بسم الله الرحمن الرحيم

29/01/1429

  مقتطفات من نشرة ساند .. العدد 5

 

برقـــــــــــية

  موقع النهى*

الرفيق أحمد جبريل (أبو جهاد)

الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة

   في ذكرى انطلاق جبهتكم العريقة، نـُحَمّـِل أنفسنا جميعاً مسؤولية أن يكون غدنا أكثر إشراقاً وأقل مأساوية في مسيرة شعبنا نحو تحقيق التحرير والعودة، وإننا لمنتصرون.

تجمع اللجان الشعبية من اجل العودة- ساند

19/4/2008

   * * *

لنعمل معاً من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير

العودة حق أصيل غير قابل للتصرف.

العودة = وحدة الأرض + وحدة الشعب.

لنبنِ ِ جسر العودة بتوحيد الجهود على أساس الميثاق الوطني الفلسطيني.

اللاجئون الفلسطينيون: نرفض التوطين والتجنيس والتعويض وكل الحلول البديلة عن العودة.

العودة هي الرد الطبيعي على الاحتلال الغاشم وكل إفرازاته.

العودة في مواجهة سياسات التطبيع والعولمة الإمبريالية.

ثقافة العودة هي النقيض الجذري لثقافة الاستسلام .

القرارات الدولية بشأن اللاجئين الفلسطينيين شاهد على جريمة اغتصاب فلسطين.

حق العودة هو القاعدة المتينة لبناء أوسع التحالفات الفلسطينية العربية والدولية في مواجهة الطغيان الإمبريالي العالمي المتصهين.

   النكبة المتجددة بين ثمن التوطين و"حق" العودة

   سنترك لقراء نشرتنا "ساند" مهمة البحث في "لغتنا"، لاكتشاف الفرق بين الوقائع والمواقف، ولإعطاء كل حرف قياسه الطبيعي بلا نفخ ولا تقليص. فنحن لا نجهر بصوتنا توسلا ً لثمن السكوت. نحن نعتز بأننا نحمل جراح شعبنا لأنها جراح أعزاء لا جراح أذلاء، وأننا نحمل همومه واهتماماته كلها، لأنه لم يعد فينا إلا الجراح.. ولا مكان لجراح جديدة. وأن مسؤولية الكلمة عندنا والتزام الموقف وصدق التعبير هي عدة كل عمل، وزاد كل طريق، والسلاح الأمضى في كل معركة، خصوصاً في الحروب المصيرية حيث لا انتصار بالجنوح عن الصعوبات بل باقتحامها وزحزحتها وإزالتها. والتزام الحقيقة عندنا ليس امتناعاً عن الكذب ولعباً لدور شيطان أخرس. والاعتدال في مفهومنا نصف الباطل وزوغان عن الحقيقة. وسوق النخاسة ليس ميدان سباق ولا ساحة معركة، والشهداء لا يمكن أن يتحولوا إلى ضحايا مجانية.. فيما يمكن وبكل بساطة أن يتحول المحتفين بالشهادة إلى جوقة مطبلين أو تجار دم عندما تختلط المفاهيم وتتعثر السياسات الارتجالية تحت وطأة مسؤوليات الحروب المصيرية، لتخلو الساحة لتجار الدم والسماسرة والعملاء والعبيد والنخاسين. فتتجدد النكبة في استمرار التكاذب واستبعاث الشعارات المأساوية التي لا تعني إلا ما يقصد إخفاؤه من عجز ورقص في مهب الريح واشتعال المناقصات في بانوراما اللا وطن باسم الوطن.

   في مشهد النكبة المتجددة، يتلاشى الفرق بين مناقصات الزواريب ومزايدات الطريق الرئيس. فالمزايدات قفزت عن مقتضيات وقف الانتكاب بكشف الجبين أمام الريح وعين الشمس واحتمال الجراح لقص كل مخلب وقلع كل ناب. أما مناقصات الزواريب فهي تفتيش عن أعلى سقف لها تحت حذاء أصغر قطروز في خندق العدو، وتعفر الجباه في وحول التنازلات والمساومات، وتجويع الثكالى واليتامى حتى لا ترتفع رؤوسهم فوق أنجم "السادة المتحضرين".

   على الطريق الرئيس للنكبة المتجددة، تراكض المتنطحون إلى الميدان مدججين بالحناجر الجهورية ومكبرات الصوت وعصي المارشالات. أما مخاتير المناقصات ونواطير النكبة المتجددة فإنهم يتسابقون زحفاً على البطون والوجوه إلى أحضان العدو وعبيده ويهمهمون بتعاويذ الندامة والسلامة بحشرجة وخفوت ويلتفتون بين الحين والآخر إلى الوراء ليكشروا عن أنيابهم بوجه الجماهير التي ما عادت تميز بين المصير والتقاط العفير، فصارت تتناحر على البعورة من تحت كراسي وأقدام الكراريز.

   إنه الموت.. إنه سلام روما الجديدة التوراتية السمات، التي يقف حكام ورؤساء وملوك وقيادات شعبوية في صفوف جيوشها المرتزقة اللقيطة، متنكبي السلاح، "سنكة طق" مطأطئي الرؤوس بانتظار أوامر الانقضاض على الرؤوس المرفوعة التي تناطح جبال الحديد وتصقل الإرادة والأصالة فيمن تبقى من رموز الشرف والكرامة والحق في هذه الأمة المنكوبة بيهود الداخل بما هو أدهى وأمر وأكثر سماً ولؤماً وأذى من نكبتها باليهود الخارجيين.

   في روما القديمة.. قضت الفجاجة والهمجية البدائية وتسابق القادة على خيرات الشعوب ودمائها، بأن يسمى سلام روما "سلام القبور". أما سلام روما الجديدة التوراتية فهو سلام الموت فقط، فلا مكان للشعوب والأمم (الملعونة من رب الجنود) في أرضها وأوطانها حتى لقبورها.

   لماذا سميناها النكبة المتجددة؟ لأنها نكبة داخلية بحتة مستمرة بالهزائم والدموع والعويل، وهي تطل اليوم بحلة ملطخة بالتنازلات التناقصية إلى ما دون الخيانة واستلاب الإرادة الى ما دون العبودية، وبالهدنات المجانية المحفوفة بالجهل والغباوة السياسية والانتحار، وضياع الرؤيا إلى حد الجنون. فالمشهد اليوم مطابق تماماً لما اتصف به مشهد أواخر الستينات من القرن الماضي .. موقف التضامن العربي الإسرائيلي على فلسطين مع فارقين اثنين: الأول أن مشهد اليوم هو في الواقع تضامن عربي إسرائيلي على فلسطين ودمشق وكل مقاومة. والفارق الثاني أن الحركات التي تحمل عنوان التحرير في عناوينها أصبحت بمجملها تحت عنوان النكبة المتجددة ومفاعيلها بشكل من الأشكال. فقد أعلن ناطقوها مراراً وتكراراً الالتزام بالبرنامج المرحلي الذي يمحو المناطق المحتلة عام 1948 عن الخارطة القومية، وكرسوا بالاعتراف بسلطة أوسلو (خصماً أو حليفاً) بقية مناطق فلسطين "أراض ٍ متنازع عليها". والحركات التي لم تظهر إصابتها بفيروس النكبة المتجددة تحتوي بينها من القيادات العتاولة من يشكلون نقطة ارتكاز في محور الاستسلام.

   هذه النكبة المتجددة.. هي ناتج الاعتدال" و"النظرة الموضوعية" و"تقدمية" تقدميي آخر زمان الذين أثبتوا أنهم أخذوا رسنهم بأيديهم من يد الاتحاد السوفياتي وسلموه للأميركان، فليس إلا خاوي اليدين والرأس والكرامة يمكنه أن يتصور قيادته خارج أمته ووطنه. وخصوصاً تحت عنوان "الوحدة الوطنية" .. بلا وطن.

   مع هذه النكبة المتجدد، تـُعّد العدة الآن لاستقبال بوش وتمهيد طريقه باللملمة وتجاوز الحياء والخجل والتساند المباشر وغير المباشر، ليوزّع أدوار القفزة التي يتخيلها نهائية ً على دمشق والمتمردين من بقايا وأشلاء الفلسطينيين.. لتقطيع الأوصال مع الإرهابيين في لبنان وفي العراق ليسهل على معتلي المجنزرة الأمريكية معسهم وإنهاء أمرهم وكتم آخر نفس قومي في هذه الأمة.

   هذه النكبة المتجددة .. يتضح نهجها عملياً وعلناً بشأن اللاجئين. فمكانهم محجوز تحت المجنزرة فوراً أو بعد حين إذا سمح وقت الأرباب وربهم. وعندئذ يكون اللاجئون أمام حلـّين، أحدهما أو كلاهما معاً. الأول هو التوطين بالجملة، بثمن مزدوج "ع َ الراس"، جزء للاجئ المنكوب والجزء الآخر للكراريز الذين يوكل إليهم تنفيذ البرنامج. وضمانة القبول هي التجويع والإرهاب ورفع سقف المجازر وتوسيعها والتباكي من الجهة المقابلة على "السلام" وضرورة "فرضه" على "إسرائيل".

