيجية الأمريكية، أصبحت إيران هي العدو الأول لأمريكا في العراق وفي المنطقة، وليس "تنظيم القاعدة" ولا أي أحد آخر. بحسب أركان الإدارة الأمريكية، فإن إيران تخوض اليوم حرباً بالوكالة ضد أمريكا في العراق على نحو ما، قال الجنرال بترايوس في شهادته أمام الكونغرس وغيره من القادة الأمريكيين. في إطار هذين الجانبين بالضبط، يأتي حديث رايس وغيرها من القادة الأمريكيين عن عروبة العراق وعن القومية العربية وعن الدور الذي يريدون من الحكومات العربية أن تلعبه بإرسال السفراء وغير ذلك. هم يريدون ببساطة من الحكومات العربية أن تخوض حرباً سياسية بالوكالة عن الاحتلال في العراق ضد إيران. هم يريدون بعبارة أخرى، تحويل الحكومات العربية إلى "ميليشيات سياسية" في العراق في إطار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الصراع مع إيران. وبالطبع اكتشفوا أن أفضل مدخل لإقناع الحكومات العربية بلعب هذا الدور هو الحديث عن عروبة العراق المهددة، ودغدغة مشاعر الرأي العام العربي بالحديث عن القومية العربية. *** ما هي المشكلة؟ قد يقول البعض: لنفترض أنه رغم كل هذا، أن الإدارة الأمريكية اكتشفت أخطاءها في العراق وخصوصاً من زاوية محاولة القضاء على عروبته وانتمائه بمحيطه العربي، وأنها تريد إصلاح هذا الخطأ، فما هي المشكلة بالضبط في أن تتعاون معها الحكومات العربية وتقوم مثلاً بإرسال السفراء إلى العراق؟ المشكلة هنا ثلاثة أمور كبرى: أولاً: أنه مع كل هذا الحديث الأمريكي عن عروبة العراق والخطر الذي تتعرض له، فأنه لم يتغير أي شيء في العراق يمكن أن يشير إلى أي جدية أمريكية بهذا الخصوص، نعني أن "الحكومة" القائمة في العراق اليوم، والتي تريد أمريكا من الحكومات العربية أن تدعمها، هي حكومة طائفية عنصرية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعروبة العراق وروابطه العربية، ولا بالقومية العربية طبعا، ومعنى هذا أن أي دعم لهذه الحكومة سوف يعني عملياً مشاركة عربية في مخطط هذا الحكومة الطائفي وفي المخطط المستمر للقضاء على عروبة العراق. ثانياً: أن كل ما جرى للعراق من تدمير وذبح ومحاولات للقضاء على وحدته وعروبته، الاحتلال هو المسؤول عنه، هو الذي رسم كل هذه العملية السياسية الطائفية، وهو الذي رعى ميليشيات الذبح والتطهير، وهو الذي أفسح المجال أمام إيران كي تصول وتجول في العراق. إذن، ليس مقبولاً بعد كل هذا مطالبة الدول العربية بأن تتدخل، حتى لو تدخلت لن تصلح شيئاً طالما بقي الحال على ما هو عليه. إذن، لو كان الأمريكان قد اكتشفوا أخطاءهم حقاً، فهم المطالبون بإصلاحها. ثالثاً: ما الذي يمكن أن يضمن للدول العربية أن هذا الحديث الأمريكي عن عروبة العراق وعن ضرورة عودته إلى أحضان الأمة العربية ما هو إلا حديث انتهازي وقتي؟ ما الذي يضمن ألا تنقلب أمريكا على هذا الموقف كلية غدا؟ مثلا، ماذا لو أن أمريكا قامت، فَرَضاً، بعقد صفقة ما مع إيران تكون بالضرورة على حساب عروبة العراق؟ هل لدى الدول العربية أي ضمانات هنا؟ هل بمقدور أمريكا تقديم هذه الضمانات؟ *** خلاصة الأمر فيما نرى، أن الدول العربية قبل أن تنجر وراء دعوات رايس إلى إعادة السفراء والتدخل في العراق، فأنها يجب أن تسأل الإدارة الأمريكية وأركانها الأسئلة التالية: 1 - متى سينتهي أولاً احتلالكم للعراق بالضبط؟ 2 - قبل أن ترحلوا عن العراق، لماذا لا تلغون كل هذه العملية السياسية التي أرست أسس تقسيم العراق والقضاء على عروبته، وتعيدون الاعتبار إلى قوى التوحيد والعروبة في العراق؟ 3 - هل انتم مستعدون لتنحية هذه الحكومة الطائفية العنصرية القائمة، وتنصيب حكومة تتبنى فعلياً توحيد العراق وعروبته وانتمائه إلى وطنه العربي؟ 4 - لماذا لا تخلصون العراق من ميليشيات الذبح الطائفية التي تسيطر فعلياً اليوم على مقدرات الحكومة الطائفية التابعة لكم وكل مؤسساتها؟ 5 - ما هي الضمانات التي يمكنكم تقديمها لنا والتي تؤكد أنكم لن تنقلبوا غداً على كل هذا الذي تقولونه اليوم؟ هذه هي الشروط التي يجب أن تضعها الدول العربية قبل التفكير في لعب أي دور في العراق اليوم بإرسال السفراء أو غير ذلك. من دون هذا، سيبقى حديث الإدارة الأمريكية وعملائها في العراق حديث لئام يظنون أن بمقدورهم خداع الحكومات العربية والتلاعب بها ومن المعيب أن تنخدع الحكومات العربية بحديث لئام أمثال هؤلاء.
*- صحافي من البحرين المحرر http://www.al-moharer.net/mohhtm/zahra267c.htm
|