10/05/1429
عن النكبة ووجه جدتي
بقلم عريب الرنتاوي
موقع النهى
في مثل هذا اليوم ، قبل ستين عاما ، كانت جدتي "أديبة" رحمها الله ، تشق طريقا معاكسا للطريق الذي سلكه اللاجئون الفلسطينيون من أبناء منطقة "الوسط والساحل" القريبة من يافا واللد والرملة وما يدور في أفلاكها من قرى وبلدات و"خرب" و"عزب": هم اتجهوا شرقا لإفساح المجال للجيوش العربية للقضاء على "العصابات اليهودية" من دون عوائق المدنيين ومنغّصاتهم (؟،) ، وهي اتجهت غربا بحثا عن ابنها الثاني (والدي الابن الأول ـ البكر) ، الذي اقتادته العصابات ذاتها ، إلى مكان مجهول ، ومنذ ذلك التاريخ لم نحصل منه على خبر ، أو نعثر له على أثر ، حتى أن سيارته "اللاند" ، اختفت برغم ندرتها في تلك الأزمنة ، وقيل أنها طليت بألوان العلم الإسرائيلي واستخدمت من قبل العصابات اليهودية المسلحة.
لم تستلم جدتي "أم الرجا" ، للنكبة ، ولم تأبه للهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية ، ظلت على هذا الحال ، تتنقل بين خطوط التماس وخطوط الهدنة عندما أبرمت وارتسمت ، بحثا عن "فلذة كبدها" ، مستمدة العزم والقوة من بكاء أبنائه الثلاثة الذين تركهم خلفه ، ولطالما روت لنا ونحن أطفال صغار ، قصصا تنتمي لعالم "التشويق والإثارة" عن نجاحها في إتقان فنون "التمويه والاختفاء" هربا من الحرس والدوريات الراجلة و"المؤللة" على ضفتي الحدود ، إلى أن أقعدها المرض ، وتنزلت "الماء الزرقاء" على عينيها ، فتفقد بصرها من دون أن تفقد صورة عمي أو الأمل بالعثور عليه ذات يوم.
في حرب الساعات الست ، التي وصفت بالنكسة تخفيفا لوقع الهزيمة والنكبة الثانية على مسامعنا نحن العرب والفلسطينيين ، لم تغادر جدتي منزلها في مخيم "النويعمة" قرب أريحا ، وأكاد أجزم اليوم بأنها لم تر في الهزيمة شرا مستطيرا ، بل ربما رأت فيها فرصة سانحة لتجديد البحث والسؤال عن ابنها المفقود ، وأخالها دخلت في حوار مع الجنود الذين اقتحموا عليها بيتها في المخيم ، حول الكيفية التي يمكن بها أن تعاود رحلة البحث عن عمي حافظ ، والنقطة التي يتعين البدء منها.
لم يطل انتظارها في النويعمة ، فقد أرسلنا أحد "المهربين" لإحضارها نظير مبلغ (ثروة بحسابات تلك الأيام) 15 أو 20 دينارا ، وكانت إسرائيل لم تحكم بعد سيطرتها على حدودها الجديدة ، وبالنظر لانعدام وسائل المواصلات وعدم قدرتها على المشي ، جاء بها على متن "عربة ذات عجلات ثلاثة" كنا في استقبالها في ساحة "الحسبة" قرب مخيم الوحدات (قرية الطيبات اليوم) ، وهي ذاتها الساحة التي استقبلت ألوف النازحين قبل وصول جدتي بأيام قلائل.
على وجهها الذي أحببناها ، حفرت السنون والنكبات والهزائم والفواجع ، أخاديد وخطوطا عميقة ، وفي الأمسيات التي كنا نقضيها إلى جانب فراشها ، كانت حكايات اللجوء والشتات ، وذكريات الصمود والمقاومة والبطولة ، تتغلغل في عقولنا وضمائرنا ، وتجري مع دمائنا الفائرة في عروقنا وشراييننا ، لم تكن تمل الحديث عن جدي المدفون في قريتنا أو عن أبي وملاحقات الانجليز له ، وعن مكتبته وقصائده ، أو عن أخوالي الأزهريين الذين كانت تعتز بهم وتفاخر ، من دون أن تنسى ولو لمرة ، التوقف عند عبارة لطالما كررتها على مسامعنا: "أنا أخت الرجال وأمهم".
رحم الله جدتي "أم الرجا" فقد غادرت هذه الدنيا من دون أن تحقق أي من أحلامها في العودة إلى "بيت العائلة" الذي لم تستكمل بناءه في قريتنا رنتيه ، أو العثور على خبر مؤكد عن ابنها المفقود ، أو حتى معرفة أن ابنها الثاني ، والدي رحمه الله ، قد فارق الحياة قبلها بأيام قلائل ، وهي التي غيّبتها السنون والأمراض وعزلتها عن محيطها.
مركز القدس للدراسات السياسية
إلى صفحة مشاركات الزوار11