   وقد سبق أن عمّ هذا الكلام عندما حاولت شركة سوليدير استملاك الأراضي في منطقة المخيمات وجوارها في الضاحية الجنوبية وصولاً إلى شاتيلا. كما بدأ شراء الأراضي من قبل سماسرة سوليدير وصبيان سيدها في قضاء جزين، وعلى الخط البحري بين السعديات والرميلة، مع تحديد الرشوة الكافية لوليد المختارة الذي تظاهر بالرفض. وفشلت عملية الاستملاك في حينه بسبب الهبّة الشعبية التي واجهتها، وعدم حسم الموقف الفلسطيني بين سلطة الحكم الذاتي ومعارضيها الأقوياء. أما وقد حسم الأمر حالياً، في أذهان المخططين على الأقل، وأصبح مسؤولو الحكم الذاتي في صف سمير جعجع ووليد المختارة وفؤاد السنيورة، وأركان القيادات الفلسطينية في حمى سلطة الحكم الذاتي أو في الطريق إليه، فقد استوت الطبخة.. أما الحل الثاني البديل أو المرافق فهو العودة إلى .. البرازيل والتشيلي. ( والبرازيل لمن يجهلها هي ضيعة في قلب فلسطين تقع بين ضيعتنا وضيعة ستي جفرا. والتشيلي ضيعة فلسطينية أخرى تقع بين شَعَب ومنشية عكا مقابل الطيرة وترشيحا وأم الكساسير).

   وما نرجحه هو أن ثمن التوطين قد تم دفعه .. وقبضه. لذلك يتنطوط اليوم "المناضلون" من كل حدب وصوب برفع الأيدي والأصوات وكروت الإعاشة وشهادات الخلو من الإرهاب متزاحمين إلى بيت الطاعة بمن فيهم الكثيرون من اللجان والهيئات الأهلية ليقبضوا "حق" العودة...

   إن منهجية النكبة المتجددة وبرامجها المعلنة و" المستحية" وتحضيراتها والتفافاتها يمكنها فقط أن تقضي على أصحابها وحاملي راياتها والمجرورين إلى مجاريرها. لكنها لن تتمكن من القضاء على حقيقة الأمة وعلى صخرة الفلسطينيين القادرين دائماً على الانبعاث من فينيق جديد وعلى صياغة قيادة حقيقية من ريح أحرار الجليل وصدأ المفاتيح العتيقة ومكاحل عظام الشهداء ومن الوحول المطهرة على أقدام أطفال المخيمات.

   هيئة التحرير

   ** ** **

   ذكرى .. ولا كـُـلّ الذكريات

   إسماعيل حمادة

   ذكرى سنوية جديدة تحمل الرقم "ستون" لحدثٍ نكبوّي يتجدّد ويتجذّر، يُخَطـّط لإحيائها منذ بواكير النصف الثاني من العام المنصرم، ليكون متميزاً جداً .. جداً .. جداً !!؟؟.

   تساءلنا في وقتها عمّا شابَ إحياء الفلسطينيين لذكرى احتلال بلادهم وإقرار إفنائهم لتسع ٍ وخمسين مرة متتالية، ليُرتـِّب ذلك عليهم إحياءً خاصاً متميزاً للذكرى الستينية للنكبة الأليمة، وهل هذا التميز يخص العام الستين فقط، أم أنه من المحتمل (إن استمر الإقرار بأننا منكوبون – وإن لم نخرج من الطبخة على أننا معتدون إرهابيون غاصبون أفـّاكون) أن يشتد أوار التميّـُز في السنوات القادمة!!؟؟ ( لكي نحسب حسابنا).

   وبالمناسبة .. فإن إحياء الذكريات الأليمة أو السعيدة، أو الاحتفال بها (لم نعد نميز) هو سلوك معهود، تمارسه الشعوب والدول والحكومات والمؤسسات والعائلات والأفراد على حد سواء، تستذكر فيها أحداثاَ وتواريخ ووقائع مضى عهدها وزال وطؤها، لغاية استخلاص العِبَر ونقل الدروس، وترميم العقول وشحذ النفوس، ولتحصين المناعة وتأكيد القناعة بما للذّكرى من نجاعة في رسم وتخطيط الآتي من الأيام.

   .. لكننا لم نسمع عن الشعب الفيتنامي الذي دحر الاحتلال الأميركي بالقوة المُختلـّة بامتيازٍ لغير صالحه، أنه أثناء وقوعه تحت نير الاحتلال وتصديه له بالمقاومة المشهودة، قد أحيا "بامتياز" ذكرى نكبته باغتصاب بلاده وإحراق الحجر والشجر فيها كما البشر، ولم يفعل شعبنا الأبي ذلك في الجزائر زمن المطامع والمباغي الإستيلائية الفرنسية، ولم يفعل شبيهاً لذلك أي شعب أوقعه مكنونه العامر تحت سطوة المَطـّمَع الإمبريالي الفاجر. وحيث لا تزال تجربة مقاومي جنوب لبناننا في دحر المحتل نفسه الذي داهمه بعد فلسطين بأعوام طويلة ماثلة أمامنا، وحيث ترتقي تجربة المقاومين في غزة المشمولين بكل فنون القتل شامخةّ ّ لا يأبى النظر فيها إلا بصر وبصيرة الرواد المبدعين من "الفلسطينيين" في ابتكار الاحتفاليات وإحياء ذكرى النكبات.

   ** ** **

   صحيح أن القاصي والداني، الصديق والعدو، الوفي والخائن، الأعمى والمبصر، ليس بحاجة إلى كبير عناء ليرى ويتلمس ويضع يده على مفاصل لا متناهية من نكبة الشعب الفلسطيني المتنامية والمتدحرجة. ومن يرقب مستوى الرد الوطني، قياساَ إلى وطأة النكبات المتجددة والمتعاظمة، قد يعتقد أن الشعب الفلسطيني لم يكُ يوماً منكوباً. لذلك حرص الأفذاذ على برمجة سيمفونية استعراضية في غاية البهرجة (لإحياء) ذكرى "النكبة" في عامها الستين.. كي يلفتوا نظر العالم "العادل"، الغافل عن / أو المنشغل بالإعداد للاحتفالات الضخمة لإعلان الدولة اليهودية في الذكرى الستين لتأسيس كيان التحضير والتنوير الصهيوني، إلى ضرورة معالجة بعض الآثار الجانبية والعَرَضيّة لتحقق "عدالته". وليلفتوا نظر الفلسطينيين أنفسهم إلى أولوية تحقق العدل والسلام الكونيين، حتى لو مسهم منه بعض السوء، ليصبح محوراً للتصالح مع الذات المتشظية -" الوحدة الوطنية"- ، و للتماهي بالمشاعر الإنسانية الرقيقة مع الخصم الوجودي الإبادي (الودود).

   للأمانة .. فإن الفضل الأول في هذه الهبّة الاحتفالية يعود لصاحب المبادرة السيد محمود عباس، الأمين على مصير شعب فلسطين وأبنائه السابحين المُسبّحين بحمد اللجوء ومكارم التوطين في ديار الإخوان والخلان، السائحين على عتبات الكنديين والأستراليين، والمتكرمين على وفادة البرازيليين والتشيليين، وقد أوكـَلَ " جّـل شأنه وعلا أمره" ملفـّهم العامر للساحر الشاطر، ياسر عبد ربه، " قدّس بيلين سرّه".

   مبادرة "رشيدة" من أركان منظمة السداد وسلطة الرشاد ومكافحة الفساد .. لرفع الضيم عن رعاتها ورعاياها الصابرين على غلظة "قساة العصر" من الطامعين بالرجوع إلى ديار ٍ لم تكن من حقهم، الرافضين للتسويات والقِسْمات المباركات، الدجالين الذين أضاعوا الله عندما تمسّكوا بـتلابيب "فلسطين" دون وجه "ميزان القوى".. يحيون آمالهم الخبيثة بفعال دنيئة وعمليات "حقيرة".. فاستحقوا بكل "التسامح والديموقراطية" الحكم العادل بالنفي والعزل والحظر والتجويع والتقتيل.

   مبادرة .. تستحث من لم يوقعوا صكوك التغافر والتعاذر بعد .. استكمال أوراق صلاحيتهم القانونية ومؤهلاتهم الفنية .. لتحسين منسوب حصتهم مع مقدار ما يبذلون من جهد وتضحيات وأموال .. للحاق بركب السلام والوئام، لتكون"الستينية" كرنفالاً يؤهلنا لدخول عالم النور التوراتي، ولنثبت بأننا أهلاً لما وعدنا به ربه الإمبريالي بوش، بعد أن أفحشنا في اتهام عالمه بأنه رأس صناعة "النكبة الفلسطينية".

   ** ** **

   مشروع إقرار:

   نحن شعب فلسطين، نقر أن العالم سئم شكوانا وتذمرنا، وقرف رجانا ودعوانا، وزال من قلبه وعقله وإدراكه أي أمل في تصنيفنا في عداد الشعوب القابلة للحياة.. ولكونه اقتصاديٌ جداً وعالم جداً ومتيقن جداً وحريص جداً على وحدة وجمال وراحة سكان المعمورة.. قرر أن أفضل وأرخص وأرحم طريقة لتنظيف العالم هي أن يشرفنا بأن يتيح لنا إطلاق رصاصة الرحمة على ما تبقى منا وفينا ، وعلى نفقتنا الخاصة.

   نحن شعب لا تحتمل إنسانيته الإساءة إلى ارتجاف الخناجر في أيدي القتلة الورعين .. نحن شحب رحوم، رؤوم، غافر، شافع، نافع، مسالم، مؤمن بالدفاع حتى الموت عن "حق" الآخرين في إبادتنا. متعلقٌ بالتعانق والتقبيل.. بعصر الراحات في المصافحات.. بالتراشق بالألقاب والأنخاب وتبادل التنازلات المؤلمات في المفاوضات لإظهار محاسن النيات .. بالتسامي فوق التجاوزات الدمويات للحقوق والكرامات الزائلات، حيث البقاء للواحد الديّان .. نختار الاستجداء وفعل الفاعلين فينا.. بعد أن "طوشنا" العالم بأزيز رصاصنا ودوي قنابلنا، فراح بنا زهو الديكة وغرور الأبالسة إلى الرقص على جراحنا ولعق مآسينا وشهامتنا إلى دفع الأذى فينا.

   وفي ذكرى النكبة .. نقدم إقراراً صريحاً فصيحاً بالانهزام الساحق، وبالانحياز الفاضح إلى معسكر "محتلينا وجزارينا" الأحبة ، لنفعل فعلهم فينا قبل أن نُهيل التراب فوق هاماتنا بزهو وانتصار كرنفاليين.

   في ذكرى النكبة .. نلفت نظر العالم إلى عزمنا على وضع حدٍ لنكبتنا، وتقديم خبرتنا في إنتاج متعهدين مهرة يجعلون الحياة تدب في أركان الاقتصادات الخائرة. فنانين في اقتناص الدولارات والجنيهات واليوروهات والدينارات وكل العملات.

   في ذكرى النكبة .. نؤكد حرصنا على عدم المساس بنزوع أخوتنا وأبناء جلدتنا وأحبتنا في العالم العربي المسترشدين بدين الله ومتطلبات الحياة الديموقراطية الحرة الكريمة في السعي نحو "السلام".

   في ذكرى النكبة.. نعتذر عن سلوك النّدب والتشكيك في سلوك الآخر فينا .. فلسطينيو العراق: قتلهم ، طردهم، جوعهم ، رفضهم ... عروض الوفادة المقدمة لهم من كندا والسودان إلى البرازيل وتشيلي. غزة: صبرها ، مقاومتها، صمودها، جوعها، بلاؤها، شهداؤها. اللاجئون: استنزافهم، قهرهم اختراقهم، بيعهم، فصائل تحريرهم ولجان عودتهم بالأنشطة المستفيضة المتكاثرة المتناثرة.

   ** ** **

   تحذير:

   لمن لا يزال في نخاعهم بقايا قناعة بأنهم صنف يختلف عن الأنعام التي ساقها الله لخير اليهود، استثماراً وذبحاً كما يشاؤون، ولا يكتفون بأن يجأروا بالشكوى والتظلم عندما تحِـزّ السكين أعناقهم.. لقد استنكف العالم عن نصرتكم، والله وعدكم ألا ينصركم .. ما لم تـُمكـِّنوا نصره فيكم.

   "معمدان" بوش

   في الإنجيل المقدس، مهّد يوحنا المعمدان لرسالة المسيح، كما قام بمهمته الموكلة إليه من جمعيته الأسينية الكنعانية، بتعميد المسيح في مياه نهر الأردن (نهر الشريعة). ويوحنا هو النبي يحيى في القرآن الكريم. وكان يحيى يبشّر بالمسيح هاتفاً بمواطنيه: أنا أعمّدكم بالماء، لكن سيأتي بعدي من يعمّدكم بالروح. "أعدّوا طرق الرّب".

   وفي الأخبار الطازجة أن الرئيس الأميركاني جورج بوش، وهو يعدّ بالثواني ما تبقى من أيام رئاسته الثانية والأخيرة، يعدّ في الوقت نفسه زيارة استراتيجية لبلادنا، وفاء منه بوعده بأن عام 2008 سيكون عام "الحل" وقيام الدولة الفلسطينية.

   وقبل أن يحين موعد زيارة المعلم، ارتفع صوت جيمي كارتر صائحاًً "أعدّوا طرق الرب"، منادياً جميع المخاتير والنواطير والحجاب والخدم والحشم وموظفي روما الجديدة وراء البحار وجميع العبيد، مستنفراً إيّاهم لتوفير سبل النجاح والانتصار لزيارة ربهم وولي نعمتهم وسند كراسيهم المخلـّعة.

   وهذا الكارتر هو أحد أعمدة كامب ديفيد الأولى. وبعد أن ختم مهمته في كامب ديفيد وغسل يديه بدم فلسطين والفلسطينيين، حضر في آذار عام 1979 إلى فلسطين، فاعتمر الطاقية الحاخاماية ووقف يتحردن برأسه أمام "حائط المبكى" فسمح له بدخول الكنيست والخطابة فيه. فقال أن العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة علاقة غير قابلة للتخريب لأن سبعة رؤساء أميركان متتالين قد أعلنوا التزامهم والتزام الولايات المتحدة بأمن "إسرائيل " ووجودها. ولأن الفكر اليهودي يدخل في النسيج الثقافي والاجتماعي والديني "للشعب" الأميركي. ولم تصل هذه الحقيقة المبسطة حتى هذه اللحظة إلى أسماع الأكثرية الساحقة من المعنيين في الأمر في فلسطين والعالم العربي على الرغم من أنهم يلتقطون بالوشوشة أبسط الأوامر الأميركانية الموكل إليهم تنفيذها.

   وهذا الكارتر يقوم بمهمته على أتم وجه، وقد هيأ له جميع المُستنفـَرين سبل نجاح مهمته إرضاءً للمعلم الذي كلفه ووفاء لدوره في كامب ديفيد، بحيث وصفوه بصوت واحد وعلى إيقاع واحد وبلسان عربي فصيح واحد "بداعية السلام"، إمعاناً في العهر وفي مخادعة الشعب ومحاولة الالتفاف على إرادته.

   والذين كلفوا هذا الكارتر بمهمة "إعداد طرق الرّب" يعرفون مؤهلاته للنجاح، فهو بمناعة لا تخرق ضد الحق والعدل أثبتت جدواها في كامب ديفيد، وهو من جنود الرّب الذين ثبت وفاؤهم والتزامهم في خطاب الكنيسة، وهو لا يزال على استعداد للغوص مجدداً في الدماء الفلسطينية. فهو داعية سلام بامتياز توراتي عالي القيمة. ومن بوادر نجاح مهمته العزف الجديد (ولو بأصابع غليظة غير مدرّبة) على وتر الدولة الفلسطينية من قبل الذين يتمنعون علناً ليزيدوا المهر سراً. ولكن الفوارق بين مهمة كارتر ومهمة المعمدان نكمن في أن المعمدان قد بشر بنبي جاء ينقذ البشرية من الفوضى والفساد والظلم في حين أن كارتر يبشر بنبي خاص باليهود يأتي ليزيل آخر العقبات من طريق "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات التي سبق له أن قدم خارطتها المجسمة لمعلمه شارون. وأبرز هذه العقبات المخيمات التي لا تزال،وستبقى بالرغم من القيادات المائعة البائعة، مصدر المواجهة ورفض المناقصات. والتي كانت أولى بوادر معالجتها الحديثة في نهر البارد، والمهيأة جميعها للتغطيس في "النهر الحامي" إذا أسلست قيادها لمناضلي المناسبات المستمرين في الصفوف الأولى بسبب قلة الموت في أماكن تواجدهم.

   والعقبة الثانية التي تتجمهر جميع أدوات الخطة المعادية وجيوشها وقواها من أجل إفشالها ولي موقفها وعقلها وإرادتها هي دمشق العروبة الحقيقية.

   أما الفارق الأساسي الآخر فهو أن كارتر لم يعمد بوش ويباركه، لكن بركة الأخير مقضيـّة منذ ولادته على يد حاخام من أخواله الأول، من أصحاب الجلود النحاسية المعتقة.

   السادس من أيار (مايو) والموعد المأمول

   كان نظام الحكم الملكي في مصر يريد أن يثبت قوائمه على صدور إخواننا المصريين، لذلك سلّم أمره لأصحاب الحل والربط القيّمين على مصائر العباد والشعوب في ذلك العصر، وفي مقدمتهم بريطانيا التي حمت مصالحها بحماية ذلك النظام. ونظام عبد الناصر كان يريد انقاذ المصريين من إقطاع الباشاوات وسوقهم وإطلاق عجلة الإنتاج في مصر وإنقاذها من التبعية الدولية ليكون لها وزن سياسي. فحقّق بعض أهدافه وأخطأ في أمور وأصاب في أخرى ،داخلياً وخارجياً. ونظام كامب ديفيد الحالي يرضخ طائعاً مختاراً معتزاً لإقطاع الباشوات "الخارجيين" الذين اختار حكمهم والتماهي مع / وبأهدافهم، بالتواقيع المصدّقة والشهود "الأمناء" الصادقين تحت سقف خيمة داود.

   وكانت النتيجة الأولى لاتفاقات الخيمة أن النظام المصري أخذ على عاتقه، تعهداً وتكليفاً، "مقاولة" إدخال الفلسطينيين تحت الخيمة نفسها وبالتسليم نفسه لأرباب العولمة المتهودين والنظام العالمي الجديد، وتشكيل الشرق الأوسط الكبير تحت طربوش إمبراطورية الاغتصاب الإفنائي في فلسطين. فكانت أوسلو. والحجة "القانونية" للمقاولة المصرية بشأن فلسطين هي صورة وتد "جحا المصري" في قطاع غزة المعلّقة منذ عام 1948، حين نزلت الجيوش "العربية" إلى فلسطين تحت عنوان إنقاذ فلسطين فاقتسمت بقايا فلسطين مع اليهود. وكان نصيب النظام الملكي المصري قطاع غزة. والنتيجة الثانية الأكثر أهمية الخارجة من خيمة داود هي اتفاقيات التعاون والتكامل بين الذئب اليهودي والفريسة المصرية، ومن أبرزها في المجال الزراعي المستحضرات الإسرائيلية لمكافحة دودة القطن المصري مثالاً صارخاً، مروراً بمشهد تفتيش مصر عن زراعة بديلة للقطن القديم العريق المنبوذ، وصولاً إلى سد حلق المصريين بالإسمنت المسلح عن الكلام وعن لقمة العيش في الوقت نفسه. ومن عوامل تصنيع هذه السدادة العاصية على الاقتلاع معهد إعداد ضباط الشرطة المصرية الذي يعمل منذ عام 1848 بمناهج أميركانية ومشرفين أميركان. والنتيجة الثالثة هو التبادل الثقافي السائر بالعقل المصري باتجاه التهود. والمشهد النهائي المؤكد على التماهي المصري الرسمي الحالي مع العدو هو ضم أهالي غزة ضمناً إلى رعاياه المحكومين بتهديدهم بتكسير الأرجل إذا حاولوا مرة أخرى فتح ثغرة لسد رمقهم عبر معبر رفح ‘لى جزء آخر من أرضهم القومية في سيناء "المحررة".

   ومن الواضح أن التهديد المصري قد أخذ على محمل الجد من قبل جهات كثيرة لأنه يصدر عن "المعلم" وليس عن المتكلم ومن يمثلهم في النظام المصري. والدليل أن مندوبي منظمات كثيرة قد تراكضوا إلى العاصمة المصرية ليجدوا توازناً مؤقتاً بين المجازر المستمرة والهدن الممنوحة، استجداءً لتخفيف الحصار و ف.ت.ح المعابر، مؤقتاً أيضاً قبل السادس من مايو، خدمة للنظام المصري ليتفرغ لإخواننا المصريين المحكومين الذين يهدّدون بلملمة الكراسي المخلعة وكنسها في السادس من مايو، وليعود بعد أن يفرغ منهم إلى دعم أشقائه التوائم في خيمة داود ومساعدتهم على متابعة ذبح الفلسطينيين في غزة وسواها عملاً بالتنسيق الأمني الذي يشمل سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، وقد يشمل منظمات أخرى في المستقبل القريب (والعياذ بالله).

   وخلاصة المشهد أن مقصلة واحدة تسعى بشكل أكيد مدروس وموقوت بين غزة والأراضي المصرية عبر سيناء وشرم الشيخ المناضلة على أيدي مهنيين مهرة ومجربين وبمساعدة محلية وبأيدي ذوي القربى في الاتجاهين.

   ونحن أيضاً نأخذ حركتها على محمل الجد ونرى أن إيقاف حركة مثيلاتها يحتاج إلى إرادة متعملقة لشعوب مقهورة مكمومة أمام آفاق مسدودة، لذلك نتوقع أن يكون يوم السادس من مايو يوماً مشهوداً مشتركاً لانتفاضة المحكوكين بوجه الحكام وأشباه الحكام المأزومين. لقد توقع محمد حسنين هيكل في تحليل له صبيحة إخلاء خيمة داود الأولى و"إخراج" الاتفاقيات، أن تعمّر المعاهدة ربع قرن على الأكثر. فهل نحن أمام تحقق نبوءة هيكل صبيحة السادس من مايو؟؟ .

   قراءة في قرار دولي يتجدد

   بديع يوسف عطية

   (10)

   لم ينفذ القرار الوعد بالأساليب الهمجية المتبعة في تنفيذه إلا بناءً على قرار مسبق اتخذته القوى الدولية: يجب ألا يقوم في سورية الطبيعية أي حكم وطني متحرر يطلق المارد الجبار السوري من عقاله. لذلك يجب أن يبقى هذا الشعب "تحت الأنظار"، وأن تكون العدة جاهزة للقضاء على أي تحرك يؤدي إلى قيام دولة سورية مستقلة فعلاً، وبمختلف الأساليب. وأي تحرك من هذا النوع يدّب الرعب في مؤسسات القوى الدولية فتسارع إلى المباشرة باستعمال مختلف "العلاجات" الاستعمارية، بصرف النظر عن المصلحة الآنية الناجمة عن هذه العلاجات لمن تكون. وهكذا نرى أن حركة الأمير فخر الدين المعني الثاني التحررية لم تجهض بالقوة الذاتية للإمبراطورية العثمانية، إنما بالدعم الأوروبي المباشر للسلطة العثمانية. فقد تمكن فخر الدين من بناء جيش منظم في إمارته على جبل لبنان ثم ألحق عكار والبقاع بحكمه وجبل عامل ومرج ابن عامر على حساب الإقطاع القائم في تلك المناطق. توسع وصولاً إلى حلب وإلى شرق الأردن حيث رمم قلعة السلط وأقام فيها حامية فعالة، وكذلك في قلعة الربض. وكان يغري الباب العالي بالرشاوى والعطاءات ليتمكن من إكمال خطته بنجاح. وعندما تنبه العثملي إلى حجم القوة التي بلغها فخر الدين والأساس الاقتصادي الفعال الذي بنى عليه قوته، كشر عن أنيابه، فكانت المعركة الفاصلة بين جيس فخر الدين والجيوش العثمانية بقيادة والي دمشق في مجدل عنجر في البقاع الغربي، حيث انهزم العثمانيون، فلاحقهم فخر الدين حتى البوابات الكليكية، عندئذ حضرت الأساطيل الأوروبية إلى شواطئنا الغربية وبدأت بقصف بيروت وصيدا ... فاضطر فخر الدين إلى التراجع، وعادت الجيوش العثمانية وراءه إلى المواقع التي طردها منها. وكان مصير فخر الدين بعد ذلك الاعتقال والنفي والقتل. وكانت النتيجة المباشرة توسيع الامتيازات للقوى الدولية في سوريا. فقد فضلت القوى الدولية الاكتفاء آنياً بالامتيازات وبقاء الاستعمار العثماني في سورية على أن يقوم حكم وطني متحرر يحكم قبضته على هذا الموقع الفريد في العالم وثغوره وممراته المائية الستراتيجية الضرورية لأية تجارة دولية، والتي تعتبر مفتاح العالم .. ريثما تهيأت الفرصة للقوى الدولية بعد ذلك لتنفيذ مجزرة سايكس بيكو وتنفيذ القرار- الوعد، والذي تطلب أكثر من قرنين من الزمن، استمرت خلاله القوى الدولية على النهج نفسه.

   فقد قامت بعد ذلك ثورة الفلاحين في كسروان في جبل لبنان بوجه الإقطاع المفوض من السلطة العثمانية، وسارعت القوى الدولية إلى إجهاض هذه الثورة. فتم التنسيق مع الإقطاع في كسروان والسلطة العثمانية والبطريركية المارونية لتثبيت السلطة العثمانية ونفوذ الإقطاع. وتظهر تفاصيل هذه العملية جلية واضحة في كتاب باللغة الفرنسية (من عدة مجلدات) بعنوان "رسائل القناصل الفرنسيين في سورية إلى وزارة الخارجية الفرنسية" حيث يفصل قنصل فرنسا في بيروت ما قام به من جهود من أجل تنفيذ سياسة دولته في القضاء على ثورة كسروان التي كان يقودها طانيوس شاهين سعادة وصالح صغير الجد الأعلى لبطريرك الموارنة الحالي. ويظهر من رسائل القناصل الفرنسيين كيف تم التنسيق في مرحلة لاحقة بين فرنسا والعثمانيين على إذكاء الفتن الطائفية في جبل لبنان والتي بلغت أقصى درجات الهستيريا في عام 1860 وطالت دمشق وشرق الأردن، وكان ليهود دور فيها .. حتى تطمئن القوى الدولية إلى استمرا عجز الشعب السوري إلى أطول مدى زمني ممكن .. قامت خلاله بواجب "الحماية والرعاية" للطوائف التي تتولى أمرها على أساس الامتيازات الممنوحة . وبدأت بذور التقسيم الجغرافي السياسي تذر قرنها تحت عنوان التفسخ المذهبي.. وقد كانت الفتن والانقسامات ضرورية لنجاح سيادة القوى الدولية، خصوصاً بعد فشل حملة نابليون بونابرت على عكا، والتي كانت تحمل في تلافيف عناوينها المتعددة عنوان "إعادة الشعب المختار" إلى مقدسات "آبائه وأجداده". وقد كان هذا العنوان ضرورياً أيضاً من أجل تمويل حملة بونابرت. وحتى في مرحلة حكم "الانتداب" السيء الذكر، استنفرت السياسة البريطانية ضد رشيد طليع أول رئيس حكومة في "دولة" إمارة الشرق العربي المفبركة في مطبخ سايكس بيكو، لأن طليع كان يمرر المساعدات للثورة السورية في السويداء وحوران ضد الحكم الفرنسي، فوجه المندوب السامي البريطاني اليهودي في القدس أوامره إلى الأمير عبد الله في رسالة رسمية بضرورة إيقاف هذه المساعدات. وكانت النتيجة استقالة رشيد طليع ورحيله عن عمان إلى قريته في قضاء الشوف (جبل لبنان) كما ألمحنا في سابقاً. ولم يكتف نهج القوى الدولية بالقمع ومنع النهوض وزرع الفتن من أجل منع تحرر سورية ونهضتها وفتح الطريق أمام تنفيذ القرار الوعد، لكنها عمدت في الوقت نفسه إلى تضييق المدى الجغرافي الاستراتيجي للشعب السوري في وطنه لتضمن شل المقاومة العريضة لنهجها. فاقتطعت مساحات واسعة من هذا الوطن وقدمتها هدية للقوى الإقليمية ثمناً لسكوتها عن تنفيذ القرار– الوعد وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من أضرار محتملة بمصلحة القوى الإقليمية.

   (11)

   لو أردنا أن تقيّم القرار الوعد من الناحية التاريخية لوجدنا أنه أقدم مخطط استعماري معروف في التاريخ، والأطول مدى من حيث مراحل التنفيذ، والأكثر في الاحتياطات المتخذة لتأمين النجاح باستعمال العوامل المباشرة وغير المباشرة سلباً وإيجاباً من أجل الوصول إلى الهدف. إن قواعد هذا القرار تجد جذورها وموحياتها في توراة اليهود المؤثرة فكرياً وروحياً في الغرب كما ألمحنا في مكان سابق من هذا التحليل، والتي يعود تدوينها الأول إلى 2500 سنة من أيامنا الحاضرة. وقد التقت ادعاءات اليهود في أرضنا (وتلتقي) تاريخياً مع مطامع الفرس واليونان والرومان قديماً ومع مطامع الغرب الاستعماري حديثاً، وخصوصاً في الفترة الأخيرة مع روما الجديدة. إذ يدخل الفكر اليهودي التوراتي في النسيج الديني والثقافي والاجتماعي لشعوب الولايات المتحدة (خطاب جيمي كارتر في الكنيست الإسرائيلي في آذار 1979).

   ومراحل التنفيذ الفعلي للقرار – الوعد تمتد عبر فترة تحضيرية من ثلاثة قرون توضعت خلالها الامتيازات الأجنبية في بلادنا بمفاعيلها الاقتصادية والتربوية والنفسية وفي عقول أجيالنا في السياسات العامة المبنية على ولاءات مشتتة وما تنتج من ارتباطات خارجية. أما الاحتياطات المباشرة المساعدة على ضمان تنفيذ القرار – الوعد، فقد كانت في اتفاقية سايكس – بيكو والتقسيمات السياسية المدروسة الناجمة عنها، وتنفيذ الاتفاقية بشراسة وجدية وحزم إلى أن تم تسليم "الأمانة" باليد من قبل الاستعمار الغربي وتحت نظره المباشر، كأب غير شرعي ومرضع وحاضن لتنفيذ الاحتلال الاغتصابي الإفنائي وضمان استمراره وإكمال خططه. والذي يجب تسجيله في هذا المجال أن تأمين الهيمنة الاستعمارية العسكرية المباشرة على بلادنا كانت كافية لتأمين تسليم خاصرتنا الجنوبية (فلسطين). لكن الاحتياطات المستقبلية ضد إمكانية يقظتنا ومحاربتنا الفعلية للخطر وردات الفعل المحتملة وإفساح المجال لشمول الاغتصاب كامل "أرض الميعاد" من الفرات إلى النيل، جميعها قد قضت بإجراء التجزئة والتقسيم مع الاحتلال من أجل ضمان حصول أسوأ حالة من عجزنا لأطول مدة ممكنة من الزمن. ويتوجب علينا أن نلاحظ ونسجل أيضاً حقيقة أخرى وهي أن "صك انتداب" فرنسا وبريطانيا على بلادنا من قبل عصبة الأمم قد صدر بعد حوالي ثلاث سنوات من حصول الاحتلال العسكري المباشر. كما يحصل اليوم بالنسبة للولايات المتحدة. مما يوضح بشكل جلي أن مصادر "الشرعية الدولية" هي على الدوام مزارع للغرب المتهود.

   ومن الاحتياطات الجذرية لضمان تنفيذ القرار – الوعد وتثبيته تدابير مرافقة اتخذتها القوى الدولية لأهداف مركبة ومتراكبة، أبرزها تضييق المدى الجغرافي الاستراتيجي، وبالتالي الاقتصادي العسكري، لكيانات سايكس – بيكو وتقليص نطاق حركتها وتقييدها بوسائل مساعدة. لذلك كان تسليم سفوح جبال طوروس والهضبة الكيليكية لتركيا من قبل فرنسا في اتفاقية بين الطرفين عقدت عام 1922 واتبعت فيما بعد بلواء اسكندرون. وضمن الإطار الاستراتيجي نفسه قضت بريطانيا على الشيخ خزعل وإمارة المحمرة عام 1926 وسلمت سفوح زغروس والأحواز "رسمياً" لوالد الشاه المخلوع. ليس فقط لضمان موافقة الجارتين الحميمتين على زرع السرطان اليهودي (ولم تكونا غريبتين عن هذا الارتكاب) ولكن إمعاناً في تضييق الخناق على أمتنا بهذا الاقتطاع الجغرافي الاقتصادي الاستراتيجي الضخم. وبالنتيجة نفسها وضمن الإطار نفسه يجب أن يفهم احتلال العراق المعرّض حالياً للتقسيم ولمزيد من الاقتطاع لصالح الجارتين، استتباعاً واستكمالاً للخطة التاريخية نفسها، مع فارق بسيط ظهر في المدى الزمني هو الموافقة العلنية الحالية على الخطة من قبل العالم العربي الذي كانت موافقته ضمنية في المراحل السابقة.

   هل غاب الأديب الفلسطيني المقاوم؟!

   عز الدين أحمد * كاتب وصحفي مقيم في الأردن

   14 /2/2008

   لا جدل في أن اغتيال الأديب الفلسطيني المعروف غسان كنفاني شكّل استهدافا صهيونيا واضحا للإبداع الثقافي الفلسطيني في إطار استهداف أكبر للإنسان الفلسطيني بمفرداته كافة، بعد أن أثبتت الثقافة الفلسطينية على امتداد تاريخ النضال الفلسطيني فعاليتها في فضح ومقاومة ممارسات الاحتلال.

   هذا الاغتيال، مثّل تغيبا قسريا لركن مهم من أركان الحركة الثقافية الفلسطينية، في وقت كانت تمر فيه القضية الفلسطينية بمرحلة حساسة جدا، في العام 1972 أي قبل عامين تقريبا من بدء التغيرات التي طرأت على مسار كيان ارتضاه الفلسطينيون ممثلا شرعيا له.

   ولعل التساؤل الذي يبرز، لماذا افتراض هذا العنوان؟، وما هي أهميته؟، فنقول: إن التطورات التي طرأت على القضية الفلسطينية تدعونا لطرح مثل هذا السؤال في ظل الانعطافات الخطيرة التي يمر بها نضال هذا الشعب، وفي ظل انقسام لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال تجاهله، مع ضرورة النأي بالثقافة الفلسطينية عن التجاذبات الحاصلة حاليا، وإن كانت هذه المهمة ليست سهلة وسط التداخل الكبير بين السياسي والثقافي.

   ونطرح تساؤلنا هذا في وقت نشعر فيه بانكفاء عدد من الأدباء والشعراء الفلسطينيين، بل وارتضائهم لنفسهم بأن يكونوا طرفا في معادلات سياسية معقدة من خلال انحياز لطرف على حساب آخر، وهو ما أعتبره انتحارا مع سبق الإصرار والترصد.

   فالأصل في المثقف أن يكون لكلّ شعبه، لا أن يهب تراثه وأدبه لفئة ويمنعه عن أخرى كما حصل في نموذج، لسنا مضطرين للإعلان عنه فهو معروف، وكنا نتمنى أن يبقى فلسطينيا بحتا كما عهدناه، وأن يحافظ على عهد رفيقه كنفاني الذي استشهد فلسطينيا بحتا.

   المشكلة تكمن في أن البعض الفلسطيني المثقف - في ضوء التجاذبات السياسية- اتخذ قراره بأن يصوب قلمه تجاه جزء فلسطيني آخر بحجج ومبررات واهية، فسلم العدو الصهيوني منه ولم يسلم شقيقه الفلسطيني، حتى أضحت صفحات الجرائد ومواقع الإنترنت سوق عكاظ جديدة لهجاء هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، دون مجرد الالتفات لما يحيكه الصهاينة لهذا الوطن بكل فلسطينييه.

   ما نتحدث عنه في موضوع الغياب لا يفترض أن هناك أرقاما صعبة أثبتت جدارتها على صعيد الأدب المقاوم، ولكننا نتحدث عن احتكار البعض صفة "المثقف الفلسطيني" فيمنحها لفلان ويحجبها عن آخر بما يتواءم مع توجهات شخصية بحتة.

   في ظل الهجمة الشرسة على القضية الفلسطينية بتنا اليوم بحاجة إلى الأديب الفلسطيني الذي يرفع لواء المقاومة دون تلوين أو أدلجة، لسنا بحاجة إلى أديب يرتمي في أحضان محتلي وطنه تحت شعار تلاقح الثقافات وتقاربها، وكأن البعض بدأ يحنّ إلى ماضٍ انتقد مرارا بسببه.

   بتنا اليوم بحاجة إلى ممايزة صريحة وواضحة بين من اختطفوا لقب أدباء المقاومة وخدمتهم وتبنتهم تيارات سياسية معروفة وبين من غُمروا رغم أدائهم الأدبي والثقافي الممييز، لكنه لم يرق للبعض كونه يعبّر بصدق عن ضمير الأمة وقيمها.

   ثقافة الاستشهاد

   عدنان كنفاني

   الشهداء.. شموع تضيء لنا دروب مسيرتنا، كلما أرجَفَنا الوقت، وتكالبت علينا صنوف القهر والضغط والحصار نشتدّ بهم، لأنهم الذين قدموا أرواحهم ودماءهم وأمنياتهم رخيصة من أجل أن نحيا.

   هؤلاء العظماء بقرارهم، وبقدرتهم على البذل والعطاء غير المحدود، الحاملين مشاعل الأمل، والحالمين بحياة حرةّ كريمة لنا ولأجيالنا، الصاعدين تباعاً إلى العلا مؤمنين بما وعدهم ربهم، منهم من لبى نداء ربه، ومنهم من ينتظر.

   عندما يختلّ ميزان القوّة بين الغازي وصاحب الدار إلى درجة يصبح مجرد تصوّر تكافؤ القدرات بالمواجهة والتصدي أمراً بعيداً عن المنطق والعقل، تبرز الحاجة إلى ابتكار وسائل جديدة وحديثة ومختلفة لإقامة حدّ أدنى من القدرة على المواجهة والصمود، غير ذلك معناه الاستسلام والرضوخ، وإعلان الهزيمة، إذ لا يعقل أن نقيم مقارنة بين من يحمل عصا، وبين من يتحصّن في دبابة أو طائرة ويملك أفتك الأسلحة القادرة على التدمير والقتل الجماعي والمشبع ليس للبشر فقط ولكن للشجر والحجر.

   ومن هذا الإيمان، ولأننا أمّة يجب أن تحيا وهي تحمل كل القيم الإنسانية والحضارية والتاريخية والتراثية، ولأننا نتمتّع بقيمة مثلى، شربناها ورست في ضمائرنا منذ أن أُنزلت رسالة الإسلام على صدر نبيّ الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وانتشرت لسلام البشرية، محمولة على تضحيات المؤمنين القادرين على البذل دفاعاً عن الدين والأرض والعرض، الموعودين بالجنّة وهي دار مستقرّهم نجوماً ومشاعل ينيرون أمامنا طريق الحياة، ويتوضّعون أقماراًً على جباهنا، ورموزاً نتمثّل بهم، ومكاناً في أعلى العليين عند ربهم يرزقون، كان الطريق إلى الشهادة هو الطريق لتحقيق الحياة، ولا أعتقد أن بعد هذه المكرمة يمكن أن ترقى أي مكرمات أخرى.

   وليست الشهادة بذاتها غاية، إذ لا يعقل أن يقدّم كائن روحه وهي أغلى ما يملك جزافاً ودون أثر ودون سبب، بل هي وسيلة لتحقيق غايات نبيلة تمسّ روح الحياة، من قضى في سبيلها فهو شهيد، ومن بقي على قيد الحياة فهو شهيد حيّ، ويبقى ذلك النبيل.

   وهل هناك أنبل من إقامة الدفاع عن العقيدة والأرض والعرض.؟

   يقول "أبو ذر الغفاري" الصحابي الجليل رضي الله عنه: (أعجب لامرئ لا يجد قوتاً في بيته ولا يخرج شاهراً سيفه على الناس.) فكيف إذا كان الأمر في فقد وطن بكل ما يحمل هذا الفقد من أبعاد ورواسب.!!

   نحن شعب تكالبت علينا غوائل الغزاة، طمعاً في ثرواتنا وأرضنا، ومرتعاً لترويج صناعاتهم ومنتجاتهم، وفوق ذلك كلّه في مساعيهم التي لم تتوقف يوماً على تذويبنا كأمّة، وطمس وجودنا وهويتنا الدينية والإنسانية، فهل بعد هذا كله تستقيم لنا الحياة.؟

   نحن.. الأمّة الوحيدة على هذا الكوكب التي استطاعت عبر تاريخها أن تفرز من ذاتها وسائل تصديها للهجمات التي استهدفتها، ونحن الأمّة الوحيدة التي تستطيع لأنها تملك العمق التاريخي والتراثي والإنساني أن تتجاوز انكساراتها، وتنهض من قلب اليأس إلى قمّة القدرة على التفاؤل وتحقيق وجودها، والتاريخ يشهد، والأمم التي غزتنا واحتلتنا واستعمرتنا "طال احتلالها أم قصر" تدرك ذلك جيداً لأنها دخلت تلك الدائرة، وتجاوزت الخطوط الحمراء، ومارست كل فنون القهر والقتل والتدمير والحصار، لكنها خرجت دون أن تحقق مراميها.. ونحن بقينا على هذه الأرض.. وسنبقى.

   وكان علينا في كل مرة أن ندفع ثمن بقائنا، لأن الحرية لا تُستجدى، ولا تُطلب، وليست متاعاً يباع ويشترى، ولن يعطيها لنا أحد بالمجان، بل تُؤخذ غصباً، وبعض الغصب أن نملك القدرة على التضحية حتى بالروح.

   لقد استطاعت هذه الأمّة أن تستولد في كل وقت وسائل صمودها وتصديها، ثقافات تتوالد كما تتوالد النسور كلها تصبّ في نسيج الوطن، لأن الوطن هو الأرض التي تنمو عليها كرامة مالكيها، ولأنها الرمز والمنطلق والمحور لتأصيل الانتماء.

   ومن قال أن الثمن رخيص.؟

   الموت حق، وقد يكون الحقيقة الأكبر في هذه الحياة، (من لم يمت بالسيف مات بغيره... تعددت الأسباب والموت واحد.) ولا يستطيع أحد أن يدّعي الخلود، ولن يستطيع أحد أيضاً أن يقف في مواجهة من يسعى إلى النصر ويحمل روحه على كفّه.

   من يتطلع إلى حياة كريمة في ظل وطن حر له ولأسرته ولمجتمعه تهون في نظره كل التضحيات، حتى التضحية بالروح وهي أغلى ما يملكه كائن على الإطلاق، وقد منّ الله سبحانه علينا بنعمة الإسلام، وعلّمنا بأن الشهادة خلود، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ومن هذا المنطلق أيضاً تخرج الروح من الجسد لتحيا من جديد برزق من الله سبحانه، ومتى وصلت درجة الإيمان بأن لا حياة مع بقاء المحتل والمستعمر، تصبح التضحية أمراً عادياً يجعلنا جميعاً على سلّم التضحيات ومقولة النضال، مشاريع شهداء.

   ووسائل النضال أكثر من أن تعد وتحصى، ولا تقتصر على بندقية أو سيف أو خطاب، بل هي مجموعة ثوابت تتلاحم وتتفاعل من أجل تحقيق غاية واحدة.

   هو القرار والاستعداد للتضحية بكل شيء حتى بالروح من أجل الخلاص من القهر والذل والمهانة، هو أول طريق للشهادة، من يخرج إليه، ويمشي في مسالكه فقد ينالها ويسكن في ضمير الحياة، ومن يقطف ثمار الحريّة والانتصار فهو الحيّ الشهيد.

   وليخسأ المشككون.

   العبرية والعبرانيون

   خلال النكبة المستديمة لأمتنا، وفلسطين منها القلب، انزلق الكثيرون من مفكرينا ومثقفينا وكتابنا وسياسينا وإعلاميينا إلى استعمال بعض "المسلمات" التاريخية الناتجة عن اختراقات قديمة سببها أن جزءاً كبيراً من تاريخنا القديم كتب بأيدي أعداء أمتنا، وترسخ الكثير من هذه الكتابات بتزويرها وادعاءاتها في عقول أجيالنا، قبل أن يكشف باطن أرضنا القديمة عن كنوز آثارنا وتراثنا الصحيح. فمنعت المفاهيم المشوهّة المترسخة تداول الأبحاث والدراسات حول حقيقة تاريخنا وتراثنا، فاستمرت النكبة في تشكيل عقل أجيالنا بالتزوير المسمم والادعاءات الخارجية في زمن تقضي فيه ضخامة حملة الإبادة الشاملة التي نتعرض لها بإعادة فتح موضوع فلسطين والصراع على المنطقة قديماً وحديثاً من جذوره التاريخية وإبراز حقيقة قيادتنا للحضارة والعمران والعلم والفلسفة منذ وضع بذورها الأولى في أرضنا ولمدة آلاف السنين، قبل تجديد الهجوم الامبريالي الممنهج الكاسح لبلادنا في القرنين الأخيرين من قبل القوى الدولية المتهودة المتصهينة وصولاً إلى تباشير التهويد الكامل في العولمة الحالية.

   هذه المهمة تقتضي إعادة تصحيح التاريخ أحداثاً وتفسيراً ومفاهيم، على ضوء الحقائق التاريخية، لا على أساس الموروث المشوه المعادي لأمتنا وتراثها. ومن التعابير والمفاهيم التي تحتاج إلى إعادة النظر والتصحيح تسمية "العبرانيين" و "اللغة العبرية"، وأخطر ما فيها أنها تؤدي إلى الربط غير الدقيق بين يهود العصر وقبائل الخبيرو أو العبيرو الذين يدعون أنهم جذورهم التاريخية. وأول ما نريد أن نلفت الانتباه إليه أن اليهود الذين تجمعوا وتمركزوا في اغتصاب فلسطين، هم خليط اجتماعي وثقافي متنافر من عدة مجتمعات وأمم اختلطوا معها وأخذوا من عاداتها وتقاليدها وثقافتها وتقنياتها دون اندماج وتمازج في الروحية والولاء والانتماء. لذلك فإن إعادتهم ، وإن ادعوا إلى ا"لخبيرو" وهو خطأ تاريخي واضح وجهل فاضح في قواعد علم الاجتماع وحقيقة نشوء المجتمعات الحضارية من خلال التمازج البشري والتفاعل المستديم مع بيئاتها الطبيعية عبر التاريخ. فلا علاقة لا أثنية ولا اجتماعية ولا ثقافية لهم بالخبيرو سوى علاقة الادعاء والتزوير وتحجر المفاهيم.

   إن أول ذكر لقبائل الخبيرو في الوثائق التاريخية هو في حفريات آثار تل العمارنة في مصر، وتحديداً في رسالة من أحد الملوك الكنعانيين إلى فرعون مصر يبلغه فيها عن غزوة بدائية همجية تعرضت لها بعض مدن مملكته وأحدثت فوضى ونهباً وتدميراً، مما أدى به إلى تأجيل تنفيذ المعاهدة المعقودة بينهما. وتاريخ هذه الرسالة يعود إلى أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد (حوالي 7200 ق.م). ومن المؤرخين الذين عرضوا لهؤلاء الغزاة البدو وغزوتهم الدكتور فيليب حتى في كتابه الأخير " خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى"، حيث يصف حالتهم الثقافية بأنهم كانوا بدواً رعاةً لا يعرفون العمران ولا الزراعة ولا الصناعة، وليس لهم لغة واضحة ولا ميثولوجيا. توقفوا لفترة زمنية بعد مرورهم على مدن الساحل المتوسطي الجنوبي في منطقة النقب وسيناء حيث سمح لهم أهل الأرض من الكنعانيين برعي مواشيهم. فاقتبسوا فيما اقتبسوه اللغة الآرامية بلهجة مدن جنوبي القدس، ونسبوها فيما بعد لهم، وأصبحت تسمى باللغة العبرية.

   ما نريد لفت النظر إليه بكل دقة أن اللغة الآرامية بلغت ذروتها وأصبحت لغة الثقافة والدبلوماسية والتجارة في العالم القديم لمدة أكثر من ألف عام وتطورت إلى اللغة السريانية (السورية، نسبة إلى Syrians باللغات الأوروبية) وإلى اللغة العربية فيما بعد. في حين أن لغة اليهود اليوم لم تتطور عن الاقتباس الأول لا في اشتقاقاتها ولا في قواعدها ولا في تحديث معانيها إلى بإدخال بعض العبارات إليها في القرون الأخيرة من اللغات الأوروبية التي عاش اليهود في بلادها. فلا يصح تسميتها بالعبرية خلافاً لأساسها وطبيعتها. ولأن كلمة "عبرانيون" كصفة لقبائل الخبيرو في تفسير هجين يعتمد على "عبورهم النهر"، هي كلمة مبتدعة لأن حادثة "العبور" نفسها ادعاء مقتبس محرف ومزور ومشوه لوقائع مستقاة من الملاحم الكنعانية والبابلية القديمة ولا علاقة للخبيرو بها قديماً ولا ليهود آخر زمن.

   منابع الإرهاب في التوراة

   بدعوة من المركز الثقافي العربي في مخيم اليرموك، ألقى الباحث بديع يوسف عطية محاضرة بعنوان "منابع الإرهاب في التوراة" وذلك عند الساعة السادسة من مساء يوم الأحد 20 نيسان 2008 في قاعة المركز.

   وحدد المحاضر عناصر البحث بإشكاليات التي يثيرها العنوان نفسه. فعرض لإشكالية تحديد الإرهاب بوصفه مستوى من العلاقة العدائية بين طرفين. وشدد على ضرورة تحديده وتعريفه دولياً، خارج أطر القهر الذي تمارسه كواسر الأمم المتحدة على شعوب العالم باسم الشرعية الدولية. لذلك لا بد من إحياء المطلب السوري بعقد مؤتمر دولي لتحديد الإرهاب وتعريفه، وطرح هذا الموضوع بقوة إقليمياً ودولياً على الصعيدين الحقوقي والثقافي السياسي.

   وفي بحث إشكالية مرجعية التوراة، استخلص الباحث من مراجع لباحثين وأثريين ومؤرخين من رجال دين أن هذا الكتاب المزور الممسوخ ليس كتاب دين ولا كتاب تاريخ ولا يصح اعتماده في المجالين. لكنه يعتمد كشاهد إدانة لأصحابه على النسخ والمسخ والتزوير وروحية العداء للبشرية جمعاء والتمييز العنصري والحقد الأسود والإيمان بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية التي تنضح بها كل نصوص التوراة، وقدم أمثلة على الإدانة من عدة مراجع ومصادر مدعماً رأيه بعدد كبير من النصوص التوراتية، كأصل وأساس للتمييز العنصري والإرهاب وحروب الإبادة. وأعطى أمثلة واضحة على ممارسة روحية العداء الإرهابي من قبل أصحابها على مدى التاريخ القديم والحديث، والتي تجسدت بأوضح وأبشع مظاهرها في فلسطين في القرنين الأخيرين بالقتل والنهب واقتلاع الشعب والمجازر الإفنائية التي تتعاظم وتتسع كلما تقدم البائعون عروساً جيدة للتنين . وأخيراً في العراق الذي وضح المحاضر لمأساته عنوان جامعة أبو غريب الحضارية.

   وفي محور إشكالية غربلة التاريخ أورد المحاضر أمثلة عن الحروب الإرهابية التدميرية التي غزت منطقتنا في التاريخ القديم وصنفت كإسهامات حضارية. كما أورد أمثلة من التاريخ الحديث عن إبادة الهنود الحمر ومجزرة سايكس – بيكو ووعد بلفور وقنبلة هيروشيما وغيرها وارتكابات القوى الدولية المتهودة المتصهينة في الجزائر وليبيا وشبة القارة الهندية ومصر نهباً وقهراً وقتلاً وتجزئة وتقسيماً .

   وفي عرضه لإشكالية العقبات التي تعيق عقد المؤتمر الدولي لتعريف الإرهاب، طالب المحاضر بتصحيح المفاهيم الدارجة وعدم استعمال الرموز الثقافية اليهودية الصهيونية وإسقاطها على حالة الأمة، خصوصاً في فلسطين. كما طالب بوقف الإرهاب القمعي داخل المنظمات والأحزاب في العالم العربي، وبالرجوع عن التماهي والانسياب من قبل الأكثرية العظمى من الدول العربية في معسكر العدو وضد إرادة شعوبها، بحيث أصبحت أشكالاً للحكم الذاتي في ظل إمبراطورية الاغتصاب في فلسطين تسبب من الإرباكات والأذى لمراكز الصمود والصراع أكثر مما يسببه النشاط المباشر للعدو.

   وسيتم توسيع المحاضرة بزيادة نصوص الاستشهادات العلمية التاريخية والإرهابية التوراتية وطبعها في كتاب يصدر قريباً.

   المعرفة ... إنقاذ المفاهيم

   في ذكرى مفصل أساسي من مفاصل نكبتنا المستمرة، لابد لنا من التوقف أمام مظهر متجذ ّر من مظاهر النكبة هو مظهر النكبة الثقافية التي عششت في شعبنا وفي العالم العربي، عبر حوالي ألف عام من الظلم والظلام، اندثرت خلالها دولتنا القومية ومؤسساتنا الاجتماعية والثقافية والإعلامية والاقتصادية، ولم تصمد سوى مؤسسات العرق والطائفة. وتولد ت فينا ثقافة الأمر المفعول والانهزام واستلاب الإرادة والانسياب في إرادة المستعمر وخططه، وتشويه التقاليد الأصيلة المعبرة عن زخم الحياة فينا. وتبرير كل ذلك بثقافة شعبية محتضرة متجلببة بالحكمة والفضيلة تبرر الرضوخ وتبارك الخوف وتقدس الجبانة وتقتدي بالغدر.

   وقد تمثلت هذه الثقافة بأمثلة شعبية أخذت مداها في مجاميعنا وفعلت فعلها في بث الاتكالية وانتظار الفرج دائماً من خارج الأمة. وتتشح جميعها بالفردية والأنانية ونحر قيم الحياة في سبيل مجرد العيش ، في زمن كانت فيه أجيالنا بعيدة عن ضمان العيش الذي يؤملها به الانهزاميون الاستسلاميون.

   ومن أبرز هذه الأمثلة:

bullet

"اللي بيوخد إمي بيصير عمي". كتبرير واضح للسلوك الأناني بالقبول بأي مستعمر خارجي يأخذ أمه وأمته وهو غير مبالً...

bullet

"عند تغيير الدول ، احفظ راسك". وكأن القائل يعيش في بلاد أجنبية لا دخل له بتراب وماءها وهوائها وتراثها وحياتها ومصير أجيالها.

bullet

"العين ما بتقاوم مخرز". من أجل إحباط الهمم والرضوخ وخنق نفس التغيير والثورة على الفساد والظلم.

bullet

"الإيد اللي ما فيك تعضها، بوسها وادعي عليها بالكسر". فيجعل من العض مثلاً إنسانياً أعلى ، في أفضل درجات المقدرة والقدرة على مواجهة الفساد والسلطان الظالم.

واليوم تفور رواسب هذه الثقافة من جديد لتغلي في مراجل التسويات والمفاوضات والمساومات والهدنات وامتصاص الصدمات وصمامات الأمان ضد الحروب "الإرهابية"، والتروي ... لتصب جميع مظاهرها في هدف التغييب والتغريب، ومن أبرز نتائجها القضاء على ثقافة التحرير والعودة.

وكأن العدو الذي نواجهه هو القضاء والقدر الذي لا مفر منه إلا بوأد الذات في حفر سايكس – بيكو وتلقي سيول وعد بلفور من كل جهة وصوب.

وبالرغم من أن المخرز قد التوى مراراً وبدأ يذوب أمام عين الشرف والكرامة والبطولة الأصيلة. إلا أن ثقافة المنافع الفردية والاستغلال الفئوي الضيق لا تزال تحاول أن تغلب منافعها على المصالح العامة والمصير العام، وتبهرج أمام الشعب رخاءً خلبياً وأمناً مفقوداً وكرامة مهدورة ورغيفاً متدحرجاً .

إن ثقافة العودة المبنية على الإرادة القومية الحقيقية وعقلية البناء المخطط والتضحية المنبثقة عنها، قد افتتحت معركتها الثقافية الحقيقية مع مظاهر الخمول والانحطاط، ومع حراس التخلف ووكلاء العدو في الاقتصاد والسياسة ... والثقافة.

   تقريــــــر

   لإحكام الهيمنة الصهيونية وتغيير الوضع القائم منذ عدوان 1967

   مليار دولار لتطبيق أخطر مشروع استيطاني لتهويد القدس خلال 6 سنوات

   القدس تتعرض لأشرس هجمة صهيونية ودعم يهودي بمئات الملايين

   (أرشيف)

   القدس المحتلة – المركز الفلسطيني للإعلام

   10/2/2008

   في غفلة وبعيداً عن الأضواء والمؤتمرات الصحفية والتفاوضية؛ تعمل الحكومة الصهيونية وبلدية الاحتلال في مدينة القدس بالتعاون مع جمعيات استيطانية ودينية صهيونية في الداخل والخارج على مشروع استيطاني خطير انتهت مرحلة المصادقة عليه لتهويد البلدة القديمة من القدس المحتلة.

   وحسب المشروع الصهيوني، الذي حصل مراسل "المركز الفلسطيني للإعلام" على نسخة، منه فإن الهدف هو السيطرة على المسجد الأقصى المبارك ومقبرة باب الرحمة وباب الأسباط والالتفاف على إدارة الأوقاف الإسلامية لنزع صلاحياتها في المسجد الأقصى المبارك من خلال إدارة مشتركة صهيونية مسيحية (إسلامية) تمكن الصهاينة من دخول المسجد الأقصى المبارك والصلاة فيه وبناء هيكل نموذجي بين قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى المبارك.

   تعزيز السيطرة

   ويهدف المخطط الصهيوني إلى تعزيز السيطرة اليهودية على القدس المحتلة وخاصة البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك والأماكن والمقدسات الإسلامية المسيحية وتحويلها إلى مرجعية وإدارة صهيونية تتولى الإشراف عليها وعلى ما يسمى بـ (الحوض المقدس) الذي يمتد من حائط البراق إلى باب الساهرة.

   ويتضمن المخطط العديد من المشاريع الاستيطانية التي تهدف إلى نزع السيطرة عن الأراضي والأوقاف الإسلامية والمسيحية وتحويلها إلى دائرة يجري استحداثها (من قبل الحكومة الصهيونية والبلدية ولجنة تطوير البلدة القديمة ودائرة ما يسمى بـ "أراضي إسرائيل" وحاخامات حائط البراق المبكى، لإدارة ما يسمى بـ "التراث والتاريخ اليهودي" بإشراك المسيحيين والمسلمين، بحسب المخطط، بما فيها المسجد الأقصى المبارك والكنائس والأراضي التابعة لها في منطقة الصوانة والجثمانية ومنطقة الطور وباب الأسباط والمقبرة الإسلامية وكذلك باب المغاربة وأراضي الأوقاف في السلودحة وساحة باب المغاربة ومنها إلى عين سلوان وحتى باب الساهرة في محيط أسوار المدينة المقدسة".

   نفق جديد قرب المسجد الأقصى

   ويشمل المشروع الصهيوني على شق نفق من باب الخليل أسفل البلدة القديمة إلى باب المغاربة جنوباً وكذلك مد خطوط لقطار هوائي من باب الأسباط إلى جبل الزيتون – الطور، وكذلك من الثوري إلى عين سلوان فيما يطلقون عليه (مدينة داود) بالتعاون مع الجمعية الاستيطانية (العاد) التي استولت على عشرات المنازل هناك .

   وجاء في مقدمة المشروع الاستيطاني الذي حمل اسم (واجهة القدس): "أن هذه المخططات والصور للمشروع هي لاستنهاض مكانة الحوض التاريخي" في القدس كمسعى وطني بالتعاون مع الشعب اليهودي وبإشراك المسلمين والمسيحيين.

   أهداف المشروع

   ومن الأهداف المعلنة لهذا المشروع:

   1 – "تنمية" مجال ما يسمى (الحوض التاريخي – المقدس لليهود) لاستيعاب و"جذب سياحي" لـ 10 مليون زائر، وتجنيد واستثمار نحو 2 مليار شيكل جديد في خطة يتم تنفيذها لست سنوات.

   2 – "تجنيد" معظم "الشعب اليهودي" في حث تنمية المشروع؛ أي الاعتراف الضمني بحقوق اليهود في الحوض المقدس الذي حسب التعريف الصهيوني يشمل (المسجد الأقصى المبارك).

   3 - إيجاد علاقات "ثقة" وتعاون مع المسؤولين على التراث الإسلامي (الأوقاف الإسلامية في القدس والمسيحي في المنطقة) وذلك من خلال تفعيل إدارة مشتركة يهودية – إسلامية - مسيحية تحت سيادة (الكيان الصهيوني) خارج إطار مواضيع السيادة الوطنية والسيطرة الدينية.

   4 توحيد شركتين حكوميتين بلديتين (تابعة للاحتلال) مع "صندوق تراث حائط (البراق) المبكى"، الذي يعمل في نطاق حائط البراق، ليصبح هيئة واحدة ناجعة ومركزية "واجهة القدس" ليعمل كذراع حكومية باشراك الشعب اليهودي وبلدية الاحتلال في القدس لتنفيذ المشروع.

   السماح لليهود بتدنيس الأقصى

   وقال مقدمو المشروع الاستيطاني إن الهدف هو تطوير وفتح موقع "الحوض التاريخي المقدس" في القدس للزائرين (المستوطنين واليهود من جميع دول العالم) كمركز "للتجربة الشعورية اليهودية والقومية كموقع زيارة وسياحة وصلاة هو المركزي والأول" في الكيان الصهيوني؛ أي السماح لليهود بإقامة طقوسهم في المسجد الأقصى المبارك وساحاته (عبارة عن ساحات عامة كأي منطقة في القدس وليست مسجد ) حسب واضعي المشروع.

   وأضاف المشروع، المدعم بالخرائط والصور، أنه "يجب ضمان حرية وصول اليهود، والحركة، ووقوف السيارات والأمن في الموقع كله، وفي المواقع المختلفة الخاصة فيه، مع الانفتاح وحرية الزيارة والصلاة في المنطقة جميعها".

   ويشير المشروع إلى ضرورة: "تطوير مكانة "الحوض المقدس" (الذي يشمل المسجد الأقصى المبارك والمقبرة الإسلامية في باب الأسباط وأرض الأوقاف في السلودحة وفي منطقة سلوان) على نحو يمكن من إبطال الاختلافات السياسية والقومية بحيث يمكن استخدامها كافة في الحياة والنشاط في الموقع كله؛ أي تسخير كافة هذه المباني والأراضي لخدمة المشروع "القومي الصهيوني" كمدينة يهودية صهيونية موروثة صهيونية قديمة حسب ادعائهم.

   ويحدد المشروع ويعرف ما هو الحوض التاريخي أو الحوض المقدس بما يلي: "المنطقة بين جبل الزيتون – الحي اليهودي ومركز الحي المسيحي وبين مدينة داود، إلى باب الساهرة، وبالتفصيل مواقع "مدينة داود"، والمقبرة وقبة جبل الزيتون، وحديقة ناحل كدرون، وحدائق الملك وحديقة جاي بن – هنوم، وباحة حائط المبكى (البراق) ومبنى المحكمة (المدرسة التنكزية مقر حرس الحدود اليوم)، ومنتزه عوفيل وموقع الحرم القدسي (المسجد الأقصى المبارك)، وموقع المقبرة الإسلامية شرقي (جبل الهيكل) و"مدرون هشفاخيم" والحي الإسلامي، والحي اليهودي، والحي المسيحي، وموقع مغاير صدقياهو، ومحاور الحركة الرئيسية إلى الموقع: محور باب الخليل – باب المغاربة، ومحور طريق أريحا (راس العمود) – باب المغاربة، ومواقف سيارات: الحي وجفعاتي وجبل صهيون".

   تعزيز الانتشار الأمني في الحرم القدسي

   ويرى واضعو المشروع الصهاينة أنه "لابد من تركيز ونقل ضرورات الأمن والحراسة والسيطرة الأمنية في الموقع كله بما فيها السيطرة على جبل الهيكل (المسجد الأقصى المبارك) وباحة حائط المبكى (البراق)".

   ويشدد المشروع على تركيز تنسيق وتوجيه تخطيط البناء كله والتطوير في الموقع كله، وإدماج مبادرات جهات، وجمعيات وسلطات تعمل في الموقع؛ أي أن البناء والتخطيط سيكون تحت سيطرة الإدارة الصهيونية الجديدة بعد رفع يد الأوقاف والكنائس عن أملاكهم وأوقافهم الإسلامية والمسيحية لتديرها جمعيات استيطانية وهيئات صهيونية والكونجرس اليهودي العالمي.

   وتقوم جهات استيطانية وحكومية وجمعيات دينية وسياسية بتجنيد الدعم المادي وجمع تبرعات وتوجيه مشاركة الشعب اليهودي في مشروع "إنهاض مكانة الحوض المقدس"، حسب المشروع.

   ويضيف المشروع في محتواه كيفية إدارة باقي المرافق بعد نزع سيطرة وإدارة الأوقاف والكنائس. ويرى واضعو المشروع أنه لابد في المستقبل من إقامة بيت المديرية المشتركة و"حراسة الأماكن المقدسة في القدس".

   وينص المشروع على ضرورة تحديد الشركة التي ستنفذ المشروع على أنها "الجهة الممثلة للدولة والشعب اليهودي لإدارة ممتلكات التراث اليهودي في الموقع والحفاظ عليها، وخاصة جبل الهيكل (المسجد الأقصى المبارك)، وباحة حائط المبكى (البراق) ومرتفع مدينة داود، لضمان الانفتاح وسهولة وصول كل أبناء الشعب اليهودي إلى المواقع المقدسة"!؟.

   تزوير التاريخ في القدس

   ويؤكد المشروع على "ضمان مكانة الشعب اليهودي في قرارات حاسمة في شأن مصير أملاك التراث اليهودي معا وبمشاركة الدولة"، وإشراكه في سلطة القرار في إدارة الشركة وخاصة على المسجد الأقصى المبارك، وتحديد المكاتب الحكومية الصهيونية أو لجان الوزراء التي ستوجه القرارات لإقامة الجهة المذكورة، "لإشراك الشعب اليهودي، وإقامة مديرية مشتركة، للمراقبة وتوجيه مديرية الشركة على حسب غايتها".

   ويشمل المشروع الاستيطاني إقامة عدد من المشاريع الصغيرة في معظم جوانب "الحوض المقدس" بهدف تردد المستوطنين واليهود من جميع دول العالم عليها، بحيث يجري نشر الرؤية والتصور الصهيوني العنصري المشوه لتاريخ ومكانة وحضارة القدس العربية الإسلامية وفق الرؤية الصهيونية التي تغيب الوجود العربي والإسلامي والمسيحي.

   ومن بين هذه المشاريع: مراكز بحث ودور عرض أفلام ثلاثية الأبعاد وكذلك تنظيم حلقات وصفوف دراسية جامعية بالتنسيق مع كبرى الجامعات في العالم والجامعات الصهيونية لتدريس وعرض الرؤية الصهيونية لتاريخ وحضارة القدس وفلسطين بما يعزز الخطاب الصهيوني ويطمس ذلك البعد العربي والإسلامي للمدينة المقدسة.

 

 

 

 

 

 

 

إلى صفحة مشاركات الزوار 